د فوزي مهدي - زهران ممداني عمدة نيويورك الجديد: هل فازت غزّة أم فاز الانسان؟

هل فاز اليساري؟ نعم، حين قرّر الناس أنّ الرغيف والكرامة ليسا «يسارًا» ولا «يمينًا»، بل حقّان يوميّان.
هل فاز المسلم؟ نعم، حين لم يُختزل في اسمه وصلاته، بل في عهده للمدينة.
هل فاز الإنسان؟ نعم، لأن أجندة العناية بالضعفاء لا تسأل عن الهوية قبل أن تفتح الباب.
هل فازت غزّة؟ فازت بوصلتها في أفواه الآمنين هنا. لم تتوقّف مأساتها، لكن اسمها غدا جزءًا من ضمير المدينة.
في ليلةٍ باردة، بدت نيويورك كأنها تُبدّل جلدها. ناطحات الزجاج توقّفت عن النظر إلى نفسها، وأصغت إلى ضجيجٍ يخرج من الأحياء التي لا تظهر في البطاقات البريدية. عرق مترو مكتوم، على الأرصفة عربات طعام، وأصوات بَاعة يعرفون الزبائن بأسمائهم. هناك وُلد الفوز قبل أن تُفتح الصناديق. لم تكن المسألة معركة أفكار بقدر ما كانت اختبار قرب. هل يقترب المرشّح من وجع الناس ليعرف أسمائه، أم يكتفي بنشراتٍ ملوّنة وابتسامة مؤقّتة؟
ترمب وقف على منصّته العالية، يلوّح بقبضته ويستدعي أشباحًا قديمة: القانون والنظام، الغريب الذي يهدّد، المؤامرة التي تتخفّى. المال تدفّق على الإعلانات، والخوف طاف على الشاشات مثل خبرٍ عاجلٍ لا ينتهي. لكن المدينة التي نجت مرارًا من العواصف تعلّمت درسها. الخوف يستأجر الشقة، أمّا الأمل فيشتري البيت. وباسم هذا الأمل، اختارت رجلًا كان يدخل البيوت بلا كاميرات. يفاوض على إيجارٍ أعدل، ويفتح أبواب المستشفيات بلغةٍ لا تعلّقها السياسات على الجدران، ويقول إنّ المتشرّد ليس مشكلةً تُكنَس، بل إنسانٌ يُعاد إلى اسمه.
قالوا: إنه يساري. فابتسمت المدينة كمن سمع وصمةً قديمة. اليسار هنا لم يكن شعارًا. كان مواصلات تعمل في الليل، ومدارس لا تقيس الذكاء بجيوب الآباء، وضرائب لا تُكتب في مكاتب المحامين وحدهم. وقيل: إنه مسلم. فردّت الشوارع: وهل يُسأل الماء عن دينه حين يطفئ العطش؟ لم يربح لأنه مسلم، ولم يُحارَب وحده لأنه مسلم. ربح لأنه وعد أن يكون رئيس بلدية لا يغمض عينًا عن إنسانٍ بسبب اسمه أو صوته أو أوراقه.
وفي قلب المشهد، ظلّ اسمٌ بعيدٌ حاضرًا: غزّة. لم يكن مكتب العمدة قادرًا على وقف حربٍ عبر المحيط، لكنه استطاع شيئًا أصعب على المدن. أن يحفظ كرامة الكلام. لم تُجرّم الشوارعُ الهتاف، ولم تُغلَق الأبوابُ في وجه من حمل صوره وآلامه. صار في الميثاق المدني بندٌ غير مكتوب: من أراد أن يختلف فليختلف، لكن لا يُمنَع قلبٌ من أن يخفق علنًا. بهذا المعنى، فازت غزّة حقّ المعرفة والذكر، فصارت حاضرة في الميزانيات الصغرى. منحٌ لمراكز مجتمعية تؤازر اللاجئين، وبرامجُ صِحّةٍ نفسية للطلاب الذين تعلّموا في الصفوف كيف يتهجّون كلمة حصار قبل أن يحفظوا جدول الضرب. هذه انتصارات صغيرة، لكنها، كالمطر، تصنع أنهارًا حين تتراكم.
أما الحملة المضادّة فكانت تعرف كيف تهزم خصمًا أمام الكاميرا، لا كيف تُخاطب مدينةً خلف الكواليس. خطابها كان مرآةً تحبّ نفسها، وخطابه كان نافذةً تُطلّ على الجار. همّهم أن يكسبوا الخبر العاجل، وهمّه أن يكسب غدًا قابلًا للعيش. وحين صعد المنبر وقال شكرَه الأول للمنسيّين، عمّال الليل، أمّهات السلالم الضيّقة، من لا يملكون وثائق ولا يملكون ترف الصمت، فهم الناس أنّ هذا الفوز ليس مكافأة على الجدل، بل تفويضٌ للعناية.
ليس في هذا الفوز قداسةٌ ولا عصمة. ستأتي صباحاتٌ صعبة، ومفاوضاتٌ تجرح الأحلام، وملفاتٌ أثقل من الشعارات: الشرطة والحريات، الإسكان والميزانيات، صراع المقاولين ومآسي البحر عند ستاتن آيلاند. لكن الفرق بين العتمة والظلّ أن في الظلّ وعدًا بالنور. هذا ما منحته المدينة لابنها. أن يُخطئ وهو يحاول أن يُصلح، لا أن يُخطئ وهو يُدارِي.
فاز اليساري لأن اليسار كان هنا اسمًا آخر للخبز.
فاز المسلم لأن الدين لم يكن قفصًا بل ضميرًا يذكّر أن الفقر وجهٌ من وجوه الظلم.
فاز الإنسان لأن البلدة الكبرى بضجيجها وطبولها تذكّرت أنها لا تُقاس بارتفاع مبانيها بل بانخفاض الحواجز بين سكّانها.
وأما غزّة فقد فازت بما تملكه المدن الحرّة. المنبر. الفوز ليس إعلان نصر عسكري، بل نزع الخوف من الاسم، وتحويل الألم إلى سياسة رعاية تقاوم القسوة البعيدة بما تستطيع اليد القريبة.
وهكذا، حين انطفأت مصابيح الاستوديوهات، بقي ضوءٌ خافت في نوافذ البيوت. أمّ تطوي قميص ابنها للمدرسة، ممرّض يخرج إلى مناوبته، وسائق حافلة يشغّل رحلته الأولى. هؤلاء هم الذين كتبوا المقال الحقيقي في الصناديق. لا نريد بطلًا يصرخ في الساحة، نريد مسؤولًا يصغي. ومن يُصغي يربح. حتى لو صاح خلفه جيش من الميكروفونات.


- د فوزي مهدي طبيب تونسي وأستاذ مُبرَّز في الطب الوقائي والصحة العمومية؛ شغل منصب وزير الصحة (2020–2021) وله 36 سنة خبرة في المنظومة الصحية بتونس عبر القطاعين العام والعسكري والخاص. أسهم في قيادة برامج وسياسات وطنية، ورقمنة أنظمة المعلومات الصحية، وتطوير إدارة الموارد البشرية (بما فيها إنشاء المرصد الوطني للموارد البشرية للصحة)، وهو حامل لدكتوراه في الطب وشهادات متقدمة في إدارة المستشفيات واقتصاد الصحة والإحصاء والوبائيات -

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى