محمد بشكار - في أي قصيدة سيستيقظ القارئ بعد حلم طويل..؟

طَفَتْ في السنوات الأخيرة موجة شعرية ليست من زبد، ولكن بأَصْدَافٍ زاغت قَدْر الإبداع عن بعض الحساسيات التي تَدَّعِي الحداثة بلغتها الركيكة التي لا تقول صورة أو معنى، حتى لتبدو لغة الترجمة أروع مما تدبجه في اللغة الأم التي لا يتناسل من رحمها إلا المسوخ؛ بينما الشعر الأصيل منظومة جمالية تتضافر في نسيجه الخصب، إواليات الموسيقى والإيقاع والصورة واللغة في لَعِبِها الخلاق، والرمز والإيحاء؛ إن الشعر الحقيقي لا يقول أي شيء بدعوى الحداثوية كإيديولوجيا وليس الحداثة كثقافة شاسعة تكتنف في شِقِّها الشعري، ما لا يُحد من النظريات التي لا تلغي أدبية النص؛ لقد بقي غزيرٌ من الشعر للأسف، رغم ما سوَّدهُ على مَرِّ الأوراق وليس السنين، ناعم الأظافر، ولا يزال يحبو في تأتآته الأولى التي لم يبزغ على فجرها شمس، دون أن يعرف ذلكم التطور الذي من طبيعة الخلق الأصيل، ولا يعرف الإقامة إلا في الذرى الفنية الشاهقة؛ فما اشتد عوده الطري، رغم أن شعرنا العربي الحديث لا تخلو فصوله من ربيع، ولا تحولت أظافره الناعمة إلى مخلب يحفر ما يبقى في ذاكرة الناس...!


30515-c2073e422c6b3016c12448f8cba3e19f.jpg

ولكن مقابل هذا القبح الشعري غير الجمالي، بدأت تطفر موجة شعرية لا تصطنع الهدير بالميكروفونات، أو تشي في آخر الارتطام بأقرب شطر أو صخر شعري بالزبد، بل تنطوي في أصدافها على درر ولآلئ غميسة أحوج إلى السبر بالاستقراء النقدي الرصين؛ لن أذكر الأسماء حتى لا أنسى أحدها فتفور الجراح؛ ولكن أوقن أن ثمة قصائد تنكتب الآن في صمت، لا يلتفت إلى بلاغتها المبدعة التي تبز العيان والعريان أيضا، بعض النَّقَدة المرضى بالنخبوية المعتكزة على سلم مقارباتها الأعرج والقصير، الذي يحصي الأنفاس، ولا يستطيع بأدراجه الهاوية أن يرقى إلى قراءة الحواس؛ في انتظار أن تشيخ الأعمال الشعرية لهذه الأسماء الخلاقة بالغبار الأبيض في الرفوف، دون أن يذكرها أحد ولو بالنَّعي..
أجل ثمة شعراء مُجيدون، يحترمون مسافة الإبداع لكتابة قصيدة، أو استقطارها مع الروح من رحيق الأوردة؛ لا يكتبون بلغة تقول اللغة فقط؛ إنما تنطق بالصورة التي تحرك بالتخييل أسباب حياتها اللانهائية في ذاكرة القارئ؛ إنها القصيدة التي تتخذ من الحداثة ثقافة تنتجها ذاتٌ غير منفصلة عن موروثها العريق وحاضرها التليد، وليست مجرد قناع يذوب بأول لفحة حدس؛ قصيدة من فرط كونيتها الإنسانية تقول كل شيء فكأنها لا تقول شيئا؛ فقط نشعر أن ثمة من يعلق صوراً على أهدابنا لنرى العالم بصيغة أخرى دون أن نفهم؛ هؤلاء الشعراء الذين يكتبون كأنما لأنفسهم، لا يعبأون في أي قصيدة سيستيقظ القارئ بعد حلم أخذ من حياته جَمَالاً طويلا..!

(ملحق"العلم الثقافي" 2014/3/13)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى