🩵 هذا العمل الإبداعي يمثل لوحة شعرية مأساوية تختزل تاريخ حضارة عريقة عبر لغة شفيفة تلامس الأعماق. النص ليس مجرد قصيدة، بل هو سرد وجودي لحكاية أرض كانت مهدا للحضارة الإنسانية.
البناء الفني واللغوي:
تعتمد الشاعرة لغة موسيقية عذبة تتناسب مع طبيعة الموضوع،حيث تتدفق الكلمات كالنهر الخالد، متخذة من الاستعارات والكنايات أدوات لتشكيل عالمها الشعري. الصور البيانية تتنقل بين المقدس والتراجيدي، بين النار والصلوة، بين الدم والحبر.
المضامين الأساسية:
الأصول الحضارية:
يبدأ النص بتأكيد ريادة العراق في التاريخ الإنساني،من خلال الإشارة إلى ولادة الحرف الأول من ترابه، واغتسال البشرية في نهرية من الجهل. هذه الصورة تذكرنا بأن هذه الأرض شهدت بواكير المعرفة والكتابة.
المدن كرموز وجودية:
تتحول المدن العراقية إلى رموز تحمل دلالات عميقة:
»•· بابل: تمثل التجربة الإنسانية الأولى في بناء الحضارة والسقوط
»•· أور: ترمز إلى التساؤل الوجودي والبحث عن الله
»•· نينوى: تجسد المأساة والبكاء الإلهي
»•· كربلاء: تقدم فلسفة الفداء والمعنى في مواجهة الموت
»•· بغداد: تختزل جراح التاريخ وقدرة الجمال على النهوض من الرماد
الثنائيات المتنافرة:
يبنى النص على ثنائيات متناقضة تخلق إيقاعا دراميا:
»•· النار مقابل الصلوات
»•· الجمال مقابل الوجع
»•· الموت مقابل الحياة
»•· الخراب مقابل الخلود
»•· الدم مقابل الحبر
الرمزية العميقة:
»•· الطين والنار: يرمزان لعملية الخلق والمعاناة الإنسانية
»•· النخيل: يمثل الشاهد الأزلي على التاريخ
»•· الكتاب الممزق: يرمز للحضارة التي تعرضت للتدمير لكنها حية في الوجدان
»•· النجم الساقط في الوحل: يجسد فكرة الجمال المنهوب والضوء المنتصر
الخاتمة الفلسفية:
تختتم الشاعرة نصوصها برسالة إنسانية عميقة تؤكد أن جمال الروح البشرية يتجاوز كل الدمار،وأن العراق يمثل شهادة على قدرة الإنسان على الصمود والبقاء جميلا رغم كل الآلام.
هذا النص هو مرثية وجودية لحضارة عريقة، وتسبحة للجمال المقهور، وتحفة أدبية تليق بعراق الحضارة والألم والأمل. إنه يشهد أن الجمال الحقيقي لا يموت، وأن الحضارة الحقيقية تبقى حية في وجدان الإنسانية حتى وهي تعاني من جراح التاريخ.
إنها قصيدة تذكرنا بأن العراق ليس مجرد مكان على الخريطة
بل هو فكرة عن صمود الجمال وشهادة على أن الإنسان
برغم كل ما عاناه ما زال جميلا.
تحياتي واحترامي

العراق… الأبد حين يتذكّر نفسه
رانية مرجية
يا عِراقُ…
يا ما تبقّى من فكرةِ اللهِ حين فَكَّرَ في الخلود،
يا شَغَفَ الطِّينِ الأوّلِ حينَ لامَسَ النَّارَ فصارَ إنسانًا،
يا حُلمًا قديمًا،
يُحاوِلُ أن يُكمِلَ سطرَهُ في كتابِ الكَونِ،
لكنَّ الدَّمَ يُغنّي بدلَ الحبر.
يا عِراقُ…
يا تَنهيدةَ السَّماء على الأرض،
يا مَهبطَ الوحيِ حين تَعبَتِ الملائكةُ من الطّيران،
فاستراحتْ على مَآذِنِكِ،
وغَفَتْ في ظلِّ نخيلِكِ،
تُحصي النُّجومَ وتُصلّي.
من تُرابِكِ وُلدَ الحرفُ الأوّلُ،
وفي نَهريْكِ اغتسلتْ البَشَريةُ من جَهْلِها،
وفي خُبزِكِ تعلَّمَتْ أنَّ الجوعَ ليسَ نَقصًا في الطَّعام،
بل في العَدالة.
يا بابلُ…
يا قصيدةَ اللهِ الّتي كتَبَها بالنّارِ فَتَرجَمَها الإنسانُ إلى لغاتٍ من طِين.
منكِ تَعَلَّمَتِ الأرضُ أن تُخطِئَ،
ومن رمادِكِ وُلِدَ العِلمُ والجنونُ والندم.
ويا أورُ، يا حاضنةَ إبراهيمَ في لَيلِ الشّك،
ما زالَ سُؤالكِ يتردَّدُ في قلوبِنا:
“أينَ الله؟”
فإذا رفعنا رؤوسَنا إلى السَّماء،
أجابَنا العراقُ من أعماقِه:
“هُنا، في الإنسان.”
يا نينوى،
يا عَينَ اللهِ الباكية،
كم بكى نبيّكِ، وكم بكى الحُكماء،
ولم يَعلموا أنَّ اللهَ يَبكي حينَ يَرى العِراقيَّ يَبتسم.
يا كربلاءُ،
يا سِفرَ الحُزنِ المكتوبَ بالحبِّ،
يا نُقطةَ النّقاءِ التي انتصَرَ فيها المَوتُ بالحياة،
منكِ وُلِدَ المعنى:
أن تموتَ من أجلِ مَن تُحب،
لا أن تَقتُلَ باسمِهِ.
يا بغدادُ…
يا جَرحَ اللهِ في جَسدِ الأرض،
كم مرَّتْ عليكِ الجيوشُ كالأحلام،
تَكسِرُكَ ثمَّ تَنحني لتستغفِرَكِ.
كم احترقتِ لتُضيئي أكثر،
وكم فقدتِ أبناءَكِ لتَعرفي أنَّ الأمومةَ فِعلُ فداءٍ لا فِعلُ ميلاد.
فيكِ يتعلَّمُ الشُّعراءُ أنَّ الجَمالَ لا يُرى،
بل يُوجَعُ.
وفيكِ يَكتبُ المتنبّي قصيدتَهُ الأخيرة في صَمتٍ،
ويُخفيها في قَلبِ نَخلةٍ كي لا تموت.
يا عِراقُ،
يا مَسرَحَ القيامةِ الأولى،
ومِلحَ الأرضِ الأخيرة،
يا حكايةً نَصفُها مِن نارٍ ونصفُها مِن صَلاة.
ما أعمقَ وجعَك،
وما أبهى هذا الوجع حينَ يَصيرُ معنى.
كأنَّكَ تُعلِّمُنا أنَّ الحياةَ ليستْ أن نَعيش،
بل أن نُقاومَ نسيانَنا.
يا عِراقُ،
أنتَ النَّجمُ الذي سَقَطَ في الوحلِ،
لكنَّهُ أضاءَ العالم.
أنتَ الكِتابُ الذي مُزِّقَت صفحاته،
لكنَّهُ ما زالَ يُقرأُ في أرواحِ العالَمين.
أنتَ… الشَّهادةُ الوحيدةُ على أنَّ الإنسانَ —
برغمِ كلِّ هذا —
ما زالَ جميلًا.
رانية
12 novembre à 11:40
Mer 11:40
Vous avez envoyé
alantologia.com
Vous avez envoyé
صباح الخير
Hier, à 10:14
Jeu 10:14
رانية
الف شكر صديقي صباح الورد
رانية
«شعاع أبيض.. نافذة سوداء»: في فينومينولوجيا الضوء والجرح الإنساني
(بقلم: رانية مرجية)
عتبة القراءة: بين الضوء ككينونة والسواد كوعي
يبدو أن الكاتب حميد محمد الهاشم في مجموعته القصصية «شعاع أبيض.. نافذة سوداء» لا يكتب عن النور أو العتمة كموضوعين متقابلين، بل كحالتين وجوديتين تتعالقان في الوعي الإنساني.
البياض عنده ليس رمز النقاء فحسب، بل هو المجاز الأعلى للحقيقة المراوغة، فيما يتحول السواد إلى فضاء الإدراك الأعمق، إلى ما يسميه الفلاسفة "الظلمة البصيرة" — darkness that sees.
إنها نصوص تنتمي إلى الكتابة التأملية التي توازن بين البعد الميتافيزيقي والواقعي، حيث يتحوّل السرد إلى فعل تأمل فلسفي في معنى الكينونة، والزمن، والمصير الإنساني.
الكتابة كوعي مضاد: من الحكاية إلى التأمل
لا يُقدِّم الهاشم قصصًا بالمفهوم التقليدي، بل يفكك مفهوم الحكاية نفسه.
كل قصة هي محاولة لإعادة تعريف الذات وهي تواجه انكساراتها؛ الذات لا تروي تجربتها، بل تتأمل في روايتها ذاتها.
هكذا تتحول الكتابة إلى مرآة وجودية، وتغدو اللغة مسرحًا للوعي قبل أن تكون وسيلة للتعبير.
إنه ما يمكن تسميته بـ السرد الماورائي (metafiction)، حيث اللغة تُمارس وعيها بذاتها، وتدرك أنها تصوغ واقعًا لا يُختزل في المشهد أو الحوار، بل في الفراغات الصامتة بين الجمل.
وهنا تكمن عبقرية الهاشم: فهو يحاور الوجود من داخل اللغة، لا من خارجها.
الزمن كتجربة روحية
في هذه المجموعة، لا يتعامل الكاتب مع الزمن بوصفه تسلسلاً خطيًا، بل كحالة روحية متشظية.
الزمن هنا ليس ما يمضي، بل ما يتكرّر في الوعي.
الماضي ليس خلف الحاضر بل منغرس فيه، والمستقبل يولد من رماد اللحظة الآنية.
بهذا المعنى، يقترب العمل من الفينومينولوجيا الأدبية، أي قراءة التجربة الإنسانية من داخل وعيها الذاتي.
فكل قصة هي تأمل في كيف نحيا اللحظة لا في ماذا يحدث فيها.
إنها كتابة عن الوجود في لحظة الوعي به، لا عن الحدث الخارجي.
المرأة كطاقة كونية
تحضر المرأة في «شعاع أبيض.. نافذة سوداء» كأيقونة كونية، تختصر الميثولوجي والإنساني في آنٍ واحد.
ليست شخصية عابرة، بل هي قوة رمزية تتجسد في كل ما هو حياة:
في الضوء، في الذاكرة، في الخسارة، في اللغة ذاتها.
إنها الأم والآلهة والطفلة والظل، كلها معًا، كما لو أن الكاتب يستعيد في صورها الأنوثة الأولى للعالم، تلك التي تحدث عنها باشلار حين رأى في الماء "أنوثة المادة".
بهذا التصور، تتحول المرأة من كائن في النص إلى بنية فلسفية للنص ذاته، فهي المبدأ الذي ينطلق منه السرد وإليه يعود.
جماليات التنافر: من الواقعي إلى الرمزي
ما يميز الهاشم أنه لا يهرب من الواقع، بل يعيد صياغته رمزيًا.
تتجسد الحرب، المنفى، والخذلان الاجتماعي في شكل صور رمزية دقيقة تتجاوز السرد المباشر إلى منطقة التجريد.
إنها كتابة الوجع لا بوصفها بكاءً، بل استنطاقًا جماليًا للندبة.
تتلاقى هنا الواقعية السحرية العربية — كما نجدها عند محمد خضير أو إدوار الخراط — مع نزعة تأملية تقترب من أسلوب هرمان هِسّه في «سدهارتا».
لكن صوت الهاشم يبقى فريدًا، لأنه يكتب من وعي عربي ممسوس بالأسطورة والحقيقة في آنٍ واحد.
اللغة: من التعبير إلى الكينونة
اللغة عند الهاشم كيان حيّ، تُمارس دورها ككائن يتنفس ويتحول، لا كأداة جامدة.
تتحرك الجمل بين الإيجاز الكثيف والانفجار الشعري، في توازن يذكّر بكتابة أنطونيو تابوكي وجبران خليل جبران معًا.
إنها لغة تُومِض أكثر مما تُخبر، وتُشير أكثر مما تُفسّر.
هنا لا تنقل اللغة الواقع؛ بل تخلقه.
يصبح كل نصٍّ خلية ضوء تتكاثر في العتمة، حتى يتحول البياض نفسه إلى صوتٍ داخليّ للوعي.
القراءة في سياق أوسع
من الناحية السيميائية، يمكن قراءة «شعاع أبيض.. نافذة سوداء» بوصفه خطابًا عن هوية الإنسان العربي في مرحلة التحول الحضاري والروحي.
الكاتب لا يقدّم حلولًا، بل أسئلة كبرى عن المصير، الذاكرة، والذات.
بهذا المعنى، يندرج العمل ضمن الأدب الذي يتجاوز المحلّي إلى الكوني، لأن قضاياه — الوجع، الفقد، البحث عن المعنى — هي قضايا الإنسان في كل زمان ومكان.
خاتمة: الأدب كفعل تطهّر
في نهاية المطاف، لا يمكن قراءة هذه المجموعة إلا بوصفها طقسًا من طقوس التطهر الإنساني عبر اللغة.
إنها محاولة لإضاءة ما لا يُضاء، للبحث عن البياض في عمق العتمة.
في عالمٍ تتناقص فيه مساحات النور، يأتي الهاشم ليذكّرنا بأن الكتابة ما تزال آخر أشكال المقاومة، وأن السرد حين يُخلص لمعناه، يصبح شكلاً من أشكال الصلاة.
«شعاع أبيض.. نافذة سوداء» هو كتاب لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش — كاختبارٍ روحي، كرحلةٍ في ظلال الذات.
وفي هذا تكمن عظمته.
رانية
رانية
حين عدتُ من الموت… أدركتُ الحقيقة التي يخشاها الجميع
بقلم رانية مرجية
لم أعدْ من الموت كما تتخيّلون.
لم أخرج من قبرٍ ولا من ليلٍ طويل.
عدتُ من فكرةٍ كنا نظنها حدًّا،
فإذا بها بدايةٌ لم نحتمل نورها.
حين عبرتُ الجانب الآخر،
لم أجد بوّاباتٍ من ذهب،
ولا دوائرَ من نار،
ولا مشهدًا يليق بالأساطير.
وجدتُ شيئًا واحدًا فقط: صدقًا مطلقًا،
صدقًا يُعرّي الروح
حتى ترى نفسها بلا خوفٍ،
وبلا بطولةٍ مصطنعة،
وبلا أقنعة.
سمعتُ سؤالًا واحدًا
هزّ عمري كله:
“هل كنتِ حقيقية؟”
لم يسألني نورُ الغيب
عن عدد صلواتي،
ولا عن عدد زلّاتي،
ولا عن المرات التي هزمتني فيها الحياة.
سألني فقط
إن كنت حقيقية…
إن كنتُ عشتُ كما يليق بروحٍ تبحث عن معناها،
لا كما يليق بصورةٍ تبحث عن إعجاب الآخرين.
⸻
هناك…
أدركتُ شيئًا لم يقله لي أحد:
أنّ البشر لا يخافون الموت،
بل يخافون أن يعيشوا حياةً
لا تُشبه حقيقتهم.
يخافون أن يصيروا مثل يومٍ عابر
لم يترك أي أثر،
ومثل وردةٍ
لم تحبّ أحدًا
فذبُلت صامتة.
⸻
عدتُ…
وفي صدري معرفةٌ لم أتعلمها في كتاب:
أن من نحبّهم لا يرحلون،
بل يغيّرون شكل حضورهم.
يبقون حولنا
كهواءٍ أكثر دفئًا،
وكضوءٍ يزورنا عند الفجر،
وكقوةٍ غامضة
تعرف متى يوشك قلبنا أن ينكسر
فتسنده.
عدتُ لأقول لكم:
لا تصدّقوا أنّ النهاية نهاية.
هي فقط انتقالٌ آخر،
نسخةٌ أوسع من الوعي،
ومساحةٌ لا يضيّقها الجسد
ولا الاسم
ولا الخوف.
⸻
وعدتُ لأعترف:
أنّ الإنسان يُحاسَب
لا على ما فعله،
بل على ما تجاهله من نفسه.
على اللحظة التي عرف فيها الحقيقة
ثم تراجع،
وعلى الحب الذي خاف أن يعيشه،
وعلى الضوء الذي كان يسكنه
لكنه اختار الظلّ
خشية أن يُرى.
⸻
والآن…
وأنا أكتب من ضفةٍ تمسّ الحياة
كما يمسّ الغيمُ قمّة جبل،
أقول:
لا نموت…
نحن فقط نخلع خوفنا،
ونعود أنظف،
أرحب،
وأقرب إلى الله
مما كنا نتخيل.
هذه هي الحقيقة التي وجدتها هناك،
وهذا هو السبب الوحيد لعودتي:
أن أقول لكم
إن الطريق إلى الله
ليس فوق السماء،
بل داخل قلبٍ
يجرؤ أن يكون صادقًا.
رانية
Hier, à 10:37
Jeu 10:37
Vous avez envoyé
alantologia.com
رانية
الف شكر صديقي
Vous avez envoyé
صباح الخير
رانية
صباح الورد
Aujourd’hui, à 06:30
06:30
رانية
لقاء لا يُنسى مع المناضلة الفلسطينية ليلى خالد – بقلم رانية مرجية–
خرجتُ من الفندق في صباح الخامس عشر من حزيران 2010، وأنا أحمل داخلي شعورًا بأن اليوم لن يشبه أي يوم آخر.
كان الهواء خفيفًا، لكنه مشبعٌ بإحساس موعدٍ كبير ينتظرني.
لم أكن وحدي—إلى جانبي كان الشاعر والصديق رامي ياسين، الذي لم يكتفِ بمرافقتي، بل كان هو من رتّب هذا اللقاء المرتقب، ومن فتح لي بابًا نحو امرأة حملت فلسطين في ملامحها وفي خطواتها وفي نظراتها… نحو المناضلة ليلى خالد.
كان رامي يسير بجانبي بصمتٍ جميل، كأنه يعرف أن اللحظة أثقل من الكلام، وأن الطريق إلى ضاحية الحسين ليس مجرد مسافة، بل عبور نحو ذاكرة وطن كامل.
الطريق إلى ضاحية الحسين… الطريق إلى حيفا في القلب
انطلقت السيارة، وكان كل متر نقتربه يشعرني كأنني أقترب من شيء أعمق من لقاء صحفي؛ كنتُ أقترب من جذور روحي، من قصة بدأت قبل ولادتي، من حكاية امرأة جعلت العالم كله يلتفت إلى وجعنا وحقنا واسمنا.
كان رامي يشير إلى الطريق وكأنه يرشدني إلى شيء مقدس،
وكان الصمت بيننا يشبه صلاة قصيرة…
صلاة تليق بامرأة جعلت فلسطين تكبر في قلوبنا.
وحين وصلتُ إلى بيتها، وخرجت ليلى خالد لاستقبالنا بضحكتها الواسعة التي تسع نصف التاريخ ونصف الوجع، نظرتُ إلى رامي وتأكدتُ أن ترتيبه لهذا اللقاء لم يكن ترتيب موعد… بل ترتيب قدر.
بيت يشبه فلسطين… حيث الجدران تتنفس ذاكرة
دخلنا منزلها فوجدناه يشبه حضن الوطن في بيت واحد:
صور جورج حبش على الجدران،
وصورة أبو علي مصطفى تحتضن المكان،
وتحف فلسطينية تنهض من الرماد كأنها تقول:
“نحن لم نُمحَ… نحن فقط تغيرنا أماكنًا.”
لكن أكثر ما هزّ قلبي كان حجر قرميد أحمر من بيتها في حي الهدار بحيفا.
حجرٌ حمله لها صحفي أجنبي، لكنه عاد إلى صاحبته كما تعود الذكرى إلى القلب…
كان الحجر صامتًا، لكنه يصرخ:
“نحن هنا… ما يزال هذا الوطن يعيش في أصغر قطعك.”
حديثٌ لا يشبه الحوارات… كان اعترافًا وولادةً جديدة
جلست أمام ليلى، وإلى جانبي رامي ياسين، الذي كان منصتًا مثل طفل أمام حكمة أم كبيرة، وسألناها… لا بأسئلة صحفية، بل بأسئلة الروح.
عن نضال المرأة…
قالت ليلى بصوتٍ يعرف الجبهات والجبال والدموع:
“نضال المرأة ليس هامشًا… إنه قلب الحكاية.
المرأة تناضل ضد الاحتلال،
وضد الظلم الاجتماعي،
وضد الشرخ السياسي…
ومع ذلك لا تزال واقفة.”
سردت قصصًا لا تُنسى:
امرأة تقف أمام دبابة دون سلاح،
أم كامل الكردي التي رفضت الملايين وفضّلت خيمتها،
أسيرات يرسمْن حريتهن على جدار الزنازين،
نساء يقدن الهتاف في الناصرة وغزة والقدس وبلعين.
عن العودة… اليقين الذي لا يموت
قالت ليلى وهي تستعيد البحر في عينيها:
“أنا أرى حيفا كما أراك الآن.
العودة ليست حلمًا… هي موعد مؤجل.
إن لم نعد نحن، سيعود أولادنا… أو أحفادنا.
المقاومة لم تكن خطة، بل ضرورة،
والعودة ستكون كذلك.”
عن رفضها للعودة وحدها
سألتها لماذا رفضت العودة حين سُمح لها، فقالت كأم لا كمقاتلة:
“زوجي مبعد، وأولادي محرومون.
لا أعود إلى الوطن وحدي…
الوطن لا يُعاش فرادى.
إمّا أن نعود معًا… أو نبقى معًا.”
عن الكنيست
قالت بصوتٍ يشبه ثبات جذع زيتونة قديمة:
“الكنيست ليس منبر الفلسطيني.
الحقوق تُنتزع من الشارع،
من الشعب…
لا من برلمان بُني على نفي وجودنا.”
رسالتها لأبناء الداخل
ثم التفتت إلينا كأنها تخاطب كل المدن التي بقيت تحت الاحتلال:
“يا أبناء حيفا ويافا واللد وأم الفحم والناصرة وعكا…
هذه أرضكم. حافظتم على الذاكرة وعلى اللغة وعلى الوجدان.
لا تخافوا.
الجنسية لا تلغي الهوية،
وأنتم أكبر دليل.”
وأضافت:
“ما ينقصنا قيادة موحدة… أما الشعب، فهو الأقوى.”
ثم قالت كلمات لا تنسى:
“أنا لبنانية الأصل…
لكن فلسطين هي وطني كما هي وطن العالم.
وكما قال جيفارا:
حيث يكون الظلم… فذلك هو وطني.”
في الختام… سلامتك يا ليلى، يا قلب فلسطين
خرجتُ من بيتها وأنا أشعر أنني خرجت من فلسطين نفسها،
وكان رامي ياسين يمشي بجانبي بصمتٍ يعرف أن الكلمات تضعف أمام هذه اللحظة.
وحين أغلقت ليلى الباب خلفنا، شعرتُ أن التاريخ أغلق بابًا صغيرًا،
وفتح في القلب بابًا أكبر.
يا ليلى…
سلامتكِ من كل وجع.
عودي إلى صحتك كما يعود الضوء إلى الفجر.
نحن بحاجة إلى صوتك،
إلى حكمتك،
إلى حضورك الذي يشبه وطنًا كاملًا.
سلامتكِ… يا وجهًا يشبه الكرمل،
وروحًا تشبه حكايات العودة،
وابتسامة تحمل نصف تاريخنا ونصف حلمنا.
Écrire à رانية فؤاد مرجية
تعتمد الشاعرة لغة موسيقية عذبة تتناسب مع طبيعة الموضوع،حيث تتدفق الكلمات كالنهر الخالد، متخذة من الاستعارات والكنايات أدوات لتشكيل عالمها الشعري. الصور البيانية تتنقل بين المقدس والتراجيدي، بين النار والصلوة، بين الدم والحبر.
يبدأ النص بتأكيد ريادة العراق في التاريخ الإنساني،من خلال الإشارة إلى ولادة الحرف الأول من ترابه، واغتسال البشرية في نهرية من الجهل. هذه الصورة تذكرنا بأن هذه الأرض شهدت بواكير المعرفة والكتابة.
تتحول المدن العراقية إلى رموز تحمل دلالات عميقة:
»•· بابل: تمثل التجربة الإنسانية الأولى في بناء الحضارة والسقوط
»•· أور: ترمز إلى التساؤل الوجودي والبحث عن الله
»•· نينوى: تجسد المأساة والبكاء الإلهي
»•· كربلاء: تقدم فلسفة الفداء والمعنى في مواجهة الموت
»•· بغداد: تختزل جراح التاريخ وقدرة الجمال على النهوض من الرماد
يبنى النص على ثنائيات متناقضة تخلق إيقاعا دراميا:
»•· النار مقابل الصلوات
»•· الجمال مقابل الوجع
»•· الموت مقابل الحياة
»•· الخراب مقابل الخلود
»•· الدم مقابل الحبر
»•· الطين والنار: يرمزان لعملية الخلق والمعاناة الإنسانية
»•· النخيل: يمثل الشاهد الأزلي على التاريخ
»•· الكتاب الممزق: يرمز للحضارة التي تعرضت للتدمير لكنها حية في الوجدان
»•· النجم الساقط في الوحل: يجسد فكرة الجمال المنهوب والضوء المنتصر
تختتم الشاعرة نصوصها برسالة إنسانية عميقة تؤكد أن جمال الروح البشرية يتجاوز كل الدمار،وأن العراق يمثل شهادة على قدرة الإنسان على الصمود والبقاء جميلا رغم كل الآلام.
هذا النص هو مرثية وجودية لحضارة عريقة، وتسبحة للجمال المقهور، وتحفة أدبية تليق بعراق الحضارة والألم والأمل. إنه يشهد أن الجمال الحقيقي لا يموت، وأن الحضارة الحقيقية تبقى حية في وجدان الإنسانية حتى وهي تعاني من جراح التاريخ.
إنها قصيدة تذكرنا بأن العراق ليس مجرد مكان على الخريطة
بل هو فكرة عن صمود الجمال وشهادة على أن الإنسان
برغم كل ما عاناه ما زال جميلا.
تحياتي واحترامي
العراق… الأبد حين يتذكّر نفسه
رانية مرجية
يا عِراقُ…
يا ما تبقّى من فكرةِ اللهِ حين فَكَّرَ في الخلود،
يا شَغَفَ الطِّينِ الأوّلِ حينَ لامَسَ النَّارَ فصارَ إنسانًا،
يا حُلمًا قديمًا،
يُحاوِلُ أن يُكمِلَ سطرَهُ في كتابِ الكَونِ،
لكنَّ الدَّمَ يُغنّي بدلَ الحبر.
يا عِراقُ…
يا تَنهيدةَ السَّماء على الأرض،
يا مَهبطَ الوحيِ حين تَعبَتِ الملائكةُ من الطّيران،
فاستراحتْ على مَآذِنِكِ،
وغَفَتْ في ظلِّ نخيلِكِ،
تُحصي النُّجومَ وتُصلّي.
من تُرابِكِ وُلدَ الحرفُ الأوّلُ،
وفي نَهريْكِ اغتسلتْ البَشَريةُ من جَهْلِها،
وفي خُبزِكِ تعلَّمَتْ أنَّ الجوعَ ليسَ نَقصًا في الطَّعام،
بل في العَدالة.
يا بابلُ…
يا قصيدةَ اللهِ الّتي كتَبَها بالنّارِ فَتَرجَمَها الإنسانُ إلى لغاتٍ من طِين.
منكِ تَعَلَّمَتِ الأرضُ أن تُخطِئَ،
ومن رمادِكِ وُلِدَ العِلمُ والجنونُ والندم.
ويا أورُ، يا حاضنةَ إبراهيمَ في لَيلِ الشّك،
ما زالَ سُؤالكِ يتردَّدُ في قلوبِنا:
“أينَ الله؟”
فإذا رفعنا رؤوسَنا إلى السَّماء،
أجابَنا العراقُ من أعماقِه:
“هُنا، في الإنسان.”
يا نينوى،
يا عَينَ اللهِ الباكية،
كم بكى نبيّكِ، وكم بكى الحُكماء،
ولم يَعلموا أنَّ اللهَ يَبكي حينَ يَرى العِراقيَّ يَبتسم.
يا كربلاءُ،
يا سِفرَ الحُزنِ المكتوبَ بالحبِّ،
يا نُقطةَ النّقاءِ التي انتصَرَ فيها المَوتُ بالحياة،
منكِ وُلِدَ المعنى:
أن تموتَ من أجلِ مَن تُحب،
لا أن تَقتُلَ باسمِهِ.
يا بغدادُ…
يا جَرحَ اللهِ في جَسدِ الأرض،
كم مرَّتْ عليكِ الجيوشُ كالأحلام،
تَكسِرُكَ ثمَّ تَنحني لتستغفِرَكِ.
كم احترقتِ لتُضيئي أكثر،
وكم فقدتِ أبناءَكِ لتَعرفي أنَّ الأمومةَ فِعلُ فداءٍ لا فِعلُ ميلاد.
فيكِ يتعلَّمُ الشُّعراءُ أنَّ الجَمالَ لا يُرى،
بل يُوجَعُ.
وفيكِ يَكتبُ المتنبّي قصيدتَهُ الأخيرة في صَمتٍ،
ويُخفيها في قَلبِ نَخلةٍ كي لا تموت.
يا عِراقُ،
يا مَسرَحَ القيامةِ الأولى،
ومِلحَ الأرضِ الأخيرة،
يا حكايةً نَصفُها مِن نارٍ ونصفُها مِن صَلاة.
ما أعمقَ وجعَك،
وما أبهى هذا الوجع حينَ يَصيرُ معنى.
كأنَّكَ تُعلِّمُنا أنَّ الحياةَ ليستْ أن نَعيش،
بل أن نُقاومَ نسيانَنا.
يا عِراقُ،
أنتَ النَّجمُ الذي سَقَطَ في الوحلِ،
لكنَّهُ أضاءَ العالم.
أنتَ الكِتابُ الذي مُزِّقَت صفحاته،
لكنَّهُ ما زالَ يُقرأُ في أرواحِ العالَمين.
أنتَ… الشَّهادةُ الوحيدةُ على أنَّ الإنسانَ —
برغمِ كلِّ هذا —
ما زالَ جميلًا.
رانية
12 novembre à 11:40
Mer 11:40
Vous avez envoyé
د عادل جوده - بكل ما يليق بعظمة هذا النص أقدم قراءة أدبية تتناسب مع جماليته:
🕊️ تحليل النص الشعري: "العراق... الأبد حين يتذكر نفسه" للشاعرة رانية فؤاد مرجية من فلسطين 🩵 هذا العمل الإبداعي يمثل لوحة شعرية مأساوية تختزل تاريخ حضارة عريقة عبر لغة شفيفة تلامس الأعماق. النص ليس مجرد قصيدة، بل هو سرد وجودي لحكاية أرض كانت...
alantologia.com
Vous avez envoyé
صباح الخير
Hier, à 10:14
Jeu 10:14
رانية
الف شكر صديقي صباح الورد
رانية
«شعاع أبيض.. نافذة سوداء»: في فينومينولوجيا الضوء والجرح الإنساني
(بقلم: رانية مرجية)
عتبة القراءة: بين الضوء ككينونة والسواد كوعي
يبدو أن الكاتب حميد محمد الهاشم في مجموعته القصصية «شعاع أبيض.. نافذة سوداء» لا يكتب عن النور أو العتمة كموضوعين متقابلين، بل كحالتين وجوديتين تتعالقان في الوعي الإنساني.
البياض عنده ليس رمز النقاء فحسب، بل هو المجاز الأعلى للحقيقة المراوغة، فيما يتحول السواد إلى فضاء الإدراك الأعمق، إلى ما يسميه الفلاسفة "الظلمة البصيرة" — darkness that sees.
إنها نصوص تنتمي إلى الكتابة التأملية التي توازن بين البعد الميتافيزيقي والواقعي، حيث يتحوّل السرد إلى فعل تأمل فلسفي في معنى الكينونة، والزمن، والمصير الإنساني.
الكتابة كوعي مضاد: من الحكاية إلى التأمل
لا يُقدِّم الهاشم قصصًا بالمفهوم التقليدي، بل يفكك مفهوم الحكاية نفسه.
كل قصة هي محاولة لإعادة تعريف الذات وهي تواجه انكساراتها؛ الذات لا تروي تجربتها، بل تتأمل في روايتها ذاتها.
هكذا تتحول الكتابة إلى مرآة وجودية، وتغدو اللغة مسرحًا للوعي قبل أن تكون وسيلة للتعبير.
إنه ما يمكن تسميته بـ السرد الماورائي (metafiction)، حيث اللغة تُمارس وعيها بذاتها، وتدرك أنها تصوغ واقعًا لا يُختزل في المشهد أو الحوار، بل في الفراغات الصامتة بين الجمل.
وهنا تكمن عبقرية الهاشم: فهو يحاور الوجود من داخل اللغة، لا من خارجها.
الزمن كتجربة روحية
في هذه المجموعة، لا يتعامل الكاتب مع الزمن بوصفه تسلسلاً خطيًا، بل كحالة روحية متشظية.
الزمن هنا ليس ما يمضي، بل ما يتكرّر في الوعي.
الماضي ليس خلف الحاضر بل منغرس فيه، والمستقبل يولد من رماد اللحظة الآنية.
بهذا المعنى، يقترب العمل من الفينومينولوجيا الأدبية، أي قراءة التجربة الإنسانية من داخل وعيها الذاتي.
فكل قصة هي تأمل في كيف نحيا اللحظة لا في ماذا يحدث فيها.
إنها كتابة عن الوجود في لحظة الوعي به، لا عن الحدث الخارجي.
المرأة كطاقة كونية
تحضر المرأة في «شعاع أبيض.. نافذة سوداء» كأيقونة كونية، تختصر الميثولوجي والإنساني في آنٍ واحد.
ليست شخصية عابرة، بل هي قوة رمزية تتجسد في كل ما هو حياة:
في الضوء، في الذاكرة، في الخسارة، في اللغة ذاتها.
إنها الأم والآلهة والطفلة والظل، كلها معًا، كما لو أن الكاتب يستعيد في صورها الأنوثة الأولى للعالم، تلك التي تحدث عنها باشلار حين رأى في الماء "أنوثة المادة".
بهذا التصور، تتحول المرأة من كائن في النص إلى بنية فلسفية للنص ذاته، فهي المبدأ الذي ينطلق منه السرد وإليه يعود.
جماليات التنافر: من الواقعي إلى الرمزي
ما يميز الهاشم أنه لا يهرب من الواقع، بل يعيد صياغته رمزيًا.
تتجسد الحرب، المنفى، والخذلان الاجتماعي في شكل صور رمزية دقيقة تتجاوز السرد المباشر إلى منطقة التجريد.
إنها كتابة الوجع لا بوصفها بكاءً، بل استنطاقًا جماليًا للندبة.
تتلاقى هنا الواقعية السحرية العربية — كما نجدها عند محمد خضير أو إدوار الخراط — مع نزعة تأملية تقترب من أسلوب هرمان هِسّه في «سدهارتا».
لكن صوت الهاشم يبقى فريدًا، لأنه يكتب من وعي عربي ممسوس بالأسطورة والحقيقة في آنٍ واحد.
اللغة: من التعبير إلى الكينونة
اللغة عند الهاشم كيان حيّ، تُمارس دورها ككائن يتنفس ويتحول، لا كأداة جامدة.
تتحرك الجمل بين الإيجاز الكثيف والانفجار الشعري، في توازن يذكّر بكتابة أنطونيو تابوكي وجبران خليل جبران معًا.
إنها لغة تُومِض أكثر مما تُخبر، وتُشير أكثر مما تُفسّر.
هنا لا تنقل اللغة الواقع؛ بل تخلقه.
يصبح كل نصٍّ خلية ضوء تتكاثر في العتمة، حتى يتحول البياض نفسه إلى صوتٍ داخليّ للوعي.
القراءة في سياق أوسع
من الناحية السيميائية، يمكن قراءة «شعاع أبيض.. نافذة سوداء» بوصفه خطابًا عن هوية الإنسان العربي في مرحلة التحول الحضاري والروحي.
الكاتب لا يقدّم حلولًا، بل أسئلة كبرى عن المصير، الذاكرة، والذات.
بهذا المعنى، يندرج العمل ضمن الأدب الذي يتجاوز المحلّي إلى الكوني، لأن قضاياه — الوجع، الفقد، البحث عن المعنى — هي قضايا الإنسان في كل زمان ومكان.
خاتمة: الأدب كفعل تطهّر
في نهاية المطاف، لا يمكن قراءة هذه المجموعة إلا بوصفها طقسًا من طقوس التطهر الإنساني عبر اللغة.
إنها محاولة لإضاءة ما لا يُضاء، للبحث عن البياض في عمق العتمة.
في عالمٍ تتناقص فيه مساحات النور، يأتي الهاشم ليذكّرنا بأن الكتابة ما تزال آخر أشكال المقاومة، وأن السرد حين يُخلص لمعناه، يصبح شكلاً من أشكال الصلاة.
«شعاع أبيض.. نافذة سوداء» هو كتاب لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش — كاختبارٍ روحي، كرحلةٍ في ظلال الذات.
وفي هذا تكمن عظمته.
رانية
رانية
حين عدتُ من الموت… أدركتُ الحقيقة التي يخشاها الجميع
بقلم رانية مرجية
لم أعدْ من الموت كما تتخيّلون.
لم أخرج من قبرٍ ولا من ليلٍ طويل.
عدتُ من فكرةٍ كنا نظنها حدًّا،
فإذا بها بدايةٌ لم نحتمل نورها.
حين عبرتُ الجانب الآخر،
لم أجد بوّاباتٍ من ذهب،
ولا دوائرَ من نار،
ولا مشهدًا يليق بالأساطير.
وجدتُ شيئًا واحدًا فقط: صدقًا مطلقًا،
صدقًا يُعرّي الروح
حتى ترى نفسها بلا خوفٍ،
وبلا بطولةٍ مصطنعة،
وبلا أقنعة.
سمعتُ سؤالًا واحدًا
هزّ عمري كله:
“هل كنتِ حقيقية؟”
لم يسألني نورُ الغيب
عن عدد صلواتي،
ولا عن عدد زلّاتي،
ولا عن المرات التي هزمتني فيها الحياة.
سألني فقط
إن كنت حقيقية…
إن كنتُ عشتُ كما يليق بروحٍ تبحث عن معناها،
لا كما يليق بصورةٍ تبحث عن إعجاب الآخرين.
⸻
هناك…
أدركتُ شيئًا لم يقله لي أحد:
أنّ البشر لا يخافون الموت،
بل يخافون أن يعيشوا حياةً
لا تُشبه حقيقتهم.
يخافون أن يصيروا مثل يومٍ عابر
لم يترك أي أثر،
ومثل وردةٍ
لم تحبّ أحدًا
فذبُلت صامتة.
⸻
عدتُ…
وفي صدري معرفةٌ لم أتعلمها في كتاب:
أن من نحبّهم لا يرحلون،
بل يغيّرون شكل حضورهم.
يبقون حولنا
كهواءٍ أكثر دفئًا،
وكضوءٍ يزورنا عند الفجر،
وكقوةٍ غامضة
تعرف متى يوشك قلبنا أن ينكسر
فتسنده.
عدتُ لأقول لكم:
لا تصدّقوا أنّ النهاية نهاية.
هي فقط انتقالٌ آخر،
نسخةٌ أوسع من الوعي،
ومساحةٌ لا يضيّقها الجسد
ولا الاسم
ولا الخوف.
⸻
وعدتُ لأعترف:
أنّ الإنسان يُحاسَب
لا على ما فعله،
بل على ما تجاهله من نفسه.
على اللحظة التي عرف فيها الحقيقة
ثم تراجع،
وعلى الحب الذي خاف أن يعيشه،
وعلى الضوء الذي كان يسكنه
لكنه اختار الظلّ
خشية أن يُرى.
⸻
والآن…
وأنا أكتب من ضفةٍ تمسّ الحياة
كما يمسّ الغيمُ قمّة جبل،
أقول:
لا نموت…
نحن فقط نخلع خوفنا،
ونعود أنظف،
أرحب،
وأقرب إلى الله
مما كنا نتخيل.
هذه هي الحقيقة التي وجدتها هناك،
وهذا هو السبب الوحيد لعودتي:
أن أقول لكم
إن الطريق إلى الله
ليس فوق السماء،
بل داخل قلبٍ
يجرؤ أن يكون صادقًا.
رانية
Hier, à 10:37
Jeu 10:37
Vous avez envoyé
رانية مرجية - حين عدتُ من الموت… أدركتُ الحقيقة التي يخشاها الجميع
لم أعدْ من الموت كما تتخيّلون. لم أخرج من قبرٍ ولا من ليلٍ طويل. عدتُ من فكرةٍ كنا نظنها حدًّا، فإذا بها بدايةٌ لم نحتمل نورها. حين عبرتُ الجانب الآخر، لم أجد بوّاباتٍ من ذهب، ولا دوائرَ من نار، ولا مشهدًا يليق بالأساطير. وجدتُ شيئًا واحدًا فقط...
alantologia.com
رانية
الف شكر صديقي
Vous avez envoyé
صباح الخير
رانية
صباح الورد
Aujourd’hui, à 06:30
06:30
رانية
لقاء لا يُنسى مع المناضلة الفلسطينية ليلى خالد – بقلم رانية مرجية–
خرجتُ من الفندق في صباح الخامس عشر من حزيران 2010، وأنا أحمل داخلي شعورًا بأن اليوم لن يشبه أي يوم آخر.
كان الهواء خفيفًا، لكنه مشبعٌ بإحساس موعدٍ كبير ينتظرني.
لم أكن وحدي—إلى جانبي كان الشاعر والصديق رامي ياسين، الذي لم يكتفِ بمرافقتي، بل كان هو من رتّب هذا اللقاء المرتقب، ومن فتح لي بابًا نحو امرأة حملت فلسطين في ملامحها وفي خطواتها وفي نظراتها… نحو المناضلة ليلى خالد.
كان رامي يسير بجانبي بصمتٍ جميل، كأنه يعرف أن اللحظة أثقل من الكلام، وأن الطريق إلى ضاحية الحسين ليس مجرد مسافة، بل عبور نحو ذاكرة وطن كامل.
الطريق إلى ضاحية الحسين… الطريق إلى حيفا في القلب
انطلقت السيارة، وكان كل متر نقتربه يشعرني كأنني أقترب من شيء أعمق من لقاء صحفي؛ كنتُ أقترب من جذور روحي، من قصة بدأت قبل ولادتي، من حكاية امرأة جعلت العالم كله يلتفت إلى وجعنا وحقنا واسمنا.
كان رامي يشير إلى الطريق وكأنه يرشدني إلى شيء مقدس،
وكان الصمت بيننا يشبه صلاة قصيرة…
صلاة تليق بامرأة جعلت فلسطين تكبر في قلوبنا.
وحين وصلتُ إلى بيتها، وخرجت ليلى خالد لاستقبالنا بضحكتها الواسعة التي تسع نصف التاريخ ونصف الوجع، نظرتُ إلى رامي وتأكدتُ أن ترتيبه لهذا اللقاء لم يكن ترتيب موعد… بل ترتيب قدر.
بيت يشبه فلسطين… حيث الجدران تتنفس ذاكرة
دخلنا منزلها فوجدناه يشبه حضن الوطن في بيت واحد:
صور جورج حبش على الجدران،
وصورة أبو علي مصطفى تحتضن المكان،
وتحف فلسطينية تنهض من الرماد كأنها تقول:
“نحن لم نُمحَ… نحن فقط تغيرنا أماكنًا.”
لكن أكثر ما هزّ قلبي كان حجر قرميد أحمر من بيتها في حي الهدار بحيفا.
حجرٌ حمله لها صحفي أجنبي، لكنه عاد إلى صاحبته كما تعود الذكرى إلى القلب…
كان الحجر صامتًا، لكنه يصرخ:
“نحن هنا… ما يزال هذا الوطن يعيش في أصغر قطعك.”
حديثٌ لا يشبه الحوارات… كان اعترافًا وولادةً جديدة
جلست أمام ليلى، وإلى جانبي رامي ياسين، الذي كان منصتًا مثل طفل أمام حكمة أم كبيرة، وسألناها… لا بأسئلة صحفية، بل بأسئلة الروح.
عن نضال المرأة…
قالت ليلى بصوتٍ يعرف الجبهات والجبال والدموع:
“نضال المرأة ليس هامشًا… إنه قلب الحكاية.
المرأة تناضل ضد الاحتلال،
وضد الظلم الاجتماعي،
وضد الشرخ السياسي…
ومع ذلك لا تزال واقفة.”
سردت قصصًا لا تُنسى:
امرأة تقف أمام دبابة دون سلاح،
أم كامل الكردي التي رفضت الملايين وفضّلت خيمتها،
أسيرات يرسمْن حريتهن على جدار الزنازين،
نساء يقدن الهتاف في الناصرة وغزة والقدس وبلعين.
عن العودة… اليقين الذي لا يموت
قالت ليلى وهي تستعيد البحر في عينيها:
“أنا أرى حيفا كما أراك الآن.
العودة ليست حلمًا… هي موعد مؤجل.
إن لم نعد نحن، سيعود أولادنا… أو أحفادنا.
المقاومة لم تكن خطة، بل ضرورة،
والعودة ستكون كذلك.”
عن رفضها للعودة وحدها
سألتها لماذا رفضت العودة حين سُمح لها، فقالت كأم لا كمقاتلة:
“زوجي مبعد، وأولادي محرومون.
لا أعود إلى الوطن وحدي…
الوطن لا يُعاش فرادى.
إمّا أن نعود معًا… أو نبقى معًا.”
عن الكنيست
قالت بصوتٍ يشبه ثبات جذع زيتونة قديمة:
“الكنيست ليس منبر الفلسطيني.
الحقوق تُنتزع من الشارع،
من الشعب…
لا من برلمان بُني على نفي وجودنا.”
رسالتها لأبناء الداخل
ثم التفتت إلينا كأنها تخاطب كل المدن التي بقيت تحت الاحتلال:
“يا أبناء حيفا ويافا واللد وأم الفحم والناصرة وعكا…
هذه أرضكم. حافظتم على الذاكرة وعلى اللغة وعلى الوجدان.
لا تخافوا.
الجنسية لا تلغي الهوية،
وأنتم أكبر دليل.”
وأضافت:
“ما ينقصنا قيادة موحدة… أما الشعب، فهو الأقوى.”
ثم قالت كلمات لا تنسى:
“أنا لبنانية الأصل…
لكن فلسطين هي وطني كما هي وطن العالم.
وكما قال جيفارا:
حيث يكون الظلم… فذلك هو وطني.”
في الختام… سلامتك يا ليلى، يا قلب فلسطين
خرجتُ من بيتها وأنا أشعر أنني خرجت من فلسطين نفسها،
وكان رامي ياسين يمشي بجانبي بصمتٍ يعرف أن الكلمات تضعف أمام هذه اللحظة.
وحين أغلقت ليلى الباب خلفنا، شعرتُ أن التاريخ أغلق بابًا صغيرًا،
وفتح في القلب بابًا أكبر.
يا ليلى…
سلامتكِ من كل وجع.
عودي إلى صحتك كما يعود الضوء إلى الفجر.
نحن بحاجة إلى صوتك،
إلى حكمتك،
إلى حضورك الذي يشبه وطنًا كاملًا.
سلامتكِ… يا وجهًا يشبه الكرمل،
وروحًا تشبه حكايات العودة،
وابتسامة تحمل نصف تاريخنا ونصف حلمنا.
Écrire à رانية فؤاد مرجية