للذاكرة عين مبصرة، تستدعى المشاهد، وتعيد تجسيدها للقارئ فى رواية قنص الأفاعى، بفنيات تحمل قدرا من الدهشة والمتعة.
وإذا كانت الرواية أخذت من السينما آليات كتقطيع المشهد، ومزج الأزمنة الماضية بالحاضرة، فالسينما إستعانت من الرواية الحديثة بالفلاش باك، والمسرح أفاد من المنولوج ، كافة الفنون تستدعى ظلال الفنون ، وتعيد تخليقها - داخل النص - فى هيئة جديدة، تعمل على تعميق الفن المنقولة إليه، وتمنحه ثراء فريدا، وعندما يستعين الكاتب هنا بالمشهد السينمائي الطويل، فإنه أيضا يتخلى عن آليات سردية أخرى لصالح عمله الروائى، سوف نرجئ الحديث عنه لنهاية القراءة.
العنوان العتبة الأولى للنص يرسم فى ذاكرة القارئ مشهدا بصريا، ورمزيا فى نفس الآن، والفصل الأول، يقود ذاكرتنا لحوادث إرهابية سجلتها صفحات التاريخ، وهنا تقوم الرواية باستدعاء حادثة بعينها ، وتجعل منها مفتتحا للولوج منه إلى أرض تغمرها الدماء، والخيانة، والتطرف. يذهب ضحيتها أطفال أبرياء، ولأن الدراما عادة ما تتولد من باطن حادث يهز كيان القارئ، تماما كما تفعل السينما بربط القارئ فى البداية بحادثة مفجعة، تأخذ بجل إهتمامه، ليظل حتى النهاية محاولا الوصول للأسباب والمبررات التى أدت لحدوث تلك الجرائم.
(٢)
ثمة شخصية محورية فى الرواية يجسدها (صبرى علم الدين)، ويقدمه لنا الكاتب فى صورة البطل الاشكالي، أو البطل المهزوم، مهندس تفتحت أمامه دروب الحياة، فاصطدم بالفوراق الاجتماعية، لم يستوعب الأمر بفطرته البسيطة، فاتخذ من عدائه وحقده على المجتمع حافزا له، وتمكن من بناء نفسه بالسفر للخارج والنجاح.. لكن ظلت أعماقه تمور ثورة كالنار التى لا يهدأ أوراها، ورغبة جارفة فى العودة للانتقام، وبالرغم من رفضه فى البداية للانخراط فى التستر على الارهاب ، إلا أنه فى النهاية، فضل الكسب السريع، ومضاعفة حساباته البنكية، مقابل إهداره لأرواح البشر الآمنين، وزعزعة مجتمع آمن، يذيقه الكاتب فى بدء الرواية من نفس الكأس الذى سقى به أبناء بلده، فهو وعائلته وغيرهم عماد هذا الوطن وأفراده.. فتذكر الراوية إستشهاد إبنته فى الحادث الارهابى بتفجيرات جبانة أمام مدرسة الليسية للأطفال.. خالفوا خطة وضعها فى موكب سياسى، وفجروها عمدا فى زهرات كانت متفتحة بريئة لا ذنب لها جنته، وجريرة ارتكبتها، لتخطفها أيادى الارهاب الغاشمة.
تحول مبرر تماما لانقلاب البطل اللابطل، صبرى علم الدين عن مسيرته الارهابية، وذهابه للأمن - يأسا، ورغبة فى تطهير الذات - وإعترافه على رفقائه المتآمرين على ابنته وأمثالها، وطوال الرواية نتوقف أمام شخصيات مثل( جلال منصور، رجب الراوى ، خيرى حامد) وجميعهم ضحوا بأمن وطنهم، لأن المجمتع ظلمهم فى البداية، ولأن لكل فعل رد فعل، فقد إنزلقوا رغم أنفهم فى مستتقع الارهاب، عن وعى أو بدون وعى " لكن جلال ورفاقه حتى هذه اللحظة لم يدركوا حقيقة أمرهم، وواقعهم المطموس بتعويذات الجهل المبنى على مسح الأدمغة، والفهم المغلوط لصحيح الدين، فرغم إلقاء القبض عليهم مازال فى أنفسهم الحالمة بالوهم ضلالات الفكر المتطرف، الظن بمقدرة الجماعة وقادتها على على انهاء الأمر وإخراجهن من محنتهم، أمل صار بمرور الوقت ضئيلا وبعيد المنال" ص٨٦
ذلك الأمل الواهن مرجعيته الأولى هو الافلات من العقاب وتصديق الوعود الزائفة من بعضهم، ولكنها سرعان ما تتكشف على حقيقة صادمة ، عبر هذه الحوارية بين جلال منصور الثائر الريفى وبين ابن أمير الجماعة، المطلع على جوهر الأمور ، عبر قرائته لتاريخ والده" تظاهر رجب الرواي بالدهشة، فابتسم منفعلا:
- الجماعة ! جماعة إيه يا جلال؟ فوق..فوق من غفلتك، إحنا مجر قطع شطرنج انتهى دورها، ومش بعيد إنهم يحاولوا يتخلصوا منا" (٨٧)
(٣)
مؤكد أن ظلال شخصية صبرى علم الدين قد رمت بأطيافها على بقية شخصيات الرواية، حيث أنها شاركتهم جرائمهم، ودروبهم الظلامية، والمبرر الوحيد الذى يجمع بينهم ، هو تعرضهم لشكل ما من أشكال الظلم الاجتماعى، (جلال منصور) عانى ألوانا شتى من قهر المجتمع له فتحولت المعانى الدلالية لاسمه، من الجلال والنصر، إلى العكس تماما، فالنظام لم يتعاطف معه كطالب ثورى، ولما اكتشف زيف تصوراته عن العدالة فى انتخابات حرة ونزيهة، إنقلب على عقيبه مخربا وقاطعا للطريق، فلاحقته الهزائم، ولم ينتصر، ولم يتمكن من إنهاء دراسته فى كلية متميزة كالاقتصاد والعلوم السياسية، والغريب فى الأمر أنه يمتاز بالسذاجة أكثر من أقرانه؟ بالرغم من نوعية دراسته المرتبطة جوهريا بدراسة أنماط التحولات السياسة، وألاعيبها الخادعة، واذا كانت دراسة جلال منصور لم تتمكن من صياغة وعيه بشكل معتدل، فقد وقع خيرى الراوى فى فخ والده أمير الجماعة، وتحول عن مسارات حياته الناجحة، كمحامى متألق فى شركة الأجهزة الطبية والتى تعود ملكيتها بالشراكة لصبرى علم الدين الصيدلى، والد الطفلة خلود الشهيدة فى حادث الليسية.
تحول (رجب الراوى)، ايضا كان يحمل علامات إستفهام واضحة، فلو كان ناجحا كما قدمه الكاتب، ما سقط بسهولة فى الفخ الذى نصبه له والده، فيسجن، وبعد خروجه السريع من السجن، كان يتوجب عليه البحث و معرفة من هو وراء تدبير ذلك الشرك الشيطانى الذى من شأنه أن يخرج رجب من المسار الصحيح ألى الانحراف والانخراط مع الارهابيين.
أيضا لم تقدم الراوية اية تعليلات لهذا التحول؟
أما المتهم الرابع (خيرى حامد) فقد عانى فقدان أمه منذ الصبى، وعانى من التفكك الأسرى، بفضل زوجة الأب الخائنه التى كانت سببا فى انتقامه لشرفه وشرف ابيه، وذلك بالتخلص منها ومن عشيقها، والهرب.
هل أيضا هذا فعل مبرر من طبيب تخرج من كلية الصيدلة.. ربما؟
وربما هذه الحدة الانفعالية فى أعماق شخصيته، هى ما جعلته لا يحتمل القبض عليه، ويشعر بالاختناق، حتى يموت.
لعل مبررات تشابه أقدار المجرمين، وقسوة المجتمع عليهم، وربما عدم وعيهم الحقيقي بسماحة الدين، و مؤكد أن إنخراطهم بجهل فى طريق الارهاب، هذا ما جعل الرؤية الفنية للراوية، مرسومة بعناية لا تخطئها عين القارئ، فجميع الفصول تتواتر سريعا، وصولا لتجسيد النهاية المتوقعة للارهابين، بالحكم عليهم وتحويل أوراقهم للمفتى
(٤)
الرواية تم سردها عن طريق راو عليم، ملم بكل الأحداث، ومالك لوعى الشخصيات، يحركها كيف يشاء، وهذا نمط من أنماط الرواية الكلاسيكية، حيث نراه مسيطرا على حركة الشخصيات، ومعبرا عما يجول بخواطرهم، بل يصل به الأمر أن يتخلى عن دوره للمؤلف الذى نراه يطل علينا فى مناطق متعدة من الرواية، يدلى بدلوه، ويمنطق الأحداث، ويفلسف البعد الدلالى لتبعات ما يخلفه السلوك الارهابى من جرائم"لن يكون العمر ربيعا مزهرا مليئا بالحياة والفرحة، ولن يكون صيفا برمضائه، وسرابه ونجوان لياليه من قيظه،ولا حتى شتاء تطوف برمثه الأحزان فى أمواج النفس الذليلة، دون يقين بالنجاة، فالعمر حتما سينتهي الى خريفه، حينها سيتعرى الكون بكل ما فيه من حزن وفرح وألم، وستتجلى الحقيقة دون زيف أو خشوع أو تهاون،فحقيقة الموت موت مهما انسكبت من أعيننا الدموع، وأوجعتنا سخافة الأيام، فالدنيا أيام وليال يداولها الله بين البشر، وبين طياتها ينقلب الحال من حال الى حال ، فالحياة لن تتوقف، والحوادث لن تكف عن الجريان، فلا الحزن يستمر، ولا الفرح يدوم" (ص ١٥٤،١٥٣)
(٥)
كان يمكن للرواية أن تنتهى عند ذلك المقطع السابق، فى نهاية الفصل العاشر، ولا داعى للفصل الحادى عشر والأخير من الرواية، الذى لم يحمل سوى صورة واحدة بديعة عن تحول صبرى فى وعى زوجته الى سراب يوغل فى الابتعاد، والتماهى، أما المحاكمة، والتذكير بحرمة الدماء البريئة، والخطابية والمباشرة، بذكر آيات القرآن الكريم، كل هذا مبرره الوحيد، توصيل رسالة للقارئ، رسالة تحذير، ورفض وغضب من التطرف والارهاب.
ثمة تكرار لمفردات غير معبرة داخل نسيج السرد، مثل (أديم) وجهه، و( أربضة المكان) وتكرارهما فى ثنايا الرواية، وبالرغم من سلاسة السرد ولغته الحية المعاصرة إلا أنه استنهضت مفردات غير قليلة ترددت فى روايات الأربعينيات .
كما إعتمد الكاتب على الجملة الشعرية التى تحمل ببلاغتها دلالات عميقة ومعبرة مثل (حقيقة أمرهم وواقعهم المطموس بتعويذات الجهل المبني على مسح الأدمغة) ص٨٦
او ( هكذا صارت حياته، الخوف يسطر بفرشاته سطور القلق والقلق يعزف على أوتار قلبه بنغمات الخوف، والخوف والقلق يرسمان معا لوحات حياته) ص١٥٠
كراوية أولى للكاتب لا نملك غير توجيه التحية له على جهده الملحوظ فى جعل الرواية متماسكة وتتميز بحبكتها الفنية التى ارتقت بها ومنحتها رسوخا وثقلا واضحا.
أيضا قلة عدد الشخصيات، وبراعة الكاتب فى توظيفهم لانتاج الدلالة الكلية الرافضة للفكر الظلامى المتطرف.
شئ أخر ساعدت عليه الحبكة الفنية للراوية، هى أن جعلت منها رواية ممتعة فى القراءة، وشاعرية لغتها يسرت للقارئ عملية التواصل والتفاعل المعبر بمهارة يحسد عليها الكاتب.
وعلى الرغم من أن موضوع الراوية تقليديا، إلا أن الكاتب أثبت أنه بالرغم من ان غالبية الأفكار مطروحة على الطرقات، إلا أن كيفية انشائها وتشكيلها فنيا وجماليا.. هو ما يوفر لها الميزة، والخصوصية ويجعلها تفرض نفسها بقوة فى عالم السرد الروائى.
------------------------
* هيثم القليوبى - رواية قنص الأفاعى - دار الزيات للنشر والتوزيع - ٢٠٢١