مصعب الرمادي - كلمة احتفائية بمناسبة الذكرى رقم 36 ليوم الكاتب الإفريقي

كلمة احتفائية بمناسبة الذكرى رقم 36 ليوم الكاتب الإفريقي – صادر عن مكتب الأمانة العامة لاتحاد كتّاب القضارف بشرق السودان، وجماعة أصوات الثقافية للحداثة والتنوير بولاية القضارف

في هذا اليوم الذي يجيء على هيئة عباءةٍ من غبار السهول ورائحة البنّ الحبشي، نرفع من القضارف صوتنا تحيةً للكاتب الإفريقي الذي حمل قارتنا على ظهر الكلمات، وجعل من الحكاية معبرًا للخلاص ومسارًا لا يخون الذاكرة مهما اشتدّ العصف أو تكسّر الطريق.

نكتب اليوم باسم اتحاد كتّاب القضارف لنقول إن الكتابة في إفريقيا ليست مظهرًا ثقافيًا فحسب، بل هي مقاومة ناعمة ضد العتمة، ودرس طويل في كيفية تحويل الشقاء إلى معرفة، والندى إلى أسطورة، والمحنة إلى نصّ يُقرأ كجناح يرفرف فوق قارات الروح.

وتعلن جماعة أصوات الثقافية للحداثة والتنوير في هذا النهار أن الكاتب الإفريقي لم يكن يومًا شاهدًا محايدًا، بل كان دائمًا فاعلًا في تشكيل ضمير القارة، ومرافقًا للقبائل في صعودها وانكساراتها، وممسكًا بجمر الحقيقة حين خاف الآخرون من حرارة السؤال.

من شرق السودان، من القضارف التي تعودت أن تصغي لخطى المزارعين وحفيف السنابل، نهدي هذا اليوم لعظمة القلم الإفريقي، لأن الكتابة هنا تشبه الحرث في أرضٍ عطشى، وكل جملة تُزرع تصير شجرة ظلّ يتفيأ تحتها المنفيّون والمكسورون والعابرون.

ونشهد أن الكاتب الإفريقي هو الذي حفظ للأرض أسماءها الأولى، وصان لغاتها من الضياع، وجعل من تعدد الأصوات موسيقى تتسع للغابة والنهر والمدينة والقرية، حتى صارت إفريقيا مكتبةً تمشي على قدمين، وتاريخًا يتنفس عبر آلاف الصفحات.

وفي هذه المناسبة نؤكد أن القارة لم تنهض من حروبها إلا حين كتب أبناؤها وجعها، ولم تتصالح مع ماضيها إلا حين سمّته بأسمائه الصحيحة، ولم تفتح أبواب الغد إلا حين صاغ كتّابها جملًا تُشبه جسورًا معلّقة بين الحلم والواقع.

ويقول اتحاد كتّاب القضارف إن كل نص إفريقي هو وثيقة نجاة، وكل رواية هي محاولة لإعادة ترتيب الفوضى بحيث تصير قابلةً للفهم، وكل قصيدة هي صرخة في ليل العالم تُذكّر بأن إفريقيا ليست ظلالًا بل شمسًا رغم الغبار.

وتعلن جماعة أصوات أن الكاتب الإفريقي يمشي دائمًا على خطّ النار، يلتقط ما يتساقط من الذاكرة، ويحوّل الخسارات إلى معرفة، ويزرع في هشاشة اللغة صلابةً تجعل الكلمات قادرة على حمل أثقال التاريخ وأثقال القارة.

ومن عمق القضارف، حيث تتقاطع الرياح بين حدودٍ وثقافات، نقول إن هذا اليوم ليس مجرد احتفال، بل هو تجديد للعهد بأن الرواية ستبقى مساحة للحرية، والقصيدة ستبقى سلاحًا ضد القبح، والمقال سيبقى نافذة للوعي الذي يحرس أحلام الشعوب.

ونرفع أصواتنا لنؤكد أن الكاتب الإفريقي هو الوريث الشرعي لحكايةٍ طويلة لا تنتهي، تبدأ من نار المعتقدات القديمة وتنتهي عند شاشة قارئ شاب يبحث عن معنى جديد في حياةٍ تعصف بها السرعة والضجيج والتغيرات العاصفة.

ونعلن من هنا أن كل نص يُكتب في إفريقيا هو امتداد لرحلةٍ بدأت في الكهوف والسهول، وواصلت صعودها عبر الطبول والملاحم الشفهية، حتى وصلت إلى الرواية الحديثة التي تُحاول أن تُعيد رسم صورة القارة بعيدًا عن التبسيط والتحيّز.

ويشهد اتحاد كتّاب القضارف أن الكاتب الإفريقي لا يكتب من أجل الشهرة، بل من أجل أن يبقى اسم قارتنا حاضرًا في خرائط العالم الروحية، وأن تبقى قصصنا قادرة على تحدي الصمت، وأن يبقى الوعي حيًا في أجيال تتعرض للتيه كل يوم.

وتضيف جماعة أصوات أن الكتابة الإفريقية استطاعت أن تُثبت للعالم أن الأدب ليس ملكًا للمدن الباردة وحدها، بل يمكن أن يولد من الحرّ والغبار والأساطير، ومن رائحة المطر الأول، ومن صوت امرأة تحتطب، ومن طفلٍ يحلم بنهرٍ أبعد من الأفق.

ومن القضارف نعلن أن يوم الكاتب الإفريقي هو يوم للمستقبل بقدر ما هو يوم للماضي، لأنه يذكّرنا بأن القارة لا تزال تُراهن على الكلمة، وأن النصّ هو البذرة التي تُخفي داخلها غابات كاملة تنتظر موسمها لتنهض من نومها.

ونقول في هذه الذكرى إن الكاتب الإفريقي هو الذي أضاء لنا الطريق حين أظلم كل شيء، وهو الذي أعاد صياغة فكرة العدالة حين اختلطت حدودها، وهو الذي حمل عنّا ثقل الأسئلة التي لم نجد شجاعة كافية لطرحها على العالم.

ومن هنا، من الجهات الأربع للقضارف، نعلن احترامنا لكل كاتب جعل من حياته طريقًا لحماية الذاكرة، ولكل شاعرة جعلت من صوتها بيتًا للأمل، ولكل راوية جمعت شتات القصص التي ضاعت في زلازل التاريخ وأعادتها إلى الموروث حيّةً ترقص بين الصفحات.

وفي خاتمة هذه الكلمة يؤكد اتحاد كتّاب القضارف وجماعة أصوات أن الكتابة في إفريقيا ليست حدثًا عابرًا، بل قدرٌ جماليّ وثقافيّ، ورسالة لا تنتهي، ومسارٌ يجعل القارة تُنصت إلى نفسها، وتقول للعالم إنها لن تُختزل، ولن تُنسى، ولن تُطوى صفحتها ما دام لها كتّاب يحمون روحها بالكلمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى