فى الوقت الذى كان فيه الإنسان خارجا من رحم البدايات ، كانت الحياة بنتا بكرا مثل صبية صغيرة قارة فى الوعى ، فى الذاكرة الطفولية للإنسان .. لم تنتهك بعد ؛ كان ذلك إبان تشكل الوعى والمخلية ، والذى تلعب النشأة فيه على المستوى السيكولوجى للإنسان ـ بشكل عام ـ وللمبدع بشكل أدق ـ دورا حيويا فى بناء تصوراته وأحلامه نحو العالم ، ظلت الطبيعة هى المنبع الذى لا ينضب من الإستدعاءات الصورية ـ فى المخيلة الجمعية ـ التى تستنهض ماضيها / زمن طفولة العالم ، كى تتمكن من مجابهة التحولات الحادثة فى الواقع المادى ؛ كما أصبحت ذاكرة الكاتب ، وما تقوم به من استدعاء لزمن النشأة ضربا من الاحتماء ؛ فتنهض بالسليقة المقارنة بين عالمين.. ذلك الملمح ( المقارنة بين عالمين ) وتلك الطفولة الريفية المستدعاة فى معظم القصص هى المحرك الفاعل فى قصص حسين عبدالغنى .
انه العالم الشاسع الهادئ/الريفى / الحقيقى حسب تصور وعى أبطال القصص . . وقريبة الشبه من رؤى الكاتب التى تستدعى ماضيها طلبا للعون لمواجهة عالم المدينة بتحولاته وإيقاعه السريع وصخبه المجنون وزيفه . والأبطال فى معظم النصوص ، تعكس ملامح الكاتب الراصد لتهاويه بين هذين العالمين المتناقضين ؛ بل هى موكلة بنقل تعليقاته ، ثقافته ووعيه الذى يكون أحيانا أكبر من حجمها ؛
وهذا ما تنم عنه خلفيات قصص حسين عبدالفنى (1) ، من رغبات تتشكل بشكل مياشر ، فيكون سفورها فضحا للنص ، أو تتشكل فى لوحات تنم عن دينامية ما ، خاصة فى القصص التى تدور أحداثها فى المدينة ، و العالمان ، يمثلان ـ فى ذات الآن ـ واقعين ؛ أحدهما منصرم.. ماضى ، بيد أن رحيقه لم يزل يعبق بالذاكرة ويحركها نحو عمل مجموعة كبيرة من الفلاشات ، فتتقاطع سرديا ، مع واقع آخر ـ آنى ـ فاعل وضاغط على شخوصه . كما نرى ذلك فى قصص " سارق القبر" و "طيور ميمونة" و "عاشق الفخار". وعلى الرغم من تقليدية التناول فى أكثر من قصة . وانكشاف البعد الدرامى للقارئ ، مما يؤثر أحيانا على البناء والحبكة فى قليل من القصص ؛ إلا أن ذلك البناء التقليدى ، ساعد الكاتب على تشكيل بنية كلية للمجموعة ؛ هى البنية السردية الناتجة عن الحبكة ، بعد العرض الطويل أحيانا كما نراه فى زواج بهلول ، والزلزال ، وصولا للحبكة / قمة تأزم الأحداث ، قصة سارق القبر ؛ أما النهايات فعادة ما تحضر متأنية.
هذه الكتابة تعمل على رأب الصدع ، بين عالمى المدينة والقرية، رغبة فى الوصول للانسجام الروحى ، مع مادية الحياة ومع الموت كملمح قدرى فاعل ورمزى فى أكثر من نصف قصص المجموعة .. موت قابض ومؤثر يبرز آلية التناقض ين السعى والصراع اليومى وين القدر بجبروته وقهره للإنسان اللاهى ، يتسحب له على مهل ليقيم عدالة أخرى ربانية ( قصة سارق القبر ) ؛ فالتأمل سمة هامة يتمتع بها معظم أبطال / حسين عبدالغنى ، فتنهض من هنا ، المفارقة بين الأمس واليوم ، وبين رحيق القرية ، وعسف المدينة .
اعتمدت تلك الكتابة على آليات سردية ، تزواجت فيها البنية السلفية مع التقنيات الحداثية ، فى قليل من القصص مثل ( عاشق الفخار .. وشق قصير بجوار النهر .. وسارق القبر ؛ وغيرها من القصص )
و تنم عن وعى كاتبها بثراء فن القص وإمكانية احتوائه على تقنيات متعددة ، تضيف لروح الكتابة آفاقا أرحب .
للعناوين عند الكاتب بعد دلالى هام ، يخضع لديه للمحتوى . فمثلا القصص التى اعتمدت على الرمز كمفتاح لها نراها فاضحة للبنية . ربما مخافة ألا يصل البعد الرمزى الدال للنص للقارئ وأحيانا يكون مباشرا متبسطا كزواج بهلول .. ومرجعية ذلك الوضوح هو الاتساق بين العنوان والبنية الحكائية التى اعتمد عليها فى بناء قصته ونلحظ ذلك فى قصص : ( غصن الليمونة ، عاشق الفخار ، الزلزال ، عصابة ، زواج بهلول )
ولكى ندلف إلى استطلاع تضاريس القصص نوضح فى البدء .. أننا سوف نتمهل قليلا أمام قصة عاشق الفخار لما تمثله من أهمية وسط ذلك النسيج ، فهى تمثل على البعدين الجمالى والرؤيوى النقطة المركزية التى تتمحور حولها رؤية الكاتب فى بقية القصص .. وكأنها الجوهرة وسط العقد .. وأيضا قصة "سارق القبر " لما يتجلى فيها من إمكانيات عالية فى إستعادة زمن الحكاية وتفعيله .
وقد تنوعت مناح الرؤية فى القصص وتوزعت بين عدة ملامح يمكن اختزالها فى
* التشظى بين عالمين
* الريف ذاكرة الصبا
* المدينة رمز للعنوسة والجفاف والصراع
يقول فى قصة ( غصن الليمونة ): " سقط غصن الليمونة وسط الزحام .. بكت الشجرة .. صار مكان الغصن جرحا غائرا .. ينزف عند الصباح .. و تطويه الشجرة تحت جناحها عند المساء . " فالشجرة لا تقوى على استعادة الغصن الذى اقتطع منها . ولا تتمكن من مواجهة احتدام الزحام من حولها . لذلك يظل الجرح غائرا فى قلب الشجرة .. كما تطوى بطلة القصة جرح العنوسة وسط مدينة ؛ تتسم بالجفاف .
أولا ـ التشظى بين عالمين :
التشظى هو التبعثر ، ومن ثم عدم القدرة على جمع الشظايا / بقايا الإنسان: مشاعره طموحاته ، أحلامه ورغباته .. عدم القدرة هذه هى محصلة تجربة الانسان فى المدينة وهذا ما تنم عنه قصة (غصن الليمونة) .. فمذ البداية لا يقوى الواقع على تحمل فورة النمو / الأنوثة التى منحتها إياها الطبيعة وفى النهاية تستلب روح أنوثتها وتمنحها العنوسة ؛ فتتبعثر وسط الزحام . ويمثل غصن الليمونة -الذى منحته الشجرة للبنت- جرحا لا يندمل . وإذا كان جرح الشجرة بسب انسلاخ الغصن منها . فجرح البنت أيضا يعود لانسلاخها من بيئتها ؛ ومن ثم لا يتبقى لغصنها سوى الجفاف . وكما تتشابك العلاقة الرمزية جاعلة من الشجرة والفتاة علاقة خاصة قائمة على التوازى.. نراها أكثر نضجا بين الرجل والطبلة الفخارية ، فى قصة (عاشق الفخار) فتجسد أزمته الإنسانية والحضارية معا فى عدم قدرته على التحقق والتعايش فى مدينة الضباب والأفول / والصخب والتناحر من جهة المدينة.. وبين الفخار الذى صنعت منه الطبلة .
.. نلحظ الجملة الأولى فى القصة (لم تنطلق مكبرات الصوت لتعلن النبأ ) بما تحمله من تدشين الإثارة والتشويق فنرى أن الجملة فتحت قوس النص بقدرة قاص عالية على استثارة القارئ .. ثم تأخذ اللوحة / الماضى فى احتلال السرد .. ويقول : " تذكرته عندما أصر أحد الأصدقاء أن نقضى بضع ساعات ليلية فى المدينة .." (عاشق الفخار) .. نلحظ الاستدعاء ومن ثم التفعيل فى نهاية القصة لتتشكل العقدة ..
هنا تحدث المزاوجة بين ملامح حياة تخص الكاتب يتم استدعائها للدخول فى تفاعل مع الذات الآن ؛ ذلك أن الاستدعاء مرجعيته هو تحريك إستاتيكية الماضى وتفعليه أو بعث الحياة فيه ،كى يتمكن من مواجهة صراع وصخب رواد الملهى .. الغارقين فى تفاصيل حياتهم ومجونها.. وبين انفصال- بل انعزال- بطل القصة عنهم واستدعائه لقصاصات من صور الماضى التى تتزاوج مع حالة الصخب العاكس لخواء ناس المدينة.. وتصبح اللوحة الصامتة / القديمة الماضوية .. الآن متحركة.. والدراما أو الصراع يأخذ شكلا ديناميا ونراه أيضا فى قصة ( الزلزال) وبرغم الفارق فى الباعث أو المحرك ؛ فهو فى الزلزال فلسفى بينما فى عاشق الفخار، قابض على العزلة الانسانية للريفى بشكل جيد . هذه القصة وقصص أخرى مثل ( مساحات ليست خالية ..وحلقات الرفع .. وخطوط بنية قاتمة) تتميز بأساليب القطع والمونتاج السينمائى يقول: ".. صارت كلها حمراء .. قذفت الطبلة إلى الأرض بشدة .. تهشمت .. هرعت قطعة اللحم إلى الداخل .. تبعتها ثلاث دوائر سوداء .." (عاشق الفخار) ويقول أيضا فى نفس القصة " انهمك هو فى إنقاذ قطع الفخار التى تناثرت تحت الأقدام "
ملمح آخرهو المزج الفنى بين الواقعى والرمزى فى الطبلةووظيفتها داخل الملهىوأصلها الطينى ؛ ولأنها مصنوعة من الفخارـطبعا هذه طبلة الكاتب الصغيرة عندما كان طفلا فليس من المعقول أن تكون طبلة الملهى مصنوعة من الفخارـ فإنها تتهشم نتيجة الهرج وصخب الملهى..ماذا يتبقى من الطبلة سوى بقايا فخار متهشم؛ يتمكن الكاتب من خلق علاقة رمزية دالة وفاعلة لأن الطبلة بتهشمها تعود الى حالتها الأولى/الماضية..فهل ثمة تماثل أو علاقة تعكس التمزق الحاد لروح الكاتب فى المدينة،أكثر من أن ينشغل عن شجارهم ولهوهم ويأخذ فى جمع شظايا الفخار المتهشم..وكأنه يجمع بقايا ذاته المهدرة ؟!!
ثانيا - الريف ذاكرة الصبا :
تتجلى ملامح الموت ، والخوف الانسانى من المجهول ومحاولة الخروج عن أسره ملمحا طاغيا فى قصص القرية ؛ نراه فى قصة "زواج بهلول" بداية.. يتجمع ناس القرية حول مطلب واحد وهام وهو كيف يزوجون أبنائهم والعمدة قد أصدر قرارا قاطعا بمنع الزواج فى القرية ، بعد موت ابنه الأكبر وخليفته فى العمودية وهو فى سن الزواج ، حالة من الحزن والحداد ألمت بأهل القرية حتى اشتهر عنهم .. أنهم قرية لا تتجمع سوى على الندب وفى المآتم .. تلك حكاية قديمة عاشتها القرية فى الزمن البعيد ويتم استدعائها من قبل الأب الذى يسردها على ولده الجامعى المعجب جدا بالكمبيوتر؛حتى يظن الابن بأن الكمبيوتر لديه الحلول لمشاكلنا جميعا ، على هذا النحو تسير القصة كمقارنة بين عالمى التكنولوجيا..وعالم القرية بحكايايته وفلكلوره وتراثه الذى تباعد عن ذاكرة الحاضر. هنا يكون للأب دور حيوى فى تنشيط وعى الحاضر الذى تناسى ماضيه ، حتى ماعت ملامحه .. وهذا ما يدعو الأب ليقول ساخرا من اعجاب ابنه الشديد بالكمبيوتر وبأن الأخير( الكمبيوتر) "هل يتمكن من حل مشكلة كتلك التى واجهت أجداده .." إن الحكاية بذاتها تمثل أيقونة رمزية للتسلط والدكتاتورية الرمزية للحاكم .. ثمة علاقات بين متن القصة السردى وبين الأيقونة الرمزية المسرودة بداخله .. أولا: هو الاستفادة من تراثنا الأدبى مثل ألف ليلة وليلة وذلك بتوليد حكاية من داخل الحكاية الأصلية.. لتتفرع كأفرع شجرة وافرة الظل تحمى شهرزاد من سعير الموت المتربص بها مع أذان الديك. والحكايات جميعها مشدودة برابط جوهرى هو السارد ( شهر زاد ) وهو الراوى هنا ، والغاية إبراز مستويات التناقض المستشرى فى وعى القرويين بين تقبل الجديد مع المحافظة على القديم ثمة هوة ملموسة ، القصة على مستوى الرؤية مكتنزة ودالة .. أما على مستوى التشكيل فقد اتسمت بالتقليدية ، واستطال العرض عن الشاب الجامعى والبنت زهرة والكمبيوتر .. ، يمكن الاستفادة من النمط السلفى ، شريطة التخلص من آفاته . لا الاعتماد عليها كما فعل الكاتب .
إن وصول القرية إلى التخلص من قرار العمدة الصارم بلا خسائر اعتمد على الحيلة بأن أقنعوا شيخ البلد أن يساعد العمدة فى تزويج ابنه ( العبيط ) بهلول لتعود الأفراح ثانية لسماء القرية ..وشيخ البلدة يستعمل الحيلة أيضا فى الوصول الى تزويج ابنته العانس من بهلول .. اعتماد الكاتب على تنمية المكر والحيلة أبرز سمة هامة وأصيلة من سمات القرويين .. القصة لها روح مميزة وان شابها بعض الاسترسال كما ذكرت .
أما التآلف مع الموت ومعايشته فيتحقق فى قصة "نوبة حراسة ..و سارق القبر ..وخطوط بنية قاتمة" بشكل جلى ويتناثر فى بقية القصص كملمح رمزى دال.. انتهاء أو ضياع وموت عالم قديم دهسته جحافل المدينة التى تمثل الحاضر فى سعيه لاتخاذ الآلة عنوانا لحياته ؛ نرى تهيب الصبى من الموت ، الذى يستدعى الفقدان لدفء الأب فى " نوبة حراسة " فيحاول أن يتذكر بمساعدة الأم ما فعله الراحل / أباه حين جمع رفات جده بعد الفيضان الذى طمر قبره وجعل منه لبنات الدار، يقول: " قال أبوك : هذا أبى صار كثيرا .. لن أدفنه .. بل أسكنه .. و كان البيت من طيات الأرض الحبلى بالذرات الفضلى .. قدح عطر يغمر جبلا ...." تلك الأحداث تعكس دوالا رمزية تتساوق مع الرؤية المطروحة فى (زواج بهلول) كما تشير لتهيب وخوف الإنسان من المجهول / الموت المنتظر إن الفراغ الذى يتركه بسبب رحيله ، يجعل الصبى متهيبا أكثر من صراع إخوته القادم لا محالة حول الميراث .. ".. وقمت لأرقد فى جدران قبر أبى .. خشية أن يغمره السيل . أما إخوتي فمنهم من تبعنى .. ومنهم من راح في سبات عميق .. و منهم من راح يسأل : متى سنقتسم التركة ؟! "
ويتم التوحد مع الموت بشكل سوداوى . فى قصة خطوط بنية قاتمة ، يقول: " أريد أن أدون و أخط بجذور أجدادى و مدادهم دون تردد ..." وأيضا بطل قصة ( حلقات الرفع ) الذى يرقد فى المستشفى منتظرا أن يحل الموت به فى أية لحظة ، فقط عندما تسقط قدمه المعلقة فى الحلقة . ثمة خوف إنسانى رهيف وقائم منذ الأزل حيال القوانين الجبرية للطبيعة ، والموت هنا يتجلى فى نظرات الزائرين وفى لون المعاطف الأبيض ولون الأقراص ، حيث نلحظ توظيف الكاتب لؤية الشاعر أمل دنقل .. فى (أوراق الغرفة 8 ). أما الموت فى المدينة فمبعثه تآكل الروابط وانعدام الدفء ، والصراع المحتدم من أجل المآرب وإشباع الرغبات .
كما يتم أيضا استحلاب رحيق الماضى ( خطوط بنية ).. " أكاد أشك فى نجاته .. أتأكد من وجوده .. إذن.. من مات عندئذ ؟ .. أرى أمامى بقايا موت " ويتشكل الموت فى قصة (طيور ميمونة) على هيئة شبح أو مارد يطلع من الحكايات القديمة ، يقول: " خرجت من البيض طيور سوداء ذات أصوات مخيفة .. ظلت تصيح وتتقاتل فى أجواء الحجرة .. زحف شبح ثقيل من مكان الزوج ليفتح الباب .. انطلقت الطيور إلى الحظيرة " وأيضا: "علا صياحها أكثر .. خرج من الحجرة .. رأى بعينيه طيور الظلام و هى تنتزع قطعا من لحم بقرته عندما .. كانت الحمى تقتلع آخر أنفاسها .. فمات ."
وملامح القرية تبدو أكثر نصوعا وحضورا فى براءة وعذرية الحب ، والتهيب من المدينة ، وجلسات المقاهى ونميم الكبار ، وشبق الشبان العاطلين ، كل هذا فى قصة (سارق القبر) ، حيث يحضر الموت كقاضٍ عادل يقتص لابن القرية من ابن المدينة اللص الذى تابعه منذ بدأ رحلته بالقاهرة الى المنيا ، لشراء حمولة القصب . والقصة تنهض على صنع حبكتها القصصية من خلال اختطاف الموت للص بعد سرقة البطل ، وعند النزول من الأتوبيس مباشرة ، يتم التعريج فى القصة على التاريخ الشخصى للبطل وزواجه ، بعض الإسهاب ، وكأن القصة تأخذ استراحة المحارب ليواصل الأتوبيس رحلته باتجاه المنيا ، كما تتشكل القصة على محورين ، أو حدثين متوازيين هما: استمرار البطل فى رحلته ـ على الرغم من سرقة حافظة نقوده وأوراقه ـ فى طريقه لتاجر القصب ( ابن البلد ) والعودة بحمولة القصب ، إلى بلدته . أما الحدث الثانى فهو وصول جثة اللص إلى مسقط رأس البطل ، ودفنه ، على أن البطل بعد فشل التعرف على ملامحه بفعل الحادث .. واستنادا للأوراق بالحافظة المسروقة ، وهنا تمكن الكاتب من المزج بقدرة فنية عالية على المزواجة بين الحدثين ، وعلى التأنى فى إبراز ملامح وأحداث وتفاصيل صغيرة ، تخص حياة البطل السابقة وقلقه بعد السرقة واعتماده على بركة الأولياء الصالحين ( أم هاشم والحسين ) رضى الله عنهما . كما أبرز شهامة وثقة تاجر القصب الصعيدي الذى منحه حمولة القصب وأعاده مجبور الخاطر . يقول: " كنت ماشي ذي القط الخاين .. لا عايز حد يشوفني .. ولا أشوف حد .. وكأني أنا الحرامى .. لكن المعلم أبو هاشم الله يجبر بخاطره .. ساعة م شافني جاي له ماشي علي رجليه .. بعت واحد من رجالته .. وسمعته بيقول : وى .. وى .. يا قدرة الله .. إلحق يا ولد ..عمك سلامة .. الريس.. المعلم أبو حسن يا واد .." .. على المستوى الآخر تتجلى طقوس الحزن فى القرية ، وأثناء الدفن وفى ملامح الزوجة ومحتويات بيتها الذى فقد روح الحياة ، بفقدان الزوج والعائل . ثمة تفاصيل صغيرة ورهيفة فى القصة تنم عن حساسية شفيفة يتمتع بها الكاتب وتلتقطها بصيرته المتأملة بحميمية أسيانة . والقصة بها العديد من الفلاشات السريعة التى ساعدت على إبراز تقاطع الحدثين ، مما ساهم فى تدشين المفارقة على المستويين ، مستوى الحدث وتنامى الحبكة ، و على المستوى النفسى لدى بطل القصة ، و حلول الموت بالقرية ، بمجرد معرفة الخبر، والموت القدرى هنا اقتص للبطل ، وأعاد لميزان العدالة وضعه ، ولكن ذلك الحل هو وارد وخارجى ، بينما فى قصص أخرى ينبع من تفاصيل ولحم المعاش ، ومن تفصد أواصر ودفء العلاقات كما فى قصة (خطوط بنية قاتمة) .
ونلحظ أيضا .. البدء بجملة الحال :
فى قصص الريف يقول فى (قال العراف): "متخمة .. كانت المائدة البيضاء .. تعلوها مائدة أخرى .. تملؤها حتى آخرها : أسماء الشهداء وضحايا الحافلات والقطارات و المناجم ." وفى قصة (نوبة حراسة) ، يقول "عاليا .. شامخا .. سميك الجدران .. هكذا ارتفع بيتنا ... " .. " كانت ثالث ليلة للعزاء بعد رحيل أبى .. جلست مع أمى وإخوتي بعد انصراف الأعمام والأخوال " .. وهو ما يوحى بدلالة أن هذا هو حال القرية الآن .. وهى غير ملامح القرية القارة فى الذاكرة وتستدعى باستمرار فى قصص (غصن الليمونة .. وسارق القبر ..و شق قصير بجوار النهر).. التى تبدأ بمقطع طويل عن حال العجوز وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام الموظف الغريب القادم لليوم الأول إلى القرية .
وتزداد المفارقة لتعكس سخرية مؤلمة من تلهى القرية عندما نستبين شخصية العجوز التى تنبئ القصة عنها أنه هو الآخر غريب .. غريبان يلتقيان فى لحظة الموت .. ربما ليتسلم بطل القصة أوراق العجوز ، ويستكمل رحلة جديدة من الغربة فى قرية غير مسماة .. هل تلك الملامح تبلور رؤية الكاتب عن تفسخ العلاقات أيضا فى القرية اليوم ؟؟ !! أم هى المفارقة فقط التى قام بناء كل قصص المجموعة علية ؟!
ثمة جدل ثرى تحفل به مساحات ليست خالية بين الواقع الفنى فى القصص.. وبين ماضى وحاضر شخوصها ، ومفارقات لاذعة تتشكل بانسيابية رائقة ، توحى باشتعال عالم الذاكرة / الماضى واستدعاء الكاتب له ، وعالم اليوم بملامحه الشائهة ، وشخوصه المشبوحين على عتباته .
المدينة رمز للعنوسة والجفاف والصراع
تأتى قصة (الزلزال) لتعمق التشوه الذى ذكرناه، وألم بجنبات واقع المدينة فجعل من "سعيد" بطل القصة شبحا ، مسخته مفردات حياته ، فأخذ يكلم نفسه فى البيت والشارع ، إلى أن اسشترى الألم ، واستحالت متاعبه اليومية من فقر وضياع للحلم ، إلى حالة من التشرذم على المستوى النفسى . صار ألمه مرئيا لديه وعلا صوت الذات / الداخل ، حتى أضحى مفارقا لها .. يناقشها بشكل فلسفى ، وساخر من وضعيتها ؛ وإمكانية احتمال الحياة على ذلك النحو ، يقول :
- ماذا ؟
- أنا ميت فى صورة حى .. شبح هيئة متمردة لا معالم لها ...
- و لكن والداك عندما أقدما على إنجابك .. كانا يأملان أن تكون امتدادا لوجودهما .. وليس امتدادا لموتهما ... "
ويقول :
- ماذا عن تمردك ؟ ألم تقل أنك هيئة متمردة .. و كيف تكون متمردا دون معالم تريد تحقيقها ؟! ...............
- ماذا تعمل هناك ؟ هل تعمل متمردا ؟
- بل أعمل موظفا .. و أما تمردى : فهو على كل ما يعج به هذا المجتمع من أخطاء و تناقضات ... "
لا تقدم القصة جديدا فى بنائها ولا فى تناولها التقليدى ، لتفاصيل الواقع ، بقدر ما ساهمت فى بلورة الرؤية الكلية للعالم ... ولكن تلك اللغة تتحول فى قصة (مساحات ليست خالية) الى لغة شاعرية ، ربما لكونها تعالج موضوعا رومانتيكا بين رجل وفتاة وسط عالم ضبابى ، لا يتواصلان فيه إلا عبر حواسهما .. وما يحملانه من بشارة العجوز الذى لحق البطل به فى الشارع وهو قابع وسط حشد من الناس ، ليمنحه ذلك الخاتم . إن اللجوء الى تجسيد القدر فى هذه القصة فى شخصية العجوز ، وأيضا تجسيد الموت فى قصة (شق صغير بجوار النهر) بذات العجوز ؛ يعد حيلة فنية ذكية ـ على الرغم من تقليديتها ـ لإبراز العالم المعنوى ، وأنسنته ، وهذا ربما كان أفضل من الغوص فى تصوير عوالم الذات لدى شخوص القصص .
و ساعدت اللغة بشاعريتها فى قصة (مساحات ليست خالية) فى تكثيف الرؤى والتصورات الخيالية ، عن عالم الذات ، يقول : " لم يطرأ بذهنى أن يجمعنا ذلك المكان على شاطئ البحر الذى يقع فى الأغلب عند أطراف النهار .. لأعدو أمام جوادها بحثا عن إجابة .. بعد أن امتطت هى صهوة السؤال .. تقوى أحيانا و تضعف أحيانا أسباب عدم توقعى له .. خاصة أن جمالها لم يكن ذلك الجمال الهادئ الذى أتمناه .. إضافة إلى سبب آخر هى وحدها صاحبة الحق فى الحديث عنه . فلماذا أثار السؤال بداخلى كل هذه الأشياء ؟!."
إقتران البطل بفتاة أحلامه ، لا يتم إلا وسط غلالة كثيفة من الضبابية والمصادفة ، ونستشعر الدور القدرى الذى لا محالة سوف يجمعهما " أخيرا هاهو .. لم أشأ أن أنزعه .. قلبت يدي لأراه جيدا .. كان له فص مربع ذائب الأركان .. أقرب ما يكون إلى الدائرة .. اكتشفت عند مسحه أنه غطاء فوق صندوق فارغ صغير.." وتنتهى القصة ب ".. ثم انتزعت قصاصتين من هامش الجريدة لتكتب على إحداها كلمات.. و لتعطينى الأخرى قائلة :
- أكتب نفس الكلمات التى كانت " كل آلام الماضى .."
" وعلى الفور كانت القصاصتان داخل الصندوقين .. لنلقى بهما بعيدا .. عند أعلى أمواج البحر ... " قصة (مساحات ليست خالية) .
* تمكنت الكتابة بتلك اللغة من تجسيد روح القصص ، والقبض على بنائها الذى تشكل بإحكام .
وتميزت كتابة "حسين عبدالغنى" بانسيابية الطرح وتوظيف نمط القصة الواقعية ، مع محاولاته الملموسة فى الإضافة لهذا النمط ، مما ساعد على بلورة تلك الملامح بفنيات تشكيلية متقنة .
* المزج بين الوصفى والسردى .
* وكثافة الرمز فى قصص (عاشق الفخار ..ومساحات ليست خالية .. وسارق القبر ).
تلك إذن كتابة تستحق التأمل والإشادة بكاتب يطرح علينا مجموعته الأولى ، قد تمكن فيها بقدرة فنية جلية ؛ من القبض على عالمه القصصى ، وتجسيده فى إطار يناسبه ، وعبر لغة متميزة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
1 ـ مساحات ليست خالية ـ حسين عبدالغنى ـ طبعة خاصة ـ 2007