العربي عبدالوهاب ـ الحضور الفذ فى مواجهة الغياب الفذ فى قصص "محمد عامر"

"نلف القاهرة بأنفاسنا ليلا وصبحا وفجرا وظهرا وأصيلا ومغربا"

ديمومة من التواجد فى شوارعها. يتحسس أبنيتها ويجالس الوجوه على المقهى فى محاولة دؤوبة لتكوين علاقة حتى ينتعش الداخل ويشعر بالتواصل والأمن. حيث يمور الداخل بثورة تواجه هذا الغياب المتواصل فى كل شئ، فى الجامعة "يقعد مع منتسب إلى البشر الغبش" المائعة ملامحهم. حيث الجامعة فقدت حضورها الأولي كونها مكانا للعلم فى منظور طلبتها. يثور على هذا متوجها إلى الحجرة ـ الوحدة والملل ـ الخوف من السطو لضياع النموذج البشرى الصحيح ولتآمر المدينة عليه بقانونها الهمجي الذى يرفضه. ويخافه. بها الناس، مجرد وجوه. يحتدم الداخل نتيجة لهذه المواجهة الخاسرة فينتج قهر نفسي لكون المدينة تحولت إلى متاهة مجتمعية لا حدود لسطوتها، ويظهر دوران البطل حول نفسه ومناقشته لمعتقداته، وسخرية لاذعة مأخوذة من لغة الجمع اليومي / الناس الغائبة . وتظل الدورة اليومية فى مواجهة الغياب. هو / البطل / السارد فى رفضه وتفاعله وتأزمه وسخريته وتهكمه يمثل الحضور / الوعي المفرد ـ فى مواجهة الغياب . الجمع ـ إنعدام الوعي.

وإذ يعود إلى حجرته فى الحادية عشرة "ليس سوى الذاكرة والناموس العفي ـ ليكن ـ ليس ثمة بديل". تبدأ المرحلة أولا مع الملل لوقوعه فى أسر الوحدة والظلام، فتبدأ المخاوف تدهمه. اللصوص لا يهم أن تسلب أشياءه .. كتبه ـ الثقافة المنبوذة والمشعلة ـ الطعام . لأنهم لن يكتفوا بهذا وسيحاولون أن يسلبوه شرفه وينتهكون آدميته. وهذا هو آخر شئ تبقى له، بمد رحلة الفقد والسلب آخر شئ لو استلب منه ينعدم وجوده كنموذج إنساني حي، لذا يقرر المواجهة حتى الموت، يواجه هذا التآمر الجمعي من المدينة على سلبه. ولأن المواجهة غير متكافئة يبدو له صوته سيضيع هباء ولا أيى قوة كونية تستطيع تغيير الوضع القائم؛ مما يجعل الآمر ذا قوة إخضاعية سلطوية، وإذ ينام يقع فريسة للكوابيس تنفيسا عن الكبت المتراكم. العالم المنكسر فى عقله الباطن، إفتقاده للأمن والجنس والخوف من الخارج.

وإذ يصحو تبدو المدينة كفضاء رحب له فتتولد فيه الرغبة فى الحياة ويذهب إلى الجامعة. تبدو العلاقة بالجامعة كقينة، قد فقدت / غابت على أكثر من مستوى؛ على المستوى العام ـ تتوقف الجامعة لمدة أسبوعين إنتظارا للدهان، ويتخوخ المعنى القيمي فى منظور الطلبة فتراهم ذكرا وأنثى، ذكرا وأنثى فى علاقات بعيدة عن المعنى الجوهري للجامعة. يثور ليواجههم بسخرية لاذعة ويعريهم نتيجة لهذا الغياب، ويبدو لعدم تكافؤ المواجهة متشككا فى مثاليته وحبه للجامعة.. فيؤكد حينا لشعوره بالسعادة عند عودة الدراسة، ويعود حينا لنفي ذلك ."لا شئ، أنا متأكد منه لتحتل الميوعة كل شئ" يهمش الخارج / الطلبة، ليكون هو الحقيقة وسط الزيف، ليكون الأصل / جوهر الأشياء .. حين تستثيره البنات فيثرن فيه متعة ما، يقول "لكنى أنا مصورها"يتعمق الاحساس بالانفصال بينه وبين الطلبة ويشتد خوفه من وقوع الوحدة فيندفع إلى الشوارع سيرا. يلتحم بالزحام والناس عله يندمج معهم فيمنحونه الأمن . يذهب للمقهى، وجوه يعرفها وتعرفه. يتحدثون، يحتجون، يضجون ـ خارجيا/ ويقع فى الوحدة والانفصال ـ داخليا ـ فيرمي بنفسه فى الزحام برغم أنه "أحداً لا يعرف" . ويقول: أمنية حياتى أن أحب أي شئ وأي شئ يحبنى" إذ زادت الأشياء تهمشيا له لعدم/ رضائه عن قانونها السلبي.

يحاول تذكر ملامح صديقه يحادثه تليفونيا. ينقطع الخط ـ ينقع الخط ـ يزداد الازدحام، ويزداد التباعد فى آن واحد ـ صديقه يقضي ليلة مع محبوبته الوهمية ـ يحكي عن بنات يخلقها وهمه، يشعر بالحاجة كثيرا إلى صديقه لأنه يحقق معه الأمن والتواشيح، والدفء النفسي، ويتشابهان فى الكثير. تماثل الهزيمة العاطفية، إفتقاد الأمن. يسيران معا فى الشوارع يمر الصديق على بيت محبوبته ـ يقبض على يد البطل ـ كتوهم بأنها يد المحبوبة. ويمثل بذلك رفضه لافتقاد المحبوبة وارتباطه أكثر بها. مما يجعلها موازية لرمزها. ويمثل عدم اتفاق مع ما تطرحه المدينة من نماذج سلبية. وضياع أحلام، ووجوه تنكر بعضها. وأناس يقتلها الجرى والزحام. وتزداد المدينة غيابا فى وعي البطل/السارد وصديقه. ويزداد قهر حضورهم، فتخرج التعليقات ساخرة وتتحدد طاقاتهم التغييرية وتتوجه لممارسة الفراغ والفراغ عند البطل أن "أكمل الدراسة، ثم أدخل الجيش ثم ألتحق بأى عمل أو أسافر.. أسافر. يصبح ككل الناس/ الغائبين. إنسان يتكاثر فقط، وسلبي مع المكان العائش فيه ويصبح صورة من غياب المدينة (ويلغى حضوره ووعيه) ويمكن تمثيل ذلك.

حضور البطل + الصديق فى مواجهة الغياب المتمثل فى (الجامعة ـ المقهى ـ الحجرة ـ الحبيبة ـ ملامح الصديق ـ محبوبة الصديق) مما يؤدي إلى قصر نفسي ـ كبت (يظهر أثناء النوم على شكل كوابيس) ـ البحث ـ السير ـ مواجهة الغياب (تكراره).

وحين أقف أمام قصة صورة الحزن الكظيم، فليس لأنها قصة ضمن المجموعة، ولكن لأنها تحمل فى باطنها بذرة قصة الحضور الفذ ولذلك أجاد القاص فى وضعها قبل الحضور. وتبدو فيها صورة القرية .. الجدة فوق الدكة ـ الاحساس بعبق التجمع القرروي ـ وتحرك داخل جو من الصمت والانتظار ـ وانتظار عودة الخال من القاهرة، والخال لا يجئ ـ وصورو المدينة زحام تقطع. رؤى كابوسية. إفتقاد للجو العائلي. إنعدام الارتباط بالدين، وبالتراث (الحكمة الساخرة للشيخ) والحبيبة التى هناك فى الجامعة، والخوف من إفتقادها ـ خيوط ممتدة فى قصة الحضور.

وفى قصة " سورة الفرح" وقد وضعها القاص فى مكانها الجيد ـ بمد قصة الحضور ـ لتصبح الثلاثة قصص رقعة واحدة، ولتكون جو ورائحة وعبقا واحداً. ولتحمل المجموعة ـ متضامنة مع بعضها ـ رؤية متأصلة ..

فبعد تكرارية الانهزام فى المدينة فى قصة الحضور يعود برومانسية إلى مكان نشأ فيه، ويحبه ويحمل له ذكريات دافئة، ويتحقق ذلك فى سورة الفرح حيث تتجذر القرية فى التراث وتتزين "لإبن عربى" وتحمل مواجيد "ابن الفارض" " يا ديار لعل تذكرين محمداً". ذاكراً ذهابه للسوق، وهو يستقدم الناس لأبيه، شعوره بالوحشة لفراق أختيه / لزواجهما . وهو يوزع الشاي للذاكرين فى المندرة. هل تذكره جدرانها. وتذاكره الأسقف. وتذاكره المساجد والديار/القرية . يتساءل . فهذه آخر شئ يشعر برومانسية إليها.

الجزء الأول من قصة الحضور الذى يبدأ بـ " ما المانع " يستخدم القاص ضمير المخاطب. وفي بقية القصة ضمير الأنا. وذلك لأنه فى الجزء الأول. ثائر عنيف فة حالة حضور. يناقش كل شئ ويلعن الخواء المحيط به. فيبدو كأنه فى محاكمة أمام نفسه وأرائه. وأفاد إستعمال ضمير المخاطب فى ظهور وعي السارد/البطل بوضوح وتعرية المدينة ووضعها وحالتها ازائهبقسوة وعنف مما وضعنا داخل بنة النص نتفاعل معه بنفس المقدار.

وتتنوع لغة الخطاب فى النص . فبرغم أن البطل هو السارد بضمير الأنا. لا تصدر كل الخطابات كأنها خطاباته فهناك خطابات تمثل الناس ـ المدينة ـ لغة الغائبين. " يا عم الدنيا حلوة اسكت كل لك جزمة قديمة واسكت".

"دنيا !!!" ــ ويعمق بهذا شكل اللامبالاة واللاجدوى التى يمارسونها. ويأتى الخطاب الصادر عن البطل / السارد معبرا عن ثقافته المضفرة بالموروث فى "شد شد وبكل ما أوتيت من قوة ومن رباط الخيل" ويضفر جملا من نصوص تراثيى فى السرد "ولن يرى الرب ذلك غير حسن" و "اله الرب الكريم يكرم الناس أجمعين بتجربة ممتعة، فسحة عبر دهاليز سقر" وتأثره فى بعض المقاطع السردية بأسلوب الراحل يحيى الطاهر عبدالله، وعبدالحكيم قاسم.

ويستمد القاص لغته مما يقال ويتردد على الشفاه يوميا ولكنها لغة ضد هذا الزحام لأنها تواجهه بمرارة وقسوة وتشكله ببساطة مدهشة وكأنها لغة تتجمع من واحد/القاص. امتزج مع هذا الجمع ويحدثهم بلغتهم رغم أن هذا الجمع يبعده وينفصل عنه.

الجملة القصصية تحمل طاقة من الرومانسية حين يفتقد الأمن وتحمل الملل "أنصت وأسمع بعد دقائق سيمل وأمله".

لم تعد ـ فى النص ـ المكانة للجملة القصصية السلفية التى تقودنا خلفها لتلون لنا كل شئ. بل صارت اللفظة نفسها أو اللفظتان تفجران الشعور وتصدمان المتلقى وكأن اللفظة ترده ليعيد حساباته فى الاحساس بها . وبمصداقيتها وقدرتها على الايماء والتوهج ، وكأنه يلملم ما تقوله الناس من ألفاظ ويعيد إليها شعورها وروحها وجلالها. ليعود الغائبون والمدينة الغائبة إلى الحضور فأول صلة للاتصال هى الكلمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • نشرت هذه القراءة فى مجلة الثقافة الجديدة ـ العدد 21 ـ يونيو 1990

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى