العربي عبدالوهاب ـ حياء الطفل يخدش قسوة العالم ..فى قصص رحيل الحمام (لأشرف سعد)

* ألوان التجريب
هل الكتابة هى فن البحث عن القيم الجمالية المفقودة ؛ أم أنها استقراء لقبح الواقع وتحليله بغية طرح واقع موضوعى وفنى أكثر رقة وجمالا ؛وهل هى اضافة الى المضاف وتكرارا غير مجد . أم تجريب مستمر وسعى دائب فى رحلة البحث عن جماليات جديدة و فى تطوير قدرات اللغة وإيحاءاتها ...." ولما كان الباحث فى القصة القصيرة يلاحظ أن لكل كاتب من كتابها المعروفين لغة خاصة ، ومفردات يحرص على استخدامها ، وتراكيب معينة . كما هو الحال عند محمود تيمور ، ونجيب محفوظ ، ويوسف إدريس . ومحمد عبد الحليم عبدالله ، فإن الأمر يقتضى معرفة موقف كتاب هذه الحلقة .. يقصد بالموقف : الاهتداء إلى لغة كل كاتب وموقفه من الحدث .. وفن الكاتب فى تجسيده وتصويره وبلورته ، وهل يعرضه علينا كاملا جاهزا . أم أنه يدعه ينمو ويتطور أمامنا نموا طبيعيا وتطورا حتميا ؟ والزمن الذى يستغرقه الحدث . وهل هو زمن خارجى أم زمن نفسى داخلى ؟ ومدى تلازم حركة الشخصيات بتصاعد الحدث ثم المضمون الذى يشير إليه والأبعاد التى يحتملها .

( والصراع .. ومبدأ الوحدة ـ وهو مبدأ جوهرى آ خر من أسس بناء القصة القصيرة ـ وهو وحدة الدافع و وحدة الهدف .. ووحدة الحدث .. وحدة الانطباع ) ( 1 )

اذن كان من الضرورى خلال هذه القراءة التوقف أمام وعى كل كاتب ورؤيته للعالم وسمات لغته

واذا كان التجريب هو السمة الغالبة فى قصص الكتاب الثلاثة ( أشرف سعد ، ويوسف حامد ، وجمال فتحى ) .. ولأن الزهرة لا تتفتح دفعة واحدة يظل الدرب أمامهم غير ممهد تماما ؛ وذلك لأن قدرة كل كاتب على تجسيد الحدث وامتصاص عصارته الخاصة وبلورتها بلغة ذات سمت أسلوبى خاص يتطلب مزيدا من الكتابة وخبرة أعمق بمسارب الحياة وصيرورتها

* حياء الطفل
فى قصص أشرف سعد تجليات خاصة ومذاق متميز، والكاتب يدفعنا عبر لغة ( رغم كلاسيتها ) إلى عالم أكاد أزعم أنه ذو ملامح خاصة .. وتحديدا فى القصص التى احتفلت بالنوبة وكأنه يمتح من نفس البئر الذى نهل منه محمد خليل قاسم فى درته الفريدة [ الشمندورة ] واذا كان "حسن نور" و "إدريس على" والراحل "إبراهيم فهمى" وغيرهم .. قد بحثوا لهم عن أب .. ثم تميزت كتاباتهم وتفردت فإن خليل قاسم كان وسوف يظل هو الأب الروحى ـ فى ظنى ـ لمعظم كتاب النوبة .[ هذا إذا صدق ظنى وكان الكاتب نوبيا وذلك لأن ملامح البيئة النوبية لم تتضح إلا فى بضع قصص ] .

منذ الولوج إلى العتبات الأولى فى نصه نلحظ ، طفلا يجتر ملامح طفولته ويلتفت للوراء مسترجعاً أعوامه الربيعية بنظرة أسى شفيف فى نجع الجبل .. وفى أول المجموعة نرى العجوز حسن القناوى يجتر رحلة حياته وهو يستظل بالحائط ، فالقيظ / الموازى للواقع الخارجى ، لم يعد يجدي نفعا لأن مخبوء الذكريات لم يزل ملحا لذلك فإن استرجاعه للمؤلم من شريط حياته ودسائس زوجة أبيه على الرغم من كلاسيته .يحضر إلى القصة كأنه آدم القادم الى ناس النجع التحتانى ينوء كاهله بمعصية ادعتها زوجة أبيه عليه ، أنه حاول انتهاك المحارم والاعتداء عليها ولذلك يصاب بلعنة الطرد من مرتع طفولته / النجع الذى ولد فيه ؛ وناس النجع التحتانى يرفضون بناءه للعشة على أرض نجعهم من باب أنه غريب ومن ثم تتوالد الحياة على أرض النجع عندما يرعاه الشيخ ويساعده على البناء و البقاء ويتحول فى نهاية القصة الى ولىِّ صاحب مقام ومولد وفى ذلك لمحة فنية ثرية وذات بعد دلالى إلي نكوص النجع واحتفائه بالموالد وانخراطه فى العوالم الغيبية .على الرغم من الإشارة إلى انتقال نسق الحياة فى النجع من الأطوار البدائية متمثلة فى معيشتهم على السطو والنهب / كبعض القبائل العربية التى كانت تقطع طريق القوافل..كل تلك الإشارلت الدالة يبثها الكاتب من خلال لمحات سريعة تخلق من السياق السردى ظلا آخر ورؤية يسعى النص لإنتاجها عبر تفاصيل الحكاية البارزة / المروية إن تزايد العمران والمحلات وتوالد الأبناء والأحفاد فى مقدمة القصة وركون البطل العجوز إلى ظل الحائط يعكس نظرة تأمل للتاريخ ، هى بمثابة رؤية أسيانة شكلتها عين كاتب مشغول برصد التحولات الحادثة فى المكان كأنها تحولات الأرض منذ بدأ الخليقة وحتى الآن .

على نفس الوتيرة تتشكل قصة رحيل الحمام ( عنوان المجموعة ) حيث يحضر الموت صادماً لوعى الطفل ، ويختطف الجدة فى إطار من الطقسية .

الكتابة داخل هذا السياق تعبر عن احتشاد الكاتب بعالم شديد الخصوصية وكأن الكتابة عندما تمتح من تفاصيل تتسم بالحميمية ( ولا أقصد الواقعية ) وإنما هو الصدق الفنى الذى يجعل التجربة فى تواصل دافئ مع القارئ .


  • أما عندما تنخرط التجربة فى حيز مناقشة القضايا العامة.، فإن لم يشحنها الكاتب من رحيق ذاته ويمنحها فرصة الولادة فى سريره ، فإنها تستحيل إلى هجين بلا ملامح خاصة وهذا ما نراه فى قصص ( الانكسار ، المتعب ، حساب )
حيث تسيطر على القصص آلام عادية مستهلكة تستدعى البطالة والعوز والمعدمين الذين تضطرهم قسوة الحياة إلى الانحراف وقبول المرأة لإغراء العشرين جنيها ( قصة الانكسار ) ؛ والى احتساء الشاب ـ المصاب بالأنيميا ـ للخمر فى قصة ( حساب ) ؛ والى فقدان الموظف للزمن وذهابه للمؤسسة فى يوم الجمعة ناسيا.

معالجة تلك النصوص تتم أيضا بطريق تقليدية و ثم لا تضيف إلى تجربة الكاتب كقصص ( رحيل الحمام وحوارية الجرح و مشاهد الولد المقيد .. والأقاصيص ) حيث نحس بطزاجة العالم رغم بساطة الطرح وتلقائيته .


  • النموذج الثالث فى تلك المجموعة هو الأقاصيص القصيرة وهى تشكل أكثر من نصف المجموعة . ولأن بعض الكتاب بطبيعة طموحه نحو تجديد دماء كتاباتهم لا يألون جهدا باحثين عن أحدث التقنيات المناسبة لإنتاج نصوصهم وفى أفضل شكل وبأحدث التقنيات السردية ؛ لكن ـ هنا ـ لابد أن يتبادر السؤال عن ماهية الكتابة هل لابد أن تساير أحدث الموضات فى عالم التفصيل مثلا ؟!! .أم لابد أن تكون متسقة لأن كل مكونات النص لابد أن تمثل نفسها على المستوى الدلالى .. إنتهاء بإخراج النص فى شكله الطباعى الأخير لما لهذا الإخراج الفنى من تأثير على القارىء / المستقبل / والقائم بإنتاج الدلالة النصية ، حسب مفهوم نظرية التلقى ودور القارىء .
  • إن الكاتب المجدد هو الذى يتجاوز الكتابة المتوارثة و يطمح ـ على الدوام ـ أن يسلك دربا لم يسلكه السابقون ( على مستوى التشكيل ومعالجة مضامينه ) ولأن النقاد قاموا برأب الصدع ـ منذ زمن ـ بين الشكل والمضمون فلا يجوز بأن نقول هذا النص جيد على المنحى التشكيلى بينما تتم معالجة مضمون النص بطريقة سلفية و العكس صحيح وذلك لأن النص يختار شكله والشكل الجيد لا يبلغ آفاق تحققه بدون أن يحمل مضمونا حداثيا ؛ وعلى الرغم من عدم أهمية ذلك الحديث عن الشكل والمضمون إلا أنه وجب التعريج على ذلك الملمح لأن قصص النموذج الثالث تعانى من نفس الأزمة ـ المضمون الكلاسيك ـ أما التشكيل الجمالى فتحاول القصص هدم الأشكال السلفية وذلك بخلق مشهد قصصى دال ، يتكئ على اللغة الإيحائية ،وبث الجمل الرامزة ،يقول يوسف الشارونى " الرواية إذن ـ كما يقال ـ تصوير من المنبع الى المصب ، أما القصة القصيرة فتصوير دوامة واحدة على سطح النهر " (2) وذلك مانراه جليا فى تقنية بناء المشهد حيث يتعرض لشخوص فى حالة مواحهة التحولات الطارئة على شريط حياتهم العادى
  • فنراه فى قصة ( خلف السائح ) يبنى مشهدا محكما منذ لحظة البدء وحتى النهاية ..الولد الذى يخلع الحشائش الضارة بالجرجير فى حياة عادية ومألوفة محتشدة بالرغبات المهدرة ؛يتوق الى سيجارة ، ليدخنها ولو خلسة ،فى الذرة أو خلف النخل هذه الحياة المعتادة يقطع تدفقها ، بل يخترق المشهد عجوز سائح ولنأخذ فى الاعتبار عملية تقديم مفردة عجوز على (سائح )، لأنه ثمة علاقة دالة تعمل على إنشاء مفارقة بين العجوز والولد فى بدء القصة حين ينشغل الولد بهذا العجوز الرياضى ، فيحاول مجاراته وفى النهاية ـ بعدما فشل فى الحصول على البقشيش لشراء سجائر " فلت " وسقط تحت قسوة الأب وتعنيفه له على نزول الحقل ـ عاد السائح العجوز يجرى خلف الولد، ثم يحاذيه ومع آخر مفردة فى النص ، يقول : بينما عاد السائح العجوز خلف الولد ، يحاذيه مسرعا ، يسابقه .. "
  • إذا كان النص فى ظاهره السردى يتعرض لحدث يبدو عاديا إذا قرىء ببساطة .. ولد فقير يلاحق سائحا للحصول على البقشيش لشراء سجائر وتدخينها بعيدا عن عينى والده ، فيلاحق السائح حتى المعبد لكن السائح لا يهتم سوى بالتقاط الصور للمعبد ، ويهمل الولد الذى يعود إلى الحقل خائبا ولا يسلم من تعنيف أبيه لذلك فهو يكسر إطار الانصياع الأعمى ويهرب بينما السائح مازال يتربص ، فيجرى ـ فى نهاية القصة ـ خلف الولد ، ثم يحاذيه ، ويسابقه
حدث عادى لسائح يخترق حياة الولد النمطية كدوامة وسط ماء منساب فى حياة النهر ما يحدث فى حيز هذه الدوامة هو ما يشغلنا ثمة أداء للغة وإيحاءاتها وما تبثه من رموز دالة هو محك العملية النقدية وباستقراء أبعاد تلك القصة المشهدية نستخلص :

  • أولا ـ الرؤية داخل النص تعتمد على ما تبثه دلالات اللغة الرامزة بشكل تفاعلى مع الواقع الموضوعى وتقيم معها مفارقة صارخة بين ..ولد مهمش مهدر الأحلام نمط حياته مصاب بالشيخوخة فى مقابل سائح ( عجوز ) يتريض ويسابق الولد وهو سابقه لا محالة
  • ثانيا ـ تلك العلاقات تطرح أيضا لونا من الصراع بين بيئتين ـ شرق وغرب ـ تحكمهما بنية تقدم وتأخر مما يتولد عنه نمط من الصراع ما دامت الفجوة بينهما لم تزل قائمة .
  • ثالثا ـ المنحى التشكيلى المتوافر فى هذه القصة ( وبعض قصص النموذج الثالث ) وهو الاعتماد على تخليق النص ومضارعته وذلك بالابتعاد عن القصة الخبرية التى تتشكل عبر تقنية الحكى
  • رابعا اعتماد آلية القطع والمزج بقدرات متميزة حيث تمكن عبر هذه التقنية من تنويع الأماكن أو زوايا الرؤية للمكان الواحد مما يساعد على إضافة الحراك الفنى للحدث والسرد .... وأيضا المزج بين عالم الذاكرة ومحتواه من صور للأب بسرواله ونمط حياته وبين الرؤية البصرية داخل حيز المشهد مما ساهم على تثبيت النص وزرعه بشكل جيد فى ملامح بيئية .
وإذا كنا قد تمهلنا أمام قصة خلف السائح فذلك لنبين تطور ونضج الرؤية السردية وكيف يرى أشرف سعد عالمه وتلك الملامح التشكيلية متوافرة فى مجموعة رحيل الحمام .

  • وتتميز المجموعة باتساع ورحابة العالم الذى تعرج علية القصص ، وبرغبة الكاتب فى تجاوز الأنماط التقليدية فى كتابة القصة لذلك نراه مولعا بالتجريب وتتنوع قصصه على ثلاثة نماذج ـ كما أسلفنا ـ بالإضافة إلى توزع النموذج الثالث على قصة المشهد .
  • والأقصوصة القصيرة التى تعتمد على اللغة بشكل أساس فى تكثيف وترميز العالم .
  • وقصة الفكرة ـــ حيث تعتمد على المضامين العامة والمستهلكة أحيانا وتعالجها بطريقة بناء المشهد الدال بيد أن القارئ باستباقه للحدث وفضحه لتلك الوقائع القصصية يفضح النصوص ويفض بكارتها بمساعدة الكاتب نفسه الذى يفلت منه التمييز بين العنوان الموحى والعنوان الفاضح للمحتوى .. شيء آخر وهو إنهاء القصة .. أو بعبارة أدق عدم توفيقه فى انتقاء الجملة الأخيرة فى بعض القصص والتى من شأنها توسيع الدلالة النصية وقدرتها على التفاعل المثمر فى إعادة القراءة ومن ثم دفع القارئ عبر الختام إلى العبور من حالة القراءة / الاستقبال ـــــ إلى حالة التأويل لأن للبدايات دور هام وضرورى كما للنهايات دور أكثر خطورة كما علمنا شيخنا يحيى حقى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى