محمد بشكار - في الحاجة إلى ثقافة لا تقطع بالسياسة الرؤوس..!

لن نحتاج إلى بَنْجٍ في جراحة تصِلُ قناة الوريد بحبره الذي مازال نازفاً منذ البيانين اللذين كتبتهما في افتتاحيتي الخميسين المنصرمين بهذا الركن؛ وهما «بيان الثقافة» و«بيان الأدب»؛ أجل نحن أحوج إلى جراحة لا تبلِّد الحواس أو تُغيِّبُ الإدراك، عسانا نسترد بالألم وعينا الثقافي والفكري الذي ضاع أدراج الجهل؛ لذا، وكما أسلفت، أصِلُ وريد عمود اليوم بحبر البيانين، لأجزم في زمن لم نعد نملك فيه من عصَب السؤال الثقافي إلا عطبه، أن كلمة «الثقافة» من الشساعة أو الكونية، بحيث لا تَنْحَدّ بنشاط كوكب أو جرم، فهي حسب محمد عابد الجابري «ترتبط في أذهاننا اليوم بشؤون الفكر عامة، ولكنها مع ذلك، لا تثير فينا مضموناً واضحاً ومحدداً، ولا تضع أمام أفهامنا دلالة دقيقة جلية»؛ لذلك أجدني أستخلص من هذه السعة الغربالية التي تحتوي كل تبر، ذهب الأدب الذي لا يمكن نكران أنه يعرف في راهننا، من حيث التأثير في الناس، انحساراً أشبه بالخرس؛ فهل ترى الأدب الذي يَنْبَثُ بأشكال عديدة من الألسنة البيانية؛ شعراً، رواية، قصاً ومسرحاً؛ غدا اليوم أحوج إلى لسان بليغ ينطق باسمه كي يصل إلى كل الناس؟؛ إن المفارقة التي تنبثق أفعوانية من جحر هذا السؤال، تكمن بالأساس في أن الخطاب السياسي، هو الذي كان أحوج إلى أشكال الأدب لتليين الرؤوس وفق إحدى الإيديولوجيات؛ لذلك نجد مثلا أن الحكومات في وطننا العربي ـ حسب الأستاذ عمار علي حسن (مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط)ـ «تسيطر على مناهج التعليم والكثير من مؤسساته، وتستخدمها أداة لبث أفكارها وقيمها، التي تؤثر سلباً على مصلحة المجتمعات في المدى البعيد..»؛ اليوم بات الأدب يبحث عن فردة حذاء من ماركوتينغ الخطاب السياسي ولو كانت تزكم الأنوف برائحة الفساد؛ المهم أن يثبت للناس أنه لا يمشي أعرج؛ وبدل أن يبقى هذا التعبير الإنساني الموسوم منذ الأزل بالرقي الجمالي، لصيقا بمهمة استجلاء هموم الناس التي تعد التاريخ الحقيقي للمجتمعات؛ يتحول بهذا الانتعال للسياسي، إلى البحث عن دعم من أي جهة حتى لو كانت الشيطان؛ ولا ضرر في أن يغدو هذا الشيطان مرجعاً ثقافياً في أذهان الناس، ولو من خلال رؤية ثبوت علامته المؤسساتية، ذات الماركة المسجلة في حاشية غلاف كتاب شعري أو روائي أو قصصي، قد يرغي ويزبد في وسائل الإعلام، بهذه العلامة الإشهارية، كما قارورة شامبوان، ولكنه لا يزيل القشرة!


FB_IMG_1763850608755.jpg

أعلم أن البيانات الثقافية، ما عادت تُنطق حجراً بزلزال، كما في الأزمنة التي كان يشتد في وطيسها، الجدل أعلى من البرلمان، بين الثقافي والسياسي، ولكن أليس الصراخ في الآذن مهما كانت صماء، أنجع من الخرس...؟

(ملحق"العلم الثقافي"2014/1/23)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى