العربي عبدالوهاب ـ الاحتفاء بسرد التفاصيل .. قراءة فى قصص "يوسف حامد"


  • على فرض أن النص الأدبى يحتوى بباطنه أنماطا متباينة من السلوك ومن العادات المتجذرة ـ حسب رؤية لوكاتش ، عن علاقة النص الأدبى بالواقع ـ فإن الواقع الفنى الذى يحتويه المتن السردى يتحاور عبر علاقة جدلية مع الواقع الموضوعى ..أو بشكل آخر ، فإنه على الرغم من كثرة التعريفات المتعددة لهذا النمط المراوغ ( القصة القصيرة ) .. نصل فى النهاية إلى أن كل كاتب له رؤيته الخاصة للعالم ـ تحققت أوهى فى سبيل التحقق ـ تلك الرؤية بالضرورة تستتبع خبرات خاصة أيضا فى معرفة فنيات وتقنيات تشكيلية وجمالية ، تأتت من مجموع الخبرات الخاصة جداً التى ساهم فى تشكيلها وعيه الثقافى والفنى المرتبط بقناعاته الفكرية وتوجهاته الأيديولوجية التى من شأنها أن تتوج أسلوبه بالخصوصية أو تدفع بكتاباته إلى النمط سابق الإنتاج .. "إن مبدأ الحياة وفكرها منصبان على قهر الجمود والانتصار على القوانين الجامدة الثابتة ، والسمو بالحياة الروحية و أن وظيفة الفن الحقيقية هى الولوج الى ثراء النفس الإنسانية ، لا الركون الى نسق الصيغ المتعاقبة ذات الاتجاه الواحد " (1) .. ومن هنا لا يمكن عزل النص الفنى عن واقعه أوعن التأثيرات المتبادلة والمتنامية بين المبدع وبين واقعه


وقصص يوسف حامد تتشكل عبر نصوصها ـ الطويلة نسبيا عن الأقاصيص الأولى ـ "كائن لا يشمئز عادة ، وابن الحاوى ، وتحت الكوبرى " كائنا مغايرا ومختلفا عن أقاصيصه القصيرة ( تتابع ، جديد ، لا أحد يموت من الجوع ، بين شارعين) كي تتوزع على مرحلتين فى انتاج القصص هما ليسا بالضرورة مراحل تاريخية بقدر ما هما قناعات خاصة بأنماط الإبداع القصصى

1 ـ المرحلة الأولى .. كتابة القصة الرمزية " فعلى الرغم من أن كل ألوان الإبداع تمثل رموزا تتحاور بشكل أو بآخر مع الواقع الموضوعى " (2) إلا أننى أعنى هنا تمثيل الواقع عبر صورة رمزية فى الأساس تلك الاقاصيص التى لم يتجاوز طولها الصفحة الواحدة شكلت واقعا فنيا موازيا لآخر موضوعى خارجه .. ونحن لا يعنينا سوى النص المكتوب الذى نقوم بتحليله واكتشاف دواله وربط علاقاته الخفية بعلاقات أخرى من الطبيعى أن تستدعيها المخيلة لدى القارىء

وتميزت تلك القصص أيضا بالحس الساخر فى قصص (لا أحد يموت من الجوع ،أسفل البناية ...)

2 ـ المرحلة الثانية وتشكلت خلالها قصص تحت الكوبرى وابن الحاوى وكائن لا يشمئز عادة و استعدادات صغيرة للعيد .. وتلك القصص احتفت بالبيئة ومفردات المكان وعاداته ورصدت عبر عين الطفل ملامح الإنكسارات الخفية فى نفس الطفل والمفارقات الطبقية المفزعة ( حسب رؤية الكاتب ) هذه المفارقات نراها متجلية فى معظم القصص تقريبا وأود ألا أكون مغاليا إذا قلت إنها القاسم المشترك الذى تنهض عليه الرؤية المركزية للنصوص

يقول فى قصة ( تحت الكوبرى ) " ذهبت الى عند الخال .. خلفى كان عائدا على عربه الكارو .. صاح ( غور ) .. كنت أريد أن أراها .. لم تخرج .. لم تنادنى .. صاح الخال ( امش يا ابن الكلب ) . الكلب الأسود يطارد الكلبة الحمراء .. دخل خلفها الخرابة .. خرجت تسحبه خلفها .. طافت به الشوارع .. ويتبدى فى هذا المقطع الدال عدة سمات أسلوبية أهمها سيطرة السرد على تشخيص المشهد بصريا ، وتفتق الرؤية المركزية للقصة من بين ثنايا المشهد القصصى ، خالقا عبر حبكته الفنية ..بؤرة سردية ، يتم من خلالها إعادة تركيب تفاصيل النص .. " فالقصة القصيرة هى أكثر فنون السرد توهجا ، لا تعرف هذا الإسترخاء اللغوى ولا يمكنها أن تحتمل مقطعا طويلا عريضا لا يدفع بحركة . خطوة الى الأمام فالحيز السردى الممنوح لكاتب القصة القصيرة يفرض عليه الاستفادة من كل فعل ، بل ومن كل إشارة أو كلمة ،واذا كنا فى الرواية ، نتحدث عن بؤرة السرد ، وفضاء السرد ، ففى القصة القصيرة ليس لدينا سوى بؤرة سردية لا تحتمل الإسهاب فى."( 3)

  • التداعى كسمة تمكنت من توليد الدلالة بمزج صورة الكلبة وما تفعله بالكلب ، اذا تملكتها الرغبة مع ضرورة الإشارة الى أن الغواية بدأت بالمطاردة من جانب الذكر ، أليس لتلك الصورة المستدعاة قدرة على خلق علاقة تماثل مع آلام الطفل الراصد بعين حاذفة مدى التناقضات والإنكسارات التى يعانى منها حتى يظن القارىء أنه بالفعل لقيط كما أوحى له ابن زوجة أبيه .. الحبكة الفنية ساهمت فى تفعيل عناصر التشويق ومنحت القارىء مبررات مقبولة لإطالة المساحة السردية والعزف على فكرة القصة بأكثر من طريقة ؛ مما يجر القصة الى حيز النص التقليدى ويصيب النص ببعض الترهل إلا أن دفء السرد وتتابعه واعتماده تنوعات أسلوبية فى السرد قلل الى حد بعيد من عوامل ضعفها
أما فى قصة [ استعدادت صغيرة للعيد]. فإن إفتقاد الراوية للدفء العائلى متمثلا ازدحام بيت قرينتها بالأعمام والأخوال وما يتبعه من غيرة مبثوثة بين ثنايا النص خلال الإستعداد لمباهج الإحتفال بالعيد ، وتنفتح تفاصيل القصة على البنت المصاحبة للراوية والتى تخترق غلالة العيب و الحياء حيث تدخل مرحلة المراهقة ؛ وكونها تدخل فى علاقات مع شبان هذا من باب اكتشاف الحياة إلا أن كل من يخرج بالبنت الصاحبة عن نسق التقاليد ، ويسم أمها بأنها "حلبية " وحسب الراسخ فى الوعى بأن الحلب لا ينتمون للنسق الإجتماعى والولد فى قصة ( جديد ) غريب عنهم لأن ملابسه غريبة عنهم حتى يتقبلوه .

[HEADING=3]أما فى [ قصة طوبة حمراء ] التى كتبت بضمير الأنا الطفل.[/HEADING]
وتستوحى عالم الطفولة حيث الساقية وأعواد القصب وجنينة الفواكه .. جنينة الفولى ) مع التعريج على الفروق الطبقية ، فنرى صلاح الفولى يستميل الراوى حتى لايفشى سر ما رأى حيث كان ( حاشر خديجة بنت عبدالعال فى الحائط )

إن اكتشاف الراوى لذلك العالم كان يحمل فى طياته عبق الماضى وهذه المقاطع السردية الطويلة و ما ترسمه من ملامح بيئية تقيم بدورها جدلا فنيا مع الحاضر حيث تحتاج الأم الى طوبة حمراء كى تدعك قدميها و مع ذلك لا يتمكن الراوى/ الطفل من إحضار الطوبة الحمراء .. ثمة علاقات فنية تربط الماضى بزمن السرد ؛ جميعها تفضى الى الانهزام أمام مواضعات الواقع الموضوعى من خلال عين الطفل الراصدة ويتواتر السرد متشحا بتقنية الحكى .. وبلغة مناسبة لوعى الطفل ، تمكن من إبراز المفارقة بين زمنين " تركنى الرجل وهو يجز على أسنانه بغيظ ، قبل أن أجرى نظرت الى الرجل الذى خلصنى .. أردت أن أطلب منه طوبتين حمر .. واحدة هشة كى تدعك بها أمى الزير الذى أخضر قعره .. وأخرى صلبة محروقة .. لا أ عرف لم ، عندما ابتعدت .. كان الرجل الذى أمسكنى واختفى والآخر أصبح صغيراً .. رفع طاقيته ولوّح لى ؟ .. أم أنه كان يطرد عن وجهه الذباب .. الذى كان ذبابنا .

و فى قصة ( فى تقاطع شارعين )

تأخذ القصة من الكلاب رمزاً للفساد والشخوص تمثل اللامبالاة ..لاحظ دلالة العنوان عند تقاطع شارعين ..هما شارع الثورة وشارع الحرية

وكأن الإنسان مستباح أثناء سعيه للقيام بالثورة وذلك من أجل الحصول على الحرية ثمة معانى مثالية كالحرية والمساواة والحياة الكريمة تواجه من الأغنياء باللامبالاة دائما ـ ومن الناس أحياناً بذات اللامبالاة ـ لاحظ أيضا قصص ( أسفل البناية ، وعود ثقاب برأس أسود )

* فى قصة [ عود ثقاب برأس أسود ] المفارقة قائمة على الرمز ..فعود الثقاب يوازى الإنسان على المستوى الدلالى

وبمجرد أن يشتعل العود وينتهى نفعه تقذف به السيدة بل تتهم الرجل عندما تراه يحتفظ بالعود بأنه شارد ومزاجه اليوم غير منضبط وتلك إشارة دلالية غاية فى الثراء الفنى وتبلور رؤية الكاتب للعالم كما تكشف تلك اللمحة إيديولوجية النصوص وانحيازها الفنى للمعدمين لاحظ قصة [ لا أحد يموت بالجوع]

* وفى قصة [ ثدى ضامر ] نلاحظ العنوان ـ الثدى الدال على الحياة يتجسد ضامراً عند المرأة التى تحتال على فقرها بالسرقة ( البرسيم ) وبخداع الخفير ـ ولأنه يحس بمسؤليته عن حالها و فقرها ـ يتركها تخادع صاحب البرسيم ويمضى .

هنا يتولد سؤال : هل ثمة مبررات تفرضها النظم ويتكيف معها هؤلاء المعدمون ، كأنه اتفاق ضمنى على تمرير تلك السلوكيات الجديدة على المجتمع ، ثمة بؤر فاسدة فى جسد الواقع تكتشفها القصة وتسلط الضوء عليها بلا ضجيج ؛ لكنها فى سبيل ذلك تتخذ من السرد المباشرالذى يعتمد الحكى كتقنية فاعلة وحيوية فى سرد القصص و عبر السرد المتتابع نشم رائحة بعيدة لـ حكايات للأمير حتى ينام ليحيى الطاهر عبدالله تعمل كخلفية محركة لطرائق الحكى فتتم تعرية الحدث وتتكشف شفراته الدلالية ( إذا جاز لنا أن نستعير ذلك المصطلح المستخدم أكثر فى نقد الشعر . وتتميز القصص بالحس الساخر الذى يتلبس ثنايا السرد .. ويصاحب آل المدينة الأثرياء خاصة / أصحاب الكلاب ..ق أسفل البناية ولا أحد يموت من الجوع

[HEADING=2]و تتميز القصص أيضا ب[/HEADING]
[HEADING=2] رصد الطبقية المفزعة [/HEADING]
[HEADING=2] التماس مع العادات والتقاليد[/HEADING]
[HEADING=2] استخدام تقنية الحكى [/HEADING]
[HEADING=2]فى معظم القصص .. وخاصة قصص (جديد وثدى ضامر)[/HEADING]
[HEADING=3]* ثمة أخطاء نحوية[/HEADING]
[HEADING=2]ـ أنه رجلا مهما ـ و الصواب ( رجلً مـهمً )[/HEADING]
[HEADING=2]ويملئون ـ بنفس القصة ـ والصواب يملأون ــ الهمزة على ألف [/HEADING]
ولا يسعنا فى النهاية ، سوى أن نقول بأن قصص يوسف حامد ؛ تدخل بقوة فى دائرة التميز لما يمتلكه الكاتب من إمكانات وقدرات جيدة على إمتلاك تقنية الحكى ، وتوظيفها داخل البناء السردى لإنجاز دلالاتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامــش

عبدالرحمن أبوعوف ـ البحث عن طريق جديد للقصة القصيرة المصرية ـ كتابات نقدية ـ ( ) ـ هيئة قصور الثقافة ـ

2ـ عبد الكريم درويش ـ فاعليات القارئ ـ مجلة الكرمل

3ـ سيد الوكيل ـ مدارات فى الأدب والنقد ـ ثقافة القاهرة ـ هيئة قصور الثقافة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى