إن العقل المؤلف للموسيقي، هو من أبدع العقول وأكثرها تفوقا من وجهة نظري، ذلك الذي يستعمل التجريد لاستنباط ما هو نغم أي ما هو باعث للإحساس، ويتمثل إعجازه في أنه يلتجأ لطبقات الهواء فيحورها الى حروف تطلق أنغاما، يعدلها، يجمعها، يفرق بينها، ليخلق منها زمنيات متفرقة.
هل يبعث العقل الموسيقي القول في ما لا يقال؟
كل اللغات تبعث القول أي المعنى في ما لا يمكن أن يقال، فما هي خاصية العقل الموسيقي، أو بما تختص به لغته؟
في كونها لا تحيل الى أشياء معينة، بل تكشف عن أجواء مختلفة، حين ينجلي عن النفس شعورها بالغربة تجاه العالم، بأن تستأنس بالنغم وألحانه.
يولد الحرف الموسيقي من قطعة هواء منفلتة، تتالى إثره حروف أخرى، تكتب بين أسطر المدرج الموسيقي، تفصل بينها الفسحات، يكررها العزف أو يجددها رقة، حدة، ارتفاعا، نزولا، غلظة ضمن مقاطع متعددة.
أما السر الأعظم لما هو موسيقي، فرغم تشكيلته المعقدة، ينفذ الى قلوبنا، فنكرر ما أبدعه عن ظاهر قلب، دون علم لنا بتركيبتها.
ترى أيستمد العقل الموسيقي موهبته من عقل كوني يفوقه علما ومعرفة، لكي يحدثنا عما نشعر به دون أن ندرك؟
ربما، أن تجمع الحروف الموسيقية بين ما هو محسوس وما هو تجريدي، إثر لقاء بين المعنوي والمادي واختلاطهما الى حد التمازج لخلق ما يتجاوز اللغة المتحدثة، يجعل النفس ترتقي الى مراتب عليا، من الرغبة الى ما يفوقها، من الشوق الى إحيائه فتغيّر أحواله، من الحزن الى ما يبعث على استفاقته وانصهاره، من سجن الذكرى الى ضياعها في اللحظة الحاضرة.
إذ تعيد الموسيقى كتابة أحاسيسنا بأظافرها، تنقشها بريشة الجمال وتعدل من عقارب زمنيتها بأن تصبح حاضرة في كل وقت، فتية، متحررة من الحدث الذي أوجدها.
لا تختلف عناصر تكوين الجملة الموسيقية وهي: الهواء، الزمن، الحركة، الحرف، الحس، والمعنى، عن عناصر تكويننا إلا في القليل منها، فقد نكون في الأصل إيقاعا شبيها بقطعة موسيقية، تلك المعزوفة، المتخيلة، المجردة، الهوائية، الخارقة للزمان، المتجاوزة للمكان والتي خلقت لتنشر شيئا من الحس يغير وجه العالم، بأن يصبح شبيها بأكثر الفصول دفئا.
لذلك يتابع الصوت دون عناء اللحن الموسيقي ليتغنى به الى حد الطرب، كأنه جزء لا يتجزأ منه، هل يعني ذلك أن الكتابة الموسيقية هي كتابة لمن نكون، ما دمنا نستعيدها دون معرفة سابقة؟
لا أدري، ما يمكنني أن استنتجه هي تلك العلاقة الغريبة العجيبة بين الهواء والحركة والصوت وما يجمعها أو يفرقها من هوامش. قد تكون هي الكتابة الوحيدة الممكنة النابعة من ذواتنا، الصدى القوي لما نشعر، أي لمن نكون.
هل يعني ذلك أن كينونتنا هي غنائية في جوهرها، لكي نكتشفها، لا بد لنا من معرفة ماهية الموسيقى واقترانها بالغناء؟
قد تكون كذلك، بمعنى أنها منسجمة مع المكان والزمان الى حد التخاطب والانسجام، وفي هذه الصورة، لن تحاصرها العبثية ولن يسكنها اليأس على الدوام.
فالعقل الموسيقي الذي لا ينظر لكونه لا يشيد سجنا، هو عقل بطبيعته منساب، مهاجر متجاوز للثقافات والجنسيات واللغات، لا يعترف بالمفاهيم ولا الفرضيات، يستمد إلهامه من الأصوات أي من مصدر اللغات قبل أن تتشكل.
يدرك بالحدس ماهية الإيقاع، لكونه عالما أن للمشي وقع تحدثه الخطوات، وأن النبض وقع، للتنفس وقع، لتركيبة الكلمات وقع، للأفكار وقع، للمشاعر وقع، لليقظة وقع، للنوم وقع، لليل وقع، للنهار وقع، للزمن وقع.
ما الوقع؟
حركة خاضعة لنظام معين قد تحدث إما صوتا خارجيا يسمع أو داخليا لا يسمع. فالعقل الموسيقي يستعملها ضمن خرائط متشابكة كي يحولها الى إيقاعات مختلفة تبعث لحواسنا رسائل عدة، فهو عبقري بطبيعته أي منشئ للميتا اللغة أي لبعد يتجاوزها.
هو القادر على التعبير عن الحب دون حاجة لتعريفه وهو مدرك للحزن يعيد ترنيماته دون أن يصفه وهو عالم بما هو فرح أو شهوة أو انتظار أو حسرة أكثر مما تعلمه النفس عن ذاتها، أي عالم بما لا يمكن فهمه ولا تفسيره بل استيعابه والتفاعل معه، لذلك فالعقل الموسيقي من أنبغ العقول دون منازع ،من وجهة نظري.
إنه العقل الذي ينتهج منهج التجريد وصولا للمحسوس أي لجوهر الحياة وليس العكس، ينطلق من العام لخلق وقع خاص يعبر عن إحساس معين ينفذ الى النفوس مباشرة دون عناء.
لذلك فالمقاطع الموسيقية قابلة للقراءة والتفسير وغير قابلة لهما في الان نفسه ، إذ تقتصر قراءتها على معرفة تركيبتها المعقدة واستعادتها بروح جديدة، ذلك أن الاستماع إليها كاشف لمعانيها دون جهد يذكر، كما سبق وبيننا.
وفي الحقيقة فالموسيقى شعلة نور مضيئة للنفس بإعادة ترتيب أحوالها، صعودا، نزولا أو امتدادا أو دوران، ثم انسيابا حتى تهاجر الى الأفق البعيد فلا تبقى حبيسة الجسد.
حركة إيقاعية تخبرنا أن ما نشعر بداخلنا وما نعيشه خارجنا، يمكن لهما أن يتحدا في لحظة فارقة وأن تكون لهما لغة واحدة.
لقد وصف الاديب جبران خليل جبران الموسيقى بأنها لغة الروح. وقال عنها الفيلسوف الفرنسي فراديمير جوكلفتش : بأنها فن زمني بامتياز، يصعب تحديد ماهيتها أو حصرها، لأنها ليست ملموسة ولا ظاهرة ومن هذا المنظور فهي تقريبا لا شيء.
وصفوة القول، في ما كتبته حول موسيقى وما وصفه بها بعض الادباء والفلاسفة ممن ذكرت:
أن ذلك "اللاّ شيء" بالمعنى الفلسفي الذي ذكرناه، قد تكون في نهاية الامر تلك لحظات ميتافيزيقية تخاطب أنفسنا مباشرة لتصبح جزءا لا يتجزأ من عوالمها المحسوسة والروحية.
كاهنة عباس