أنور غني الموسوي - ضرورة تجديد منهجية علم الكلام

ان معرفة حدود العقل وعجزه التام امام عظمته تعالى وامام فعله وعلاقته بخلقه بل وما هو غيب من امر خلقه يجعل من المهم تغيير منهج المتكلمين وطريقة بحثهم بوجوب مقدمة بحثية في ان الموضوع الكلامي هل للعقل القدرة على تناوله ام لا. فان كان من الجهات الغيبية اللامعقولة المتقدمة ( الله- فعل الله – علاقة الله بخلقه- الجانب الغيبي من المخلوق) فانه حينها لا بد من معرفة محيطة له وهي اما بنص منه تعالى او تمكين منه او باستقراء مطلع ولان الأخير متعذر الان والثاني يحتاج الى معجز او تكوين يتجاوز المخلوق به قدرة العقل ويكون عارفا باداة غير العقل فلا يبقى الا المصدر الأول وهو قوله تعالى. اذن المصدر الوحيد المتيسر والغالب والعام الان لمعرفة الغيب اللامعقول هو النص. واما التمكين الادراكي من مشاهدة الغيب اللامعقول فممكن بل وحاصل للانبياء في مشاهداتهم بل وممكن لغير الأنبياء، بل وحاصل في معرفة الغيب اللامعقول من خلال كلامه كما ان بإمكان المخلوق الممكن من ادراك سننه تعالى من خلال كلامه، أي التوصل الى معرفة غير منطوقية وراء كلامه تعالى في كتابه يستطيع الانسان الممكّن – كالنبي- من ادراكها بما له من إمكانات وقوة وليس بوحي منه تعالى، وبهذا البيان يمكن فهم طبيعة معرفة النبي بالقرآن وتفرعه منه. وبهذا يتضح ان في الانسان بعدا ثالثا غير العقل والجسد وهذا الجانب واسطة للمعرفة والادراك اللاعقلي الذي يخترق الحجب المادية والقوانين الفيزيائية والاحكام العقلية، ولا ريب انه صادر من شيئيته ومن جانب تكويني فيه لكنه يحتاج الى عوامل لتفعيله. وهذا دليل مادي فيزيائي تجريبي استقرائي على هذا البعد والذي تدل دلائل كثير كالرؤيا انه روحي. فالادراك اللاعقلي للإنسان - وقد يسمى كشفا- مصدره روحاني وهو دليل على الوجود التكويني الفيزيائي للروح. ومن الجيد تسمية الادراك اللاعقلي للغيب من قبل الانسان بواسطة الروح انه (كشف للغيب) كفعل له وانه انكشاف الغيب كموضوع خارجي يبحث.

ولا بد من التأكيد انه من المهم معرفة عناصر الادراك اللاعقلي والكشف عن الغيب وادواته ومدى حدودها ومدى القدرة على تربيتها وتعليمها. بمعنى انه لا بد من معرفة علم (الادراك اللاعقلي). ومن هنا يصبح لدينا (العلم اللاعقلي). وهناك إشارات وجدانية ونصية ان الرؤى (من الرؤيا) فيها جوانب ادراكية لا تفسر بالعقل ففيها استشراق للمستقبل ومن جوانبه وصوره كشف الغيب (الادراك اللاعقلي للغيب). وبهذا تسقط اسطورة ان العلم كله عقلي، بل من العلم الواضح الثابت ماديا وتجريبيا ما هو ليس عقليا.

ومن كل ما تقدم يتبين ان منهجية البحث الكلامي يجب ان تكون اكثر وضوحا وبمدخل مختلف عما هو سائد، وان ترتب البحث على ثلاث جهات؛ الأولى (العلم) والمعرفة بشكل عام، والثانية العلم العقلي (علم المعقول )، والثالثة العلم العقلي (علم اللامعقول). لان أدوات بحث كل جهة من هذه الجهات ووسائل تناولها بل وعناصر موضوعاتها ومفردات مسائلها تختلف، واحيانا تختلف جدا. فيكون من النافع اتباع هذا المنهج وهذا التبويب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى