د. عبدالله ابراهيم - عن خوان غويتسولو أتحدّث، ولكن، في الحقيقة، عن المغرب، وعن بعض أصدقائي في تطوان، أتحدّث.

التقيتُ خوان غويتسولو في بيته بمراكش في أول الأسبوع الأخير من فبراير عام 2011. واحتسيتُ الشاي الأخضر بالنعناع معه في غرفةٍ مؤثثةٍ على الطراز المغربي في منزل عتيق له حوش صغير وحديقة أصغر. قصدنا زيارته عبد الصمد بلكبير وأنا. وكان ذلك منذ خمس عشرة سنة. في الطريق الموصِل إلى بيته في حيّ القنارية بالمدينة القديمة في قلب مراكش، سألْنا أحدَ المارة عن البيت ليدلّنا عليه، فسأل بدوره: "أتبحثون عن بيت خوان؟" قلنا: "نعم". فأشار بيده، وقال: "ذاك هو بيت خوان". طرق بلكبير الباب بالمِقراع (وهي الحلقة الحديدية المعلّقة في صدر الباب، وتسمّى في مراكش الطَرّاقة)، فخرج شيخٌ قصيرٌ متينٌ يدنو من الثمانين من عمره، فإذا به خوان ذاته، وتقدمنا إلى غرفة طويلة. بعد أن استضافنا لساعة في بيته المعمّر مثله، حدّثنا عن رفضه جائزة القذافي لأنه أبى أن يُكافأ من مستبد كما ذكر، وكانت قناة الجزيرة تبثّ أخبار الانتفاضة الليبية في طرابلس التي اندلعت في العاصمة في 17 فبراير 2011، بعد يومين من اندلاعها في بنغازي (حدثَ أن أبلغتني إحدى مضيّفات الدرجة الأولى بنبأ اندلاع التمرد في طرابلس، وأنا في الطائرة القطرية الذاهبة من الدوحة إلى الدار البيضاء بدعوة لإلقاء محاضرة في معرض الكتاب، وقد هبطت الطائرة للتزوّد بالوقود في مطار طرابلس الدولي لحوالي نصف ساعة ثم أقلعت. وقالت المضيفة متهكّمة : لو تأخرنا لساعة ما كنّا غادرنا أبدا)خرجنا سوية: خوان وعبد الصمد وأنا ندرج كالضّالين في بلاد المؤمنين صوب ساحة جامع الفنا، القريبة من بيته، وفي مقهى في طرفها قبالة المنارة الوردية قضينا ساعة أخرى مع الشاي الأخضر بالنعناع نفسه الذي احتسيناه في منزله. كان خوان يتحدث المحكية المغربية، وبالنسبة لي لم يكن التفريق بينه وبين أيّ رجل مغربي في عمره وارداً، لا في السحنة، ولا في اللطف، ولا في اللكنة.
وفي 19- 4 - 2019 غادرت تطوان بعد الانتهاء من مؤتمر "التأويليات وعلوم النص" في دعوة من جامعة عبد المالك السعدي، عقده مختبر التأويليات برئاسة محمد الحيرش. وحينما انتهى المؤتمر أعادتْنا سيارة إلى الرباط أنا والمفكر المصري سعيد توفيق، ولمّا شارفْنا الوصول إلى مدينة العرائش، تذكرتُ أنني قرأتُ أن جان جينيه دُفن فيها، فأخبرتُ السائق، واسمه شريف، أن يتجه بنا إلى مقبرة المدينة. لم يكن السائق من أهل العرائش، لكنه اتجه بالسيارة إلى أحد المساجد، وسأل عمّن يدلّه على المقبرة، فأُرشدنا إلى مقبرة النصارى واليهود، وكانت مقفلة بقفل صدئ كأنّ ميتاً لم يُدفن فيها منذ دهور. وكدنا نعود، لما ظهر لنا شاب، أشعث، كَمَنْ فُزّ من نومه، فسألته عن اسمه، فقال "كريم" فقلت له"يا كريم، أين نجد قبر جان جينيه؟"، فقال إنه مدفون في مقبرة (الإسبانيول)، وكان قليلٌ من الدراهم كفيلاً بأغرائه بأن يكون دليلَنا إلى المقبرة الإسبانية على حافة المحيط، فقرفص في المقعد الأمامي، وقاد السائق إلى مثوى الأموات. وكانت المقبرة بدورها محاطة بسور مقفل غير مرتفع، وأضرحةٌ بيضاءُ ظاهرة للعيان من خلفه.
نادى كريم بلهجة مغربية، فإذا بامرأة ريفية عجوز تتقدّم صوبنا ببطء من بين القبور كأنها تتّقي شرّا، وبعد مفاوضات خاطفة، فيها امتناع وإغراء، انفتح الباب ببطء، وقادتنا إلى قبر جينيه، الذي نُقش عليه اسمه بصبغ أسود مع تاريخ وفاته في 15 أبريل 1986. والقبر أشبه ما يكون بحوض حجري مقعّر، مستطيل الشكل مملؤء بالأوحال، طوله نحو مترين، بارتفاع قدم. توفي صاحبه في باريس، ثم نُقل جثمانه إلى العرائش. وكان داوم على زيارتها لارتباطه الخاص برجلٍ فيها، وأوصى أن يُدفن حيث يحبّ. وفيما كنتُ أمعن النظر في مآل كاتبٍ متشرّد انتهى به المقام في غير وطنه، لفتني القبر المجاور له، وهو فخم بحجر أبيض، والمفاجأة أنه كان قبر خوان غويتسولو الذي توفي في 4 يونيو 2017 في مراكش، ودُفن جثمانه في المقبرة ذاتها في اليوم التالي، فقبراهما متجاوران. غمرتني دهشةُ المتفاجئ بمجاورة طريدين من بلادهما. إنّ المماثلة لها صلة قوية بالمثلية، ولم يأتِ قرار الدفن متجاورين عن مصادفة ولا عن عبث. قدّرتُ عدد القبور بألف، جلّهم من الإسبان الذين لاقوا حتفهم على أرض المغرب أرضِ الصراعات الكبرى مع الغرب، وأرضِ التاريخ الحيّ.
كان التأسّي على الشاردين قد ملك لبّي لما جاءت امرأة أجنبية تعد فيلما وثائقيا. عن جينيه، وطلبت مني الحديث عنه ، ومقارنته بنجيب محفوظ، ما أبعد المقارنة بينهما!!!وبإلحاح منها، وأمام قبره، كادت تلصق الكاميرة بأنفي، وتراطنّا بالانجليزية لدقائق عن جينيه من دون ذكر محفوظ، قبل الافلات منها بين أكداس القبور. لستُ من زوار المقابر، ولكنني من الباحثين عن أهل المآثر. قصدتُ زيارة قبر جينيه، فعرض لي قبر غويتسولو؛ سلخ كلاهما أشطرا من عمريهما في الدفاع عن قضايا العرب، وكانا عاليي الصوت في الدفاع عن قضايا العرب. وبخاصة فلسطين. وقد قرأت بعض أعمالهما.
ولكن ما مناسبة هذا الحديث عن غويتسولو الذي أخذني مرغما للحديث عن جينيه؟ مناسبته تتعلق بزيارتي الثالثة إلى تطوان يوم3 -12 -2025 واللقآء بمزوار الإدريسي، الذي سبقَ له قبل عام من ذلك أن قدم العون لي في معرفة قلب المدينة القديمة، برفقة بشير الدامون، وهو روائي تطوان البارز. وكما فعلا من قبل، ثنّياه هذه المرة، فأمضينا سحابة النهار في أزقة القصبة، تحت شمس مشرقة بعد ليلة ممطرة، نتجول في الطرقات الضيقة للمدينة التي ما برحت معمورة بأهلها في السكن، والعمل، كأنهم خارجون لتوّهم من سجل التاريخ الأندلسي؛ فأغلبهم ينحدرون من أجداد أُبعدوا من وراء العدوة الأخرى في القرن السادس عشر. والبيوت بحالٍ كأنها تعود لقرون خلت. شذرة أندلسية في هامة المغرب. وفيما كانا يرويان لي الأحداث التي جرت في هذا الزقاق أو ذاك، قرب هذا المسجد أو الحمّام أو ذاك، ولمن تعود هذه الدار أو تلك من رجالات العلم أو الحكم، ونحن نبحث عن بوابة المطامير تحت الارض التي كان يلقى فيها الأسرى من الإسبان والبرتغاليين، تصادف مرور رشيد مصطفى مدير متحف التراث غير المادي في المدينة، فانضاف إليهما، فأحطتُ بثلاثة من أهل القصبة، ولم أشهد من قبل ثلاثة رواة يتنافسون معا في التعريف بمدينتهم كأنهم يتغزلون بمحبوبة تولّهوا بها، وقد عاشوا طفولتهم فيها، وتعلموا في مدارسها. ولو لم أكن على سفر لبقيتُ في تطوان.
وكان أن أمضينا ساعة بعد ذلك في مقهى عتيق في شارع محمد الخامس المرصوف بالأحجار، ولا يدخله سوى المشاة (وهو في أصله ناديَ الضباط الإسبان حيث تردد فرانكو حينما كان قائدا للفرق الإسبانية في شمال المغرب، وما زالت مكتبة النادي قائمة تحيط بالمنضدة الخشبية الثقيلة التي كان يجتمع حولها الضباط في الطابق الأعلى من المبنى، بما في ذلك الكرسي الخاص بفرانكو على رأسها) في ختام الجولة التي انتهت بضيافة كريمة منهما، أهداني الدامون روايته (هديل سيدة حرّة)، وهي عن أميرة من أبٍ مسلم وأمّ نصرانية، ممن طُردوا من الأندلس وأقاموا في شفشاون، ليس بعيداً عن تطوان. رواية تحتفي بامرأة حرة، وقد قرأتها في الرحلة الطويلة بين الدار البيضاء وإسطنبول في اليوم التالي من مغادرتي تطوان. وأهداني مزوار آخر كتبه المترجمة عن الإسبانية، وهو مجموعة قصصية لغويتسولو بعنوان (لكي نعيش هنا). ولم أطلع عليها إلا بعد الوصول إلى إسطنبول، والارتياح قليلا من سفرٍ مجهد في طنجة وتطوان.
أن تذهب إلى المغرب، فسوف تعود بغير ما كنت عليه. بلاد تترك وشمًا في ذاكرة مَنْ يزورها، تجاربي في زيارتها مدهشة، وفي كل واحدة أكتشف المعدن الثمين للمغاربة: من ثراء في الحديث، ونقاشٍ معمّق في شؤون الحياة، ومن معرفة وافية في التاريخ، ومن حفاوة وكرم، ومن حبّ لا يلين لبلدهم وتاريخهم وهويتهم التي لا يفاوضون عليها. يبدو لي أن مزوار الإدريسي كأنه مقيم، في آنٍ، في شمال المغرب وفي جنوب الأندلس، كأن شِقّا منه نبت في المغرب، وشِقّا آخر زرع في إسبانيا. تقول الأسطورة إن الذي تُدفنُ سرته في مكان ما يحنّ إليه، ويرتبط به، أتكون لمزوار سرّتان؟ غمر مزوار القراء العرب بترجمة كثير من الآثار الإسبانية التي زادت على عشرين كتاباً، آخرها كتاب (لكي نعيش هنا) الذي يعود لغويتسولو.
وهنا يتعيّن الاعتراف، فمع أنني بدأتُ مشواري الأدبي قاصّا، وأول كتاب أصدرته هو مجموعة قصصية، وكنتُ شغوفا بقراءة القصص، فقد اعترضت الرواية، وحرفت مساري باتجاه السرد الروائي الذي استغرقني لأكثر من ثلاثين سنة، حتى خلت أن علاقتي بالقصة قد تقطعت. لم يتوفر لي إلا القليل من الوقت لمعشوقة الصبا، وبين سنة وسنة أغافل الرواية وأتسلل إليها، فأقرأ بورخيس، أو محمد خضير، أو تشيخوف، أو إدغار آلان بو، أو أنيس الرافعي، فكأنهم يوقدون فيّ جذوة خبت، فأتحسر وأتألم، وأحيانا أندم.
ولما أهداني الإدريسي ترجمته لكتاب غويتسولو كأنني انتبهت من غفوة طويلة، فعكفت على القصص.. تستلهم القصص تجاربه شابّا في خمسينيات القرن العشرين، وكان مجندا رقيبا، وفيها كشفٌ صريح وعميق لتجاربه الأولى في برشلونة، وما فيها من كبح جنسي وفكري في ظل الاستبداد. كتب غويتسولو مقدمة لكتابه الذي مُنع نشره في إسبانيا في عهد فرانكو، فظهر في بوينس آيرس في الأرجنتين. يندر أن يكتب القصاصون مقدمات لمؤلفاتهم القصصية، ولكن إن فعلوا، وكانت قصصهم عن تجارب الأيام الغابرة، فقد تكون أهم من القصص ذاتها. إن استعادة الماضي، عندي، أمرٌ مثير للدهشة. والدهشة محلّ تقديري كلما ترحّلت في ربوع المغرب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى