د. ثناء محمود قاسم - نساء فاجرات يخلعن العَصَب

تنعم الأُسرة بالهدوء والاستقرار، والتواد والتعاطف والتراحم ، أفرادها كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى . إلى أن يتزوج الابن ؛ فيتمزق الجسد ، ويتخلخل البنيان ، وتنفرط حبات العِقد . هذا حال الكثير من الأسر المصرية ، حين يكون قدرها زوجة ابن ليس لها من التعقل والتثقف نصيب ؛ وليس لها من أصول الخُلق والتربية مُنحَدَر ، فنجدها تحيل الاستقرار والهدوء إلى نزاعات وتوتر قد يصل إلى حد المقاضاة ، وتحيل التواد والتراحم إلى تباغض وتصارع .
وفي هذا الصدد سرديتان :
السردية الأولى : يدخل الشِقاق والخلاف بين الزوجين ، ثم يحدث الانفصال والطلاق ، فتأخذ الزوجة الأولاد وتغادر كنف الأب ، وتبني بدافع الانتقام والحقد سورًا بينه وبينهم ، فتمنعه من رؤيتهم ومن أي تعامل أو تواصل ، كأنها لا تدري أن الطلاق إنما يقع على الزوجة لا الأولاد . نعم من حقها أن تقطع كل ما بينها وبينه ، لكن بالتأكيد ليس من حقها ولا حق الإنسانية والدين أن تقطع ما بين الأولاد وأبيهم .
أنا لا تلفتني هنا الآثار السلبية الواقعة على الأب وعائلته نتيجة الحرمان من الأولاد والأحفاد ، فقد لا تُعد شيئًا مقارنةً بالآثار الكارثية التي قد تلحق بأولادٍ فقدوا الأب وهو لا يزال قيد الحياة ، لكن يلفتني أولاد يدفعون ثمن سوء الاختيار والحظ ، وثمن تصرف أحمق من الأم ، لا يستند إلى منطق أو عقل أو ضمير . فلا شيء يعوض الأولاد عن الأب ، لا مال ولا جاه ولا عيشة مترفة يمكنها أن تسد مكانه وتقوم مقامه في حياة أولاده . وقد يدخل في وهم الأم وضلالاتها أن في عزلها الأولاد عن الأب إنقاذًا لهم وحماية ، وأن سلامة الأولاد لن تحصل إلا بتجاهل الأب أو نسيانه . فمهما يكن ، يظل الأب الركن الركين لأولاده والسند الحقيقي . إن الحرمان والانكسار الذي يستشعره الأولاد طوال حياتهم حين يفقدون الأب بفعل الموت ، يكون أضعافًا مضاعفةً إذا ما كان الفقد مع وجوده . ويزداد الوضع سوءًا حين تصب الأم سمومها في أذن الأولاد ، فتشيطن صورة الأب داخلهم . إن الأم هنا تطحن أولادها في المقام الأول ، حين تقدم إشباع شهوة الانتقام داخلها على مصلحة الأولاد وسلامتهم النفسية والوجدانية . والنتيجة أولاد غير أسوياء .
السردية الثانية :
استشعار زوجة الابن النقص أمام أهل الزوج ، فتحركها دوافع من الأنانية والغيرة والحقد لأسباب مختلفة وبدرجات متفاوتة . فتظل تصطنع الخلافات ، وتختلق المشكلات ، وتلفق الأحداث ، ولا تستريح إلا بإحداث قطيعة بين الابن وأهله ؛ مستغلة في ذلك ضعفه تجاه بيته وأولاده ، وحاجته إليهم ، وحرصه على الاحتفاظ بالكفة الراجحة لديه. فيتغاضى ، ويرضى ، ويشارك ، ثم يصبح أداة طيعة في يد الزوجة تحركها كيفما تشاء . عندئذٍ تشعر زوجة الابن بنشوة الانتصار ؛ ظنًا منها أنها أصبحت بذلك ذات كيان يمحو عقد النقص لديها . وهي بذلك تدخل شجرة العائلة لا لتزيدها بطبيعة الحال ، لكن لتنقِصها . ويظل بيت العائلة يتقلب في دائرة من الصراعات والمشاحنات بين زوجات الأبناء بعضهن مع بعض من جهة ، وبين زوجة الابن و أهل الزوج من جهة أخرى . هنا أيضًا لا تلفتني الآثار التي قد تصيب الأجداد أو تلحق بالابن (قاطع رحمه) ، لكن يلفتني قطع الأولاد عن جذورهم وعَصَبهم ، وافتقادهم الأعمام والأخوال ، السند والرابطة والعُصبة الواقية والحامية من الزلل والتهديدات والمخاطر التي قد يتعرضون لها خارج البيت . فضلًا عن تنشئتهم وسط أجواء من العداوات والصراعات غير الملائمة للتربية والرعاية. ولكل هذا آثار سلبية على المستويين الاجتماعي والمجتمعي.
وبعد ؛ فإن هذه المفاسد التي تضرب الكثير من البيوت والأسر المصرية ، والتي اقتربت من الوصف بالظاهرة ، يتوجب علينا التصدي لها والعمل على تلافيها - ولو في المستقبل البعيد - قدرالإمكان والطاقة ؛ وذلك بإجراءات كثيرة ،أرى منها ما يأتي:
1-حسن اختيار الزوجة ، ومشاركة الأهل ومشاورتهم هذا الاختيار ، فإن لهم نظرةً وخبرة ً. والتدقيق في صفات الزوجة المختارة من حيث التعقل والتثقف والحكمة والسلامة الخلقية والنفسية قبل إتمام الزواج . ومراعاة الكفاءة التعليمية والثقافية والاجتماعية والنفسية بين الزوجين - والأسرتين أيضًا - عند الاختيار .
2-الاهتمام على المستوى الدعوي والإعلامي والدرامي بتوعية الزوجة، بأنها بأفعالها هذه تُجرم في حق أولادها قبل أي أحد ، ولتعلم أنهم أكثر الأطراف خسارة .
3-اهتمام الأهل بالتربية ، على الرغم من قناعتي بأن صفات الشر وأمراض القلب والنفس مركوزة في الطبع بدرجة يصعب علاجها ، لكن لا يمكن إنكار أن للتربية معولًا كبيرًا في توجيه السلوك وتهذيب النفس وإصلاحها . فيجب في التربية مراعاة الآتي :
أ-إشباع البنت بالحب والاحتضان والاحترام والقيم والترابط ، حتى إذا ما دخلت بيت الزوجية لا تستشعر النقص أو الغيرة ، سواء تجاه أهل الزوج أو تجاه زوجات الأبناء الأخريات.
ب - تربية البنت على التحلي بالخلق والضمير والكياسة ، فإذا ما واجهت مشكلة أو خلافات مع أهل الزوج ، لا تفرق الشمل ، ولا تفسد العلاقات ، ولا تخلع الأولاد من جذورهم ، ولا تفجُر في الخصومة .
ج - تربية الذكور على الرجولة التي من معانيها الحب والاحتواء والحكمة . والتي من ركائزها القدرة على التوجيه والسيطرة والاحتفاظ بالهيبة ، وهذا كفيل أن يضبط كل شيء .
وإني لأرى أنه إذا كانت زوجة الابن تجرم وتَفجُر وتعيث في البيت فسادًا ، فإن هذا الابن نفسه أكثر منها فجورًا .
وفي هذا سردية ثالثة .

د. ثناء محمود قاسم
أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة الفيوم .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى