الاستواء على العرش ورد في عدة آياتٍ كريمة من القرآن الكريم، أذكر من بينِها، على سبيل المثال، ما يلي. :
1."إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" (يونس، 3).
2."الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا" (الفرقان، 59).
3."هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الحديد، 4).
"...فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ…"، لا يجب إدراكُها بمنطق بشري. اليوم عند الله هو، بصفة عامة، تعبيرٌ عن "فترة معينة من الزمن".
ما أُتابع به هذه المقالة، هو الجزء ما قبل الأخير من الآية الكريمة رقم 11 من سورة الشورى، أي : "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…". والآية كاملة، هذا هو نصُّها : "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".
"...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…" تعني لا شبيهَ له في الكون. وكلمة "شيء"، هي الأساس في هذه الآية الكريمة. وهذا يعني أن العقلَ البشري، مهما بلغ في تخيُّلِ الأشياء، لا شيء واحد مما يتخيَّله ألعقل البشري يُشْبِهُ اللهَ، سبحانه وتعالى. بل العقل البشري ليست له القدرة على الإتيان بحل لهذا اللُّغز، مهما تطوَّر ومهما بلغ قدرةً خارِقةً للعادة في الإبداع والاختراع. وهذا يعني أن كلَّ أشياء الكون، التي هي من خلقِ الله، مهما تعقَّدت، تركيباً ووَظيفةً، لا يمكن، على الإطلاق، أن تُشبِهَهُ، سبحانه وتعالى.
انطلاقاً من هذا المُعطى الذي لاجدالَ فيه، قد نقرأ القرآنَ الكريمَ، آيةً بآية، فلن نجدَ فيه ولو آية واحِدة تصف كُنْهَ الذات الإلهية. لكن نجد فيه وصفاً لهذه الذات مثل الكمال la complétude أو plénitude والقدرة على الخلق والقدرة على الوجود في كل مكان ubiquité… وخيرُ آيةٍ من سورة الإخلاص، في القرآن الكريم، تعبِّرُ على أن اللهَ "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، هي الآية رقم 4، أي "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ". وحتى الصفات التي وردَت في التراث الديني لا تعطينا إلا ما أدركه العقل البشري من هذه الصفات..
ولهذا، فالاستواءُ على العرش لا يمكن تفسيرُه بمنطقٍ بشري. بمعنى أن العرشَ كرسي والله، سبحانه وتعالى، جلسَ ويجلس على هذا الكرسي. لماذا؟
لأن هذا الأمر لا يتماشى، أي يتنافى مع ما جاء في الآية رقم 11 من سورة الشورى، المُشار إليها أعلاه، وكذلك، مع الآية رقم 4 من سورة الإخلاص. القرآن الكريم يُعطي أهمِّيةً لوجود الله ولوحدانيتِه ولعظمَتِه… ويدعو الناسَ لتشغيل عقولهم لإدراك هذا الوجود وهذه الوحدانية وهذه العظمة… من خلال التَّفكُّرِ في الكون وفي تدبيره.
وفيما يلي، إليكم الآية رقم 2 من سورة الرعد، أي "اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ".
في هذه الآية الكريمة، يُشير، سبحانه وتعالى، ليس فقط للاستواءِ على العرش ولتدبير الكون، بل يقول، سبحانه وتعالى، في نفس الإية، "…رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا…". بمعنى أن السموات بمجرَّاتِها avec ses galaxies ثابتةٌ في أماكِنها بإذنِه. وهو ما عبَّر عنه، سبحانه وتعالى، "بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا"، أي دون أن تروا سببَ أو أسبابَ هذا الثُّبوت.
بل إنه يقول، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 65 من سورة الحج : "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ". وهذا هو التَّدبير المُشار إليه في الآية الكريمة رقم 2 من سورة الرعد. وهذا هو الاستواء على العرش، المُشار إليه في آيات كثيرة من القرآن الكريم.
الاستواء على العرش هو تعبيرٌ إلهي يُعطِينا فكرةً عن القدرة الإلهية على تدبير الكون الذي هو من خلقِِ اللهِ، عزَّ وجلَّ. وهنا، يتبادر للذهن السؤال التالي : "ما هو الهدفُ من تدبير الكون"؟
الهدف من التدبير، هو استمرار الخلق الذي لا نهايةَ له. والتَّدبيرُ له سُنَنُه وقوانينه التي لاتتغيَّر. وهذه السُّنَنُ والقوانين هي التي يدبِّر بها، سبحانه وتعالى، الكونَ. والعِلم الحديث la science contemporaine بيَّنَ أن الكونَ، وبالأخص، الأرض التي هي جزءٌ من هذا الكون، أجزاءُها أو مُكوِّناتُها المادية مرتبطةٌ فيما بينها. والتَّدبِير هو بقاء السُّنَنِ والقوانين على ما فَطَرَ (خلق) اللهُ، سبحانه وتعالى، الأرضَ وما فيها وما عليها. والتَّدبير، كذلك، هو إحداث نوعٍ من التوازن بين مُكوِّنات الأرض، أي إحداث تكامُلٍ بين السُّنَنِ والقوانين التي، بفضلِها، يحدث هذا التوازن.
مثلاً، الجوُّ الذي هو مٌكوِّنٌ من مكوِّنات الأرض، يشتمِل على غازاتٍ طبيعية، من ضمنِها ثاني أكسيد الكربون. ومعروفٌ علميا أن ثاني أكسيد الكربون، الناتِج عن تنفُّس الكائنات الحية والاحتراق la combustion، يلعب دوراً حاسِماً في التَّمثيل الضوئي la photosynthèse، الذي، بواسطته، بإمكان النباتات الخضراء أن تصنعَ المادة العُضوِية la matière organique، الضرورية للحياة. علماً أن نسبتَه المئوية الطبيعية، في الجو، لا تتجاوز 0,04 %. فماذا يحدث إذا تفيَّرت هذه النسبة ومَن يُحدِثُها؟
مَن يُحدِث هذا التغيير، هو الإنسان، وذلك من جراء أنشِطته الصِّناعية والنقل، وعلى رأسها الاعتماد في هذا النقل وفي هذه الصِّناعات الوطنية على الطاقة الأحفورية l'énergie fossile من نفطٍ ومشتقاته. وهذا هو ما يجعل نسبةَ ثاني أكسيد الكربون في ارتفاعٍ مستمِر في الجو. وتراكُمُ ثاني أكسيد الكربون هو السبب في تغيُّر المناخ le changement climatique. كيف يحدث تغيُّرُ المناخ؟
يحدُثُ تغيُّرُ المناخ عندما ترتفع نسبةُ ثاني أكسيد الكربون في الجو. وعندما ترتفِع هذه النسبة، فإن ثاني أكسيد الكربون يتراكم في الجو ثم يُشكِّل حاجِزاُ يحول دون تشتِيتِ dispersion حرارة الأرض في أعالي الأجواء. حينها، تصبح الأرضُ والجو المحيطُ بها عبارة عن بيتٍ زجاجي une serre ضخمٍ يحتفظ بالحرارة بداخلِه.
هذا هو ما جاء به العِلم الحديث من تفسيرٍ لظاهِرة تغيُّر المناخ. أما إذا أردنا أن نربِطَ تغيُّرَ المناخ بالاستواء الإلهي على العرش لتدبر الكون، فإن الأمرَ يتعلَّق بإدخال تغييرٍ، من طرف الإنسان على سُنن وقوانين تدبير الكون. وكثيرةٌ هي المُشكِِلات، البيئية على الخصوص، الناتِجة عن إدخال تغيير على السُّنن والقوانين التي فطَرَ اللهُ، سبحانه وتعالى، عليها خلق الكون.
1."إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" (يونس، 3).
2."الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا" (الفرقان، 59).
3."هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الحديد، 4).
"...فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ…"، لا يجب إدراكُها بمنطق بشري. اليوم عند الله هو، بصفة عامة، تعبيرٌ عن "فترة معينة من الزمن".
ما أُتابع به هذه المقالة، هو الجزء ما قبل الأخير من الآية الكريمة رقم 11 من سورة الشورى، أي : "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…". والآية كاملة، هذا هو نصُّها : "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".
"...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…" تعني لا شبيهَ له في الكون. وكلمة "شيء"، هي الأساس في هذه الآية الكريمة. وهذا يعني أن العقلَ البشري، مهما بلغ في تخيُّلِ الأشياء، لا شيء واحد مما يتخيَّله ألعقل البشري يُشْبِهُ اللهَ، سبحانه وتعالى. بل العقل البشري ليست له القدرة على الإتيان بحل لهذا اللُّغز، مهما تطوَّر ومهما بلغ قدرةً خارِقةً للعادة في الإبداع والاختراع. وهذا يعني أن كلَّ أشياء الكون، التي هي من خلقِ الله، مهما تعقَّدت، تركيباً ووَظيفةً، لا يمكن، على الإطلاق، أن تُشبِهَهُ، سبحانه وتعالى.
انطلاقاً من هذا المُعطى الذي لاجدالَ فيه، قد نقرأ القرآنَ الكريمَ، آيةً بآية، فلن نجدَ فيه ولو آية واحِدة تصف كُنْهَ الذات الإلهية. لكن نجد فيه وصفاً لهذه الذات مثل الكمال la complétude أو plénitude والقدرة على الخلق والقدرة على الوجود في كل مكان ubiquité… وخيرُ آيةٍ من سورة الإخلاص، في القرآن الكريم، تعبِّرُ على أن اللهَ "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، هي الآية رقم 4، أي "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ". وحتى الصفات التي وردَت في التراث الديني لا تعطينا إلا ما أدركه العقل البشري من هذه الصفات..
ولهذا، فالاستواءُ على العرش لا يمكن تفسيرُه بمنطقٍ بشري. بمعنى أن العرشَ كرسي والله، سبحانه وتعالى، جلسَ ويجلس على هذا الكرسي. لماذا؟
لأن هذا الأمر لا يتماشى، أي يتنافى مع ما جاء في الآية رقم 11 من سورة الشورى، المُشار إليها أعلاه، وكذلك، مع الآية رقم 4 من سورة الإخلاص. القرآن الكريم يُعطي أهمِّيةً لوجود الله ولوحدانيتِه ولعظمَتِه… ويدعو الناسَ لتشغيل عقولهم لإدراك هذا الوجود وهذه الوحدانية وهذه العظمة… من خلال التَّفكُّرِ في الكون وفي تدبيره.
وفيما يلي، إليكم الآية رقم 2 من سورة الرعد، أي "اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ".
في هذه الآية الكريمة، يُشير، سبحانه وتعالى، ليس فقط للاستواءِ على العرش ولتدبير الكون، بل يقول، سبحانه وتعالى، في نفس الإية، "…رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا…". بمعنى أن السموات بمجرَّاتِها avec ses galaxies ثابتةٌ في أماكِنها بإذنِه. وهو ما عبَّر عنه، سبحانه وتعالى، "بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا"، أي دون أن تروا سببَ أو أسبابَ هذا الثُّبوت.
بل إنه يقول، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 65 من سورة الحج : "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ". وهذا هو التَّدبير المُشار إليه في الآية الكريمة رقم 2 من سورة الرعد. وهذا هو الاستواء على العرش، المُشار إليه في آيات كثيرة من القرآن الكريم.
الاستواء على العرش هو تعبيرٌ إلهي يُعطِينا فكرةً عن القدرة الإلهية على تدبير الكون الذي هو من خلقِِ اللهِ، عزَّ وجلَّ. وهنا، يتبادر للذهن السؤال التالي : "ما هو الهدفُ من تدبير الكون"؟
الهدف من التدبير، هو استمرار الخلق الذي لا نهايةَ له. والتَّدبيرُ له سُنَنُه وقوانينه التي لاتتغيَّر. وهذه السُّنَنُ والقوانين هي التي يدبِّر بها، سبحانه وتعالى، الكونَ. والعِلم الحديث la science contemporaine بيَّنَ أن الكونَ، وبالأخص، الأرض التي هي جزءٌ من هذا الكون، أجزاءُها أو مُكوِّناتُها المادية مرتبطةٌ فيما بينها. والتَّدبِير هو بقاء السُّنَنِ والقوانين على ما فَطَرَ (خلق) اللهُ، سبحانه وتعالى، الأرضَ وما فيها وما عليها. والتَّدبير، كذلك، هو إحداث نوعٍ من التوازن بين مُكوِّنات الأرض، أي إحداث تكامُلٍ بين السُّنَنِ والقوانين التي، بفضلِها، يحدث هذا التوازن.
مثلاً، الجوُّ الذي هو مٌكوِّنٌ من مكوِّنات الأرض، يشتمِل على غازاتٍ طبيعية، من ضمنِها ثاني أكسيد الكربون. ومعروفٌ علميا أن ثاني أكسيد الكربون، الناتِج عن تنفُّس الكائنات الحية والاحتراق la combustion، يلعب دوراً حاسِماً في التَّمثيل الضوئي la photosynthèse، الذي، بواسطته، بإمكان النباتات الخضراء أن تصنعَ المادة العُضوِية la matière organique، الضرورية للحياة. علماً أن نسبتَه المئوية الطبيعية، في الجو، لا تتجاوز 0,04 %. فماذا يحدث إذا تفيَّرت هذه النسبة ومَن يُحدِثُها؟
مَن يُحدِث هذا التغيير، هو الإنسان، وذلك من جراء أنشِطته الصِّناعية والنقل، وعلى رأسها الاعتماد في هذا النقل وفي هذه الصِّناعات الوطنية على الطاقة الأحفورية l'énergie fossile من نفطٍ ومشتقاته. وهذا هو ما يجعل نسبةَ ثاني أكسيد الكربون في ارتفاعٍ مستمِر في الجو. وتراكُمُ ثاني أكسيد الكربون هو السبب في تغيُّر المناخ le changement climatique. كيف يحدث تغيُّرُ المناخ؟
يحدُثُ تغيُّرُ المناخ عندما ترتفع نسبةُ ثاني أكسيد الكربون في الجو. وعندما ترتفِع هذه النسبة، فإن ثاني أكسيد الكربون يتراكم في الجو ثم يُشكِّل حاجِزاُ يحول دون تشتِيتِ dispersion حرارة الأرض في أعالي الأجواء. حينها، تصبح الأرضُ والجو المحيطُ بها عبارة عن بيتٍ زجاجي une serre ضخمٍ يحتفظ بالحرارة بداخلِه.
هذا هو ما جاء به العِلم الحديث من تفسيرٍ لظاهِرة تغيُّر المناخ. أما إذا أردنا أن نربِطَ تغيُّرَ المناخ بالاستواء الإلهي على العرش لتدبر الكون، فإن الأمرَ يتعلَّق بإدخال تغييرٍ، من طرف الإنسان على سُنن وقوانين تدبير الكون. وكثيرةٌ هي المُشكِِلات، البيئية على الخصوص، الناتِجة عن إدخال تغيير على السُّنن والقوانين التي فطَرَ اللهُ، سبحانه وتعالى، عليها خلق الكون.