أحمد رجب شلتوت - صورة مريم: كتابة الذات تحت ضوء المرايا وعتمة الجسد

أقامت الكاتبة مريم العجمي روايتها "صورة مريم" على انكسارات الذات الأنثوية، وعلى محنة الجسد أمام سلطة ثقافية متوارثة، وعلى رغبة الكتابة في تفكيك المرايا وكسر الصور الجاهزة. ليست الرواية سيرة امرأة، ولا شهادة على حياة مضطربة فحسب، بل معمار سردي يقوم على كتابة الجسد واستعادة الذاكرة ومساءلة كل ما يبدو بديهيًا الأب، المدرسة، الزواج، الأمومة، اللغة، الزمن، والمكان.
الجسد بوصفه نصًا مضادًا للسلطة
يحتل الجسد الأنثوي مركز الرواية؛ ليس بوصفه موضوعًا للمتعة أو الزينة، بل بوصفه ساحة للصراع، ومرجعًا للمعرفة، وحقلًا تتجمع عليه آثار التربية والأبوية والدين والتعليم والزواج، الجسد هنا موضوع للعقاب، وفضاء تُقاس به الطاعة، وعلامة على الشرف، لكن البطلة تقلب المعادلة، إنها تكتب بجسدها، ومن خلاله، وضد ما فُرض عليه.
في ليالي الكتابة السبع، تتحول الكتابة إلى طقس جسدي كامل، تكتب وهي واقفة، وهي جائعة، بردانة، نازفة، متوترة، عارية، كأن النص يولد من الرحم، من الألم، هذه الحركة من الجسد إلى النص، ومن النص إلى الجسد، تشكّل جوهر الرواية، فتصبح الكتابة حركة بيولوجية توازي المخاض؛ لا يمكن فصلها عن الوجع ولا عن الرغبة.
المرايا المتقابلة
منذ الصفحات الأولى، تظهر المرآتان المتقابلتان في دولاب الجدة، فتظهران سلسلة لا نهائية من النسخ، وكل نسخة تكشف تصدعًا في الهوية، تكتب البطلة: «أنا ونسخي لن نكون في صفين مثل المرآة»
وهي جملة تلخص مأزق الرواية كله، فليس هناك ذات واحدة، ولا صورة نهائية، بل تشظٍّ دائم، وتصبح المرآة شاشة تعكس ما تراكم على الأنثى من صور جاهزة، ومن قوالب اجتماعية، ومن مخاوف، لذا تحاول البطلة أن تكسرها، أو أن تعيد ترتيب صورتها داخلها، لكنها تفشل دائمًا، فكل صراع مع المرآة هو صراع مع صورة مفروضة، صورة الأنثى الطائعة، الزوجة الصالحة، الطفلة المهذبة، البنت العفيفة، الأم الناضجة، وهكذا يصبح تفكيك المرآة جزءًا من تفكيك السلطة ذاتها.
تقدّم الرواية المؤسسة التعليمية بوصفها واحدا من أجهزة السلطة، لا يقل قسوة عن البيت أو المجتمع
المعلم الذي يضرب الطفلة لأنها تكتب الشعر لا يسأل عن المعنى، بل عن الواجب، إنه يعاقب الخيال، ويعيد إنتاج نساء مطيعات، الأب كذلك سلطة مترددة بين الحنان والقهر، هو الراعي والخائف، الغائب والحاضر، وفي لحظة رؤيته عاريًا تتعرى السلطة نفسها؛ الجسد الأبوي يفقد قدسيته، ويتحول إلى بشر هشّ، يمكن النظر إليه وفهمه وتفكيك سطوته، بهذا المعنى، تستخدم الرواية التعرّي الخيالي لتفكيك الهيبة، ولتجريد السلطة من رموزها.
تفكيك الواقع
تعمل الرواية على شبكة رمزيات شفافة وخصبة، فقوس قزح رمز الطفولة، الدهشة، والمسار نحو المستحيل، عندما تتسلقه البطلة وتسقط، فهي تعبر من الواقع إلى الحلم، ومن الجسد إلى الوعي.
بوابة ميتافيزيقية تفتح نحو عالم غير خاضع للزمن، أيضا الماء والحبر رمزان، فالولادة الأولى ماء، والولادة الثانية حبر كلاهما سائل ينزف من الجسد أو من اللغة.
أما الدفتر في الرواية رمز مركزي، إنه الذاكرة والابن والهوية والباب المفتوح، والبطلة تكتب لأنها خائفة من الفناء ولأن الكتابة هي ما يحميها من الجنون، وتتعامل الرواية مع الكتابة باعتبارها أمومة ثانية، فالمخاض سبع ليالٍ، والنص يولد مع الطفل، وكلاهما خروج من داخلها إلى العالم. هنا يصبح الدفتر رحم الكتابة، وفضاء التحرر الداخلي، وفيه تكتب الأنثى لأنها تنزف، ولأنها تريد أن تلد ذاتها من جديد.
هكذا يصبح الدفتر بوابة ميتافيزيقية مفتوحة نحو عالم غير خاضع للزمن، لكن لا تهرب الرواية من الواقع بالحلم؛ بل تستخدم الخيال كوسيلة لتفكيك الواقع ذاته، فيصبح الخيال هنا أداة مقاومة، وملاذ تبني فيه البطلة ذاتها كما تشتهي، من دولاب يتحول إلى بوابة، إلى دفتر يتحول إلى مدينة، ثم إلى قوس يفتح السماء، إنه خيال يولد من الألم، ويمنح الذات مساحة جديدة للتنفس.
دائرة وكابوس
لا تعتمد الرواية على حبكة تقليدية، بل على تفكك سردي مدروس، يعكس تمزق الوعي نفسه، والزمن يتحرك دائريًا من السقوط إلى السقوط، ومن الطفولة إلى الأمومة ثم إلى الطفولة مجددًا، ينتقل المشهد من ليلة كتابة إلى أخرى، ومن حلم إلى يقظة، ومن استدعاء جسدي إلى ذكرى مدرسية، هذا التشظي جزء من منطق الرواية؛ لأنه يمنح النص شكلا يتطابق مع مأزق الذات. ولأن الوعي الأنثوي المجروح لا يمكنه سرد حياته خطيًا، لأنه يعيش في دوائر من التكرار والندوب .
وفي النهاية تعود البطلة طفلة، تستيقظ في بيت قديم، تسمع صوت أمها، وتستعد للمدرسة، هذه العودة ليست خلاصًا، بل انهيار زمني يعيد إنتاج دائرة الألم، فهل تحررت؟ أم وقعت في الفخ نفسه مرة أخرى؟ هكذا تقول الرواية تقول إن الخلاص ليس مضمونًا، والتحرر ليس نهائيًا، والطفولة ليست ملاذًا بل نقطة انطلاق جديدة لرحلة أخرى.
وأخيرا تنجح مريم العجمي، في «صورة مريم»، في كتابة نص يتجاوز مقولات الكتابة النسوية المباشرة إلى مستوى أكثر تعقيدًا، فهو نص يحوّل الجسد إلى كتابة، والكتابة إلى جسد، ويعيد تعريف العلاقة بين الأنثى ومرآتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى