البشير عبيد - انهيار الأسطورة: المشروع الصهيوني بين تفكك الداخل واستعصاء الواقع العربي

لم يعد الحديث عن الكيان الصهيوني حديثًا عن قوةٍ عسكريةٍ جامحة، أو عن نموذجٍ استيطاني ناجح، بل عن مشروعٍ آخذٍ في التآكل الذاتي، يفقد مبررات وجوده بقدر ما يفقد السيطرة على روايته المؤسسة. في أعقاب حرب غزة، وما كشفته من هشاشةٍ أمنيةٍ وأخلاقيةٍ وسياسية، باتت إسرائيل تقف أمام لحظة الحقيقة التي طالما خشيتها: لحظة مواجهة ذاتها من دون أقنعة، ومن دون أوهام التفوق الأخلاقي أو الحماية الغربية المطلقة.
هذه اللحظة ليست حدثًا عابرًا في تاريخ الصراع، بل هي نقطة انعطافٍ كبرى تُعيد تعريف ميزان القوى في المنطقة، وتفرض قراءة جديدة لمسار الصراع العربي الصهيوني الذي ظن البعض أنه انتهى مع اتفاقات التطبيع، فإذا به يعود أشد رسوخًا وأوسع أفقًا.
منذ نشأتها، قدّمت إسرائيل نفسها كـ"دولة الخلاص" التي نهضت من رماد المحرقة لتصبح قلعة الغرب في الشرق. غير أن هذا التصوّر الميثولوجي ظل هشًّا، لأنه تجاهل الحقيقة التاريخية: لا يمكن لكيانٍ استعماريٍّ أن يعيش في قلب أمةٍ حيّةٍ إلى ما لا نهاية. ومع كل حربٍ، ومع كل جولةٍ من المواجهة، تتصدّع تلك الأسطورة التي صُنعت بعنايةٍ في مختبرات الغرب السياسي والإعلامي.
ما يجري اليوم هو انكشافٌ للزيف المتراكم منذ أكثر من سبعة عقود، حيث قامت إسرائيل على روايةٍ محروسةٍ بالدعاية أكثر مما هي محروسةٌ بالسلاح، وعلى خوفٍ من الزوال أقوى من يقينٍ بالبقاء. لقد تحوّل هذا الخوف، بعد كل ما حدث في غزة، إلى وعيٍ جماعي بالهشاشة، وإلى إدراكٍ بأن المشروع الصهيوني الذي قُدِّم للعالم بوصفه "دولةً ديمقراطيةً متحضرة" ليس سوى كيانٍ استعماري يعيش خارج التاريخ، ويُعاد اليوم إلى حجمه الحقيقي في الجغرافيا والوجدان معًا.
تفكك الداخل الإسرائيلي: نهاية العقد الصهيوني
تعيش إسرائيل اليوم حالة تفكك داخلي غير مسبوقة منذ تأسيسها. فالدولة التي تغنّت طويلاً بوحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية، باتت غارقة في انقساماتها المذهبية والإيديولوجية والطبقية.
الصراع بين “اليهود الشرقيين” و”الأشكناز”، وبين المتدينين والعلمانيين، لم يعد مجرد تباينٍ اجتماعي، بل أصبح صراعًا على هوية الدولة وطبيعة نظامها السياسي. اليمين المتطرف الذي يحكم اليوم، بقيادة تحالفات دينية قومية، دفع بالمجتمع إلى حافة الهاوية، وجعل من الدولة مختبرًا لصدام الهويات لا لتعايشها.
ومن المفارقات أن هذا التفكك جاء في ذروة القوة العسكرية والاقتصادية، لكنه كشف أن القوة بلا مشروعٍ روحي أو أخلاقي تؤول إلى فراغ. فحين تُقصف تل أبيب والمدن الكبرى بالصواريخ، ويهرع المواطنون إلى الملاجئ، لا يعود خطاب “الردع” سوى خدعةٍ نفسية تبرر الخوف بالعنف.
لقد أدرك كثيرٌ من المفكرين الإسرائيليين أن دولتهم بدأت تفقد معناها، وأن "الحلم الصهيوني" لم يعد يجمع الأجيال الجديدة التي نشأت على الشك لا على الإيمان، وعلى الخلاص الفردي لا الجماعي. فالآباء الذين أسّسوا الدولة بدافع النجاة، أنجبوا أبناءً يبحثون عن النجاة منها. تتزايد الهجرة، وتتهاوى الثقة بالجيش وبالقيادة، حتى غدا السؤال المطروح داخل المجتمع: "من نحارب؟ ولماذا؟".
المؤسسة العسكرية التي كانت عماد المشروع الصهيوني فقدت صورتها كـ"الدرع المقدس"، وتحولت إلى أداةٍ مرتبكةٍ تخوض حربًا بلا هدفٍ واضح. وتزداد الهوة اتساعًا بين القيادة السياسية الغارقة في الفساد وبين النخبة الأمنية التي باتت تشكّ في جدوى استمرار الصراع.
إنها نهاية العقد الصهيوني الذي قام على ثلاث دعائم: الأمن، الهوية، والدعم الغربي غير المشروط. ومع انكسار كل ركنٍ منها، لم يعد الكيان يملك سوى لغة الخوف ليدير وجوده، والخوف حين يصبح هويةً، يتحول إلى لعنةٍ تُسقط صاحبها.

1.jpg

من القوة إلى الفزع: تحوّل الوعي داخل الكيان
في العقود الماضية، استطاعت إسرائيل أن تُسوّق نفسها كقوةٍ لا تُقهر، وكدولةٍ تملك زمام المبادرة في كل الحروب. غير أن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في حرب غزة، قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب.
فمنذ عملية السابع من أكتوبر، دخل المجتمع الإسرائيلي مرحلة صدمةٍ وجوديةٍ غير مسبوقة، إذ اكتشف أن كل التحصينات الأمنية يمكن أن تنهار في ساعات، وأن كل التكنولوجيا المتقدمة لا تستطيع أن تمنع هزيمةً معنوية حين تفقد الدولة قدرتها على الرد بثقة.
تحوّل المجتمع الذي كان يعيش على أسطورة الردع إلى جماعةٍ متوترةٍ تقتات على الخوف. أصبح الهروب من البلاد خيارًا عقلانيًا، وامتلأت السفارات بطلبات الهجرة. الجنود ينهارون أمام الكاميرات، والقيادات السياسية تتقاذف الاتهامات، والشارع يغلي من الغضب والإنهاك.
إننا نشهد تحوّلًا عميقًا في الوعي الإسرائيلي: من الإحساس بالسيطرة إلى الإحساس بالمطاردة، ومن الثقة بالمستقبل إلى الحنين إلى الماضي. هذه الحالة النفسية تسبق عادةً الانهيار السياسي في أي مشروعٍ استعماري، لأنها تُفقده المعنى الداخلي الذي يبرر العنف الخارجي.
لم تعد إسرائيل تواجه خطر الهزيمة العسكرية فحسب، بل خطر التفكك النفسي والاجتماعي، وهو الأخطر، لأنه ينخر الجسد من الداخل. إن ما يحكم هذا الكيان اليوم ليس الإيمان بالمستقبل، بل الرعب من نهايته القريبة، وكل دولةٍ يحكمها الخوف، تفقد قدرتها على الاستمرار مهما بلغت قوتها.

2.jpg

الواقع العربي الجديد والتحوّل الدولي: من وعي المقاومة إلى إعادة التوازن
على الجانب الآخر، يشهد الواقع العربي تحولاتٍ عميقة تُعيد رسم خريطة الوعي والموقف. فالمقاومة، التي كانت تُحاصر في جغرافيا ضيقة، أصبحت رمزًا عابرًا للحدود، وأيقونةً عربيةً جامعة تُلهم الشعوب أكثر مما تقلق الأنظمة.
لقد تحوّلت غزة من “قضية فلسطينية” إلى “مرآةٍ عربيةٍ كبرى” يرى فيها العرب أنفسهم: صمودًا وإصرارًا وإيمانًا بعدالة القضية. ومع كل جولة عدوانٍ تفشل في كسر إرادة المقاومة، يزداد الشعور الجمعي بأن الأمة لم تمت، وأن الوعي الذي أرادوا طمسه تحت ركام التطبيع يعود أكثر حيوية.
وحتى على الصعيد الدولي، بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح: فقد تراجع الخطاب الغربي الموحّد في دعمه لإسرائيل، وبدأت أصوات داخل أوروبا وأمريكا تطالب بمساءلة الاحتلال عن جرائمه. الجامعات تشهد انتفاضات طلابية، وحركات المقاطعة تتسع، والمجتمعات الغربية نفسها بدأت ترى في المشروع الصهيوني عبئًا أخلاقيًا لا يمكن الدفاع عنه.
إن تصدّع المشروع الصهيوني من الداخل يُعيد إلى الواجهة سؤال التاريخ والعدالة، ويجعل من استعادة التوازن بين القوة والمعنى شرطًا لبناء مستقبلٍ عربي مختلف. فالمعركة لم تعد فقط عسكرية أو دبلوماسية، بل هي معركة وعي، تُخاض بالكلمة بقدر ما تُخاض بالبندقية.
سقوط الأسطورة وولادة الوعي
حين تسقط الأسطورة، لا تسقط معها الجغرافيا فحسب، بل تنهار معها اللغة التي خدعت العالم طويلاً. إسرائيل التي وُلدت على وعد الخلاص، انتهت إلى مأزقٍ وجودي لا خلاص منه، لأنها فقدت بوصلتها الأخلاقية وفقدت معناها التاريخي.
كل مشروعٍ استعماري يعيش طالما يملك قدرة على إقناع ضحاياه بضعفهم. وحين ينهض الوعي من تحت الركام، تتهاوى الإمبراطوريات كما تتهاوى الأساطير.
المنطقة العربية تدخل اليوم مرحلة جديدة من الوعي والتاريخ، حيث يتقاطع الانهيار الصهيوني مع عودة الوعي العربي إلى مركز الفعل. هذا الوعي لا يطلب انتقامًا، بل استعادةً للمعنى، وتحريرًا للإنسان من ثقافة الخوف والانهزام.
قد يحاول الكيان أن يؤجل سقوطه بمزيدٍ من القتل والدعاية، لكن التاريخ لا يُخدع طويلاً. فحين يتفكك الداخل، وحين تتكشّف الأكاذيب، لا تبقى سوى الحقيقة عاريةً وصارخة: أن الأسطورة انتهت، وأن الأرض عادت إلى من آمن بها، لا إلى من احتلّها باسم الله.
ذلك هو الدرس الأخير في هذا الفصل الطويل من التاريخ: لا تنتصر القوة على الوعي، ولا تستمر دولةٌ بلا معنى. وما نراه اليوم ليس نهاية مرحلةٍ فحسب، بل بداية زمنٍ عربي جديد يتشكل من تحت الرماد، بثقةٍ بطيئة ولكن راسخة، تُعيد للشرق معناه وللعالم توازنه المفقود.
- كانب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى