د. أحمد الحطاب - إن أكرمَكم عند الله أتقاكم…

عنوان هذه المقالة، هو جزءٌ من الآية رقم 13 من سورة الحجرات التي نصُّها الكامل، هو الآتي : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". لقد سبق أن تطرقتُ لهذه الآية الكريمة، تحليلاً وتوضيحاً، في عدة مقالات نشرتُها على صفحتي في الفيسبوك.

اليوم، سأنكبُّ على تحليل وتوضيح هذا الجزء من نفس الآية الذي هو عنوان هذه المقالة. وسيشمل هذان التحليل والتوضيح تِبيانَ ماذا يعنيه هذا الجزء لنا، نحن البشر، العائشون في العصر الحاضر. لماذا؟

لأنه، أولاً، هذه الآية الكريمة صالِحةٌ لكل زمان ومكان، وثانياً، لأن مضمونَها مُوجَّهٌ للبشرية جمعاء، وثالِثاً، هذا المضمون له علاقة بتساكن وتعايش البشر داحلَ المجتمعات. وتساكُن وتعايشُ البشر داخل المجتمعات لا يزال مستمرا إلى يومِنا هذا، مع تطوُّرٍ مستمرٍّ حصل ويحصل، بالتَّدريج، في العلاقات القائمة بين سكان هذه المجتمعات. العلاقات التي أصبحت، تخضع لتطوُّرٍ هائل، زماناً ومكاناً، في عصرٍنا الحاضر. وذلك بحكم تعدُّد أبعادها الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية وأنماط الحياة، الناتِجة عن التقدُّم السريع الذي عرفته وتعرفُه التكنولوجيا التي غيَّرت مجرى الحياة في سائر أنحاء المعمور.

والآن، سأشرع في تحليل وتوضيح هذا الجزء من الآية، وسأبدأ ب"…إن أكرمكم…". وهنا، يجب أن لا ننسى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، كرَّم بني آدم وفضَّلهم على كثيرٍ من مخلوقاته الحية، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 70 من سورة الإسراء : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".

والتَّكريم هو مصدر فعل "كرَّمَ". والتَّكريمُ هو التَّشريف والتَّعظيمُ والتفضيل وإعطاء القيمة لشيءٍ من الأشياء أو لمخلوق من مخلوقات الله الحية. ولكن، بماذا كرَّم الله، سبحانه وتعالى، بني آدم وشرَّفهم وعظَّمهم وأغطاهم قيمةً من دون مخلوقاته الأخرى؟

بالطبع، كرَّمهم وفضلهم وشرَّفهم وأعطاهم قيمةً بالعقل والنُّطق وبشيءٍ آخرَ، نادرا ما تتِمًّ الإشارة له.

أولا، وهبَ الله العقلَ للإنسان، ليكونَ واعياً بوجودِ الله، وبوجودِه، هو، أي الإنسان ككائنٍ حيٍّ عاقل، وبوجود الأشياء المحيطة به من مكوِّنات الأرض، المادية، برّاً وبحراً وجوّاً، منها ما هو مُسخَّرٌ له ومنها ما هو مسخَّر للكائنات الحية الأخرى، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآيتين رقم 20 من سورة لقمان، والآية رقم 6 من سورة هود، المشار إليهما أسفلَه، بالتَّتابُع :

1."أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ".

2."وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"

ثانياً، أكرَمَ اللهُ، سبحانه وتعالى، الإنسانَ بالنُّطق، أولاً ليتقرَّبَ من الله، ثانياً، ليميِّز بين الخير والشر، ثالثا، ليعبِّرَ عن أفكاره وليتواصلَ مع أندادِه داخل المجتمعات. رابعاً، النُّطق هو إخراجُ الأفكار إلى حيز الوجود مع إمكانية تطبيقها على أرض الواقع لإعمار وسط العيش. لهذا، فالنُّطقُ هو تجسيدٌ فعلي لفعل "لِتَعَارَفُوا" الوارد في الآية رقم 13 من سورة الحجرات، المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المقالة.

ثالثاً، الشيء الذي، نادِرا ما تتِم الإشارة إليه، يخصًّ أصابع اليد الخمسة، وهي الإبهام والسبابة والوسطى والخنصر والبنصر. تتمثَّل هذه الخاصية في إمكانية تقابل الأبهام أمام الأصابع الأربعة الأخرى مُشكِّلاً بذلك مِقبضاً une pince لمسك préhension الأشياء. ولهذا، فهذه الخاصية تجعل من اليد امتِداداً للعقل، أي للتفكير. واليدُ، مُعزَّزةٌ بالعقل والنُّطق، تكون وراء جميع الحركات les mouvements، التي، بواسِطتِها، يغيِّر الإنسانُ وسطَ عيشِه ويُسخِّر مكوِّناتِه لسد حاجياتِه الاجتماعية، الاقتصادية، كما يُغنِي رصيده المعرِفي.

اللهَ، سبحانه وتعالى، عندما قال ويقول للناس، …إِنَّ أَكْرَمَكُم.عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…، كأنه يقول لهؤلاء الناس، إن أشرفَكم وأعظمَكم مرتبةً عندي، هم الناس الذين بلغوا درجةً عاليةً من التقوى. والتقوى هي التي أريد أن ألخَّ علبها فيما تبقى من هذه المقالة.

التقوى، في نظري، أعلى درجةً من الإيمان. الإيمانُ عمليةٌ فكريةٌ تتمثَّل في تصديق كل ما هو صادِرٌ عن الله، سبحانه وتعالى. بينما التقوى هي انتقال الإيمان أو التَّصديق من مجرَّد عمليةٍ فكرية إلى أعمالٍ على أرض الواقع. ولهذا، فالتقوى تُعتَبَرُ تجسيداً للإيمان، على أرض الواقع، بالأفعال، علماً أن هذه التقوى، بالنسبة لعامة الناس، لا فرقَ بينها وبين الإيمان. أي بالنسبة لهؤلاء الناس، هناك تشابهٌ في المعنى بين الكلمتين. وبالنسبة لهم، كذلك، المُؤمن تقي والتَّقي مُؤمن. بينما حينما نقرأ القرآن الكريم، نجد أن هاتين الكلمتين وَرَدَتا في عددٍ كبيرٍ من الآيات.

والإيمان هو مصدر فعل "آمَنَ". وعندما نقول "فلانٌ آمَنَ"، فالمقصود هو أن هذا الفلانَ صدَّق ما أنزل اللهُ، سبحانه وتعالى، من رسائل سماوية على رسلِه وأنبيائه، عليهم السلام بل آمَن بوحدانية الله، عزَّ وجلَّ. والإيمان له أركانُه وهي : الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

أما التَّقوى، فهي اسمٌ مشتقٌّ من فعل "اتقى". والتَّقوى، لغوياً واصطلاحاً، هي الوقاية من الأعمال غير الصالِحة التي تُلحِق ضرراً بالأفراد والجماعات. فهي، إذن، خشية الله والخضوعُ له أو الامتثال لأوامره والابتعاد عن نواهيه. لكن الخضوع والامتثال المشفوعان بالأعمال الصالِحة.

وعندما نقول "فلانٌ اتَّقى غضب فلانٍ آخَرَ"، المقصود هو أن الفلانَ الأولَ تجنَّب غضبَ الفلان الثاني. وقد نقول إن التَّقوى هي تَجَنُّبُ ما نهانا اللهُ، سبحانه وتعالى، عنه خِشيَةَ غضبه. والخشية لا يجب تقسيرُها، هنا، بالخوف، من منظور بشري. والمُؤمِن، أي الشخص الذي آمن بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرِ والقدر خيره وشره، يسعى، دائما، إلى ترجمة إيمانِه على أرض الواقع، بأفعالٍ تستجيب لهذا الإيمان.

إذن، فما عليه إلا أن يُترجِمَ إيمانَه بأفعالٍ على أرض الواقع. هذه هي التقوى. ولهذا، عندما قال ويقول، سبحانه وتعالى، "…إِنَّ أَكْرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…، المقصود، هم الناس الذين ترجموا إيمانَهم بأفعالٍ حميدةٍ على أرض الواقع. والأفعال الحميدة هي الأعمال التي يقوم بها البشرُ وفيها منفعةٌ لإعمارِ الأرض وللناس فرادى وجماعات.

التقوى، إذن، مُقترِنةُ بما يُسمِّيه، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم، "العملَ الصالحَ" أو، في نفس القرآن، "الصالحات". السؤال الذي يتبادر للذهن هنا، هو : "هل التقوى، أي ترجمة الأيمان إلى أعمالٍ صالِحة، طرأ عليها تغييرُ أو خضعت لتطوُّرٍ، منذ وفاة الرسول (ص) إلى يومنا هذا؟

العقل البشري والمنطق يقولان لنا إن التقوى التي كانت سائدةً، في عهد الرسول (ص) وفي القرون، على الأقل الثلاثة، الموالية بعد وفاتِه، ليست، من حيث المضمون والمعنى، هي التقوي السائدة في عصرِنا الحاضر، بينما الإيمان يبقى ثابتاً لا تغييرَ فيه، على الأقل، على المستوى الفكري، كما سبق الذكر.

في عصر الرسول (ص)، أي في القرن السابع ميلادي، كانت التَّقوى، أي الأعمال الصالِحة، يطغى عليها الطابع الديني. لماذا؟ لأن نشرَ رسالة الإسلام كان في بدايتِه، حيث كان الشغلُ الشاغِل للناس (الصحابة)، هو أن تنتشِرَ هذه الرسالة على نِطاقٍ واسعٍ.

أما في القرون الموالية، بعد وفاة الرسول (ص)، اتسعت الرقعة الجغرافية لنشر الإسلام. حينها، أصبحت التقوى، أي العمل الصالح، تعرف تطوُّرا في مضمونِها ومعناها. لماذا؟

لأن التقوى، في عهد الرسول (ص)، وبعد وفاتِه، في عهد الخلفاء الراشدين، كان يطغى عليها الطابع الديني، أي أن نشرَ رسالة الإسلام، كان هو الشغل الشاغِلُ للمسلمين (الصحابة). كانت التقوى محصورةً في الأعمالِ التي، بواسطتِها، تتم طاعة الله والخضوع لأوامرِه واجتناب نواهيه.

أما بعد وفاة الرسول (ص)، أي بعد عهد الخلفاء الراشدين، مروراً بالخلافتين الأموية والعباسية وكذلك، بالخلافة العثمانية… إلى يومنا هذا، أصبح للتقوى، عند المسلمين، أبعادٍ متعدِّدة. وهذه الأبعاد فرضها التَّطوُّر الهائل الذي عرفته العقول البشرية، بحُكم تفاعلها مع محيط العيش ومع ثقافاتٍ أخرى يغلب عليها الطابع الحداثي، وكذلك، بحُكم ما توصلت إليه هذه العقول من اكتشافات وما أنجزته من اختراعات في مختلف مجالات الحياة.

فبحُكم كل هذه الاعتبارات، أصبح للتقوى، كما سبق الذكرُ، أبعادٌ مُتعدِّدة. ولهذا، فاالأمرً أصبح يتعلَّق بمواجهةٍ بين، من جهة، التقوى، أي الأعمال الصالِحة، ومن جهة أخرى، الحداثة.

ولهذا، فالأعمال الصالِحة لم يعُد لها نفس المضمون كما كانت في الماضي. في عصرنا الحاضر، الأعمال الصالِحة، أي التقوى (الدين)، تشبَّعت بما فرضته وتفرِضه الحداثة من أبعادٍ شتى.

من بين أبعاد هذه المواجهة، أذكر، على سبيل المثال : هيمنة العقلانية la rationalité على التصديق (الإيمان)، التَّقدُّم الحاصل في مختلف مجالات العلوم الدنيوية (العلوم الطبيعية والحفة)، هيمنة السياسة على تدبير الأمور الدنيوية، العلوم الدنيوية تفسِّر العالمَ المادي le monde physique استناداً إلى أدلةٍ موضوعية des preuves objectives بينما المؤسسات الدينية تعتمِد فقط وحصرياً على التَّصديق l'approbation، مَدَنِيَةُ البلدان، عامَّةً، والبلدان الإسلامية خاصةً، إعطاءُ أهمية كبرى للحقوق الفردية، تحسين الخدمات الاجتماعية من ضمنها الصحة والتعليم دون تدخُّل الجانب الديني، شخصنة الانتماء الديني، أي اعتبار التديُّن مسألة شخصية وليس جماعِية، تزابُد التحرًّر الفردي والاجتماعي progression de l'émancipation individuelle et ،sociale التَّدين يُفرِز التَّطرُّف la radicalisation ويُستَعمَل كمطيةٍ سياسية، العولمة la mondialisation والائحة طويلة…

وفي الختام وانطلاقاً من كل الاعتبارات السابقة، وكذلك، من أبعاد التقوى المُعاصِرة، يمكن القول بأن الإيمان لا يتغير، وخصوصا، إن كان قويا، أي صادِراً من كُنهِ أو جوهر النفس البشرية. ما يتغير، هو ترجمة الإيمان إلى تقوى، أي إلى أعمالٍ صالِحة. والأعمال الصالِحة يتغيَّر مصمونُها حسب الزمان والمكان. والأعمال الصالِحة تبقى دائما، وفي كل زمان ومكان، خاضِعةً لما يُرضي الله وما يتماشى مع ما يريده، سبحانه وتعالى، من خيرٍ للبلاد والعباد. ولهذا، فالأعمال الصالِحة التي كانت سائدةً في القرون المُوالِية لوفاة الرسول (ص) تغيَّرت جدرياً وأصبحت أبعادُها المعاصِرة هي التي توجٍّهُها. فكلُّ عملٍ يصون ويُعزِّزُ كرامة الإنسان ويصون وسطَ عيشِه، فهو عمَلٌ صالِحٌ. بمعنى أن كلَّ تطوُّرَ تعرفه كرامة الإنسان من حسنٍ إلى أحسنَ وصيانة وسط عيشه، فهو عملٌ صالِح. ولهذا، فكل عملٍ يُحسِّن ظروفََ عيشِ المواطنين ويَحمي وسطَ هذا العيش من الخراب، فهو عمل صالِِحٌ، أي يندرِج في ترجمة الإيمان إلى تقوى. لكن السياسةَ، عندما أنتقلت من النُّبلِ وطغت عليها أنانية النفس البشرية، أفسدت كلَّ شيءٍ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى