د. عبدالجبار العلمي - عن المفاهيم المستخدمة في الدرس الأدبي المعاصر (الجزء الثاني : مفهوم الشعر المغربي ـ مفهوم الحداثة والمعاصرة)

( الجزء الثاني : مفهوم الشعر المغربي ـ مفهوم الحداثة والمعاصرة )


مفهوم الشعر المغربي
إن المتأمل لبعض عناوين الأبحاث التي اهتمت بدراسة الشعر المغربي المعاصر ، سيلاحظ أنها تنقسم إلى قسمين : ـ قسم آثر أصحابها أن ينسبوا الشعر فيها إلى اللغة العربية باعتبارها اللغة التي كتب بها هذا الشعر في المغرب ، استناداً إلى أن كل ما يُكتب من شعر في اللغة العربية فهو عربي ، سواء انتمى إلى هذا القطر أو ذاك من الوطن العربي . ومن هذه العناوين مثلا : "الرؤية والفن في الشعر العربي الحديث في المغرب" للدكتور أحمد الطرايسي ؛ "تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب" للدكتور عباس الجراري ، ويمكن أن نضيف إلى هذا القسم كتاباً رائداً هو :"الأدب العربي في المغرب الأقصى" لمحمد بن العباس القباج الذي يضم تراجم شعراء مخضرمين بين عهدي الحماية والاستقلال ومختارات من أشعارهم.

ـ وقسم آخر ينسبه مؤلفو هذه الأبحاث والدراسات إلى المكان الذي كتب فيه هذا الشعر ، ويفهم ضمناً أن اللغة التي استُخدمت فيه هي اللغة العربية . ويُشفع ذكرُ الشعر عادة في صياغتها بصفة الحداثة أو المعاصرة ومن ذلك على سبيل المثال : "القصيدة المغربية المعاصِرة " لعبد الله راجع . ولا ريب أن من أول الدراسات التي آثرت نسبة المادة الأدبية إلى وطن الكتابة وليس إلى لغة الكتابة ، هي كتاب "أحاديث عن الأدب المغربي الحديث" للأستاذ العلاّمة عبد الله كنون ، ولعل هذا التقسيم لن يخرج عما هو سائد في مثل هذه الدراسات على مستوى جميع الأقطار العربية . والملاحظ أن بعض هذه الدراسات القادمة من المشرق العربي ، تحمل عناوين توحي بكثير من الشمولية مثل "الشعر العربي المعاصر" لعز الدين إسماعيل ، و"الشعر العربي الحديث وروح العصر" للدكتور جليل كمال الدين و " دراسات في الشعر العربي المعاصر " لمحيي الدين صبحي ، ولكنك لن تجد في كل هذه الكتب إلا الشعر العربي في مصر أو في العراق أو في سوريا . لذلك طفق بعض الدارسين إيثاراً منهم للتحديد وعدم التعميم ، ينسبون الأعمال الأدبية التي ينجزونها إلى البلد أو القطر الذي تنتمي إليه فيقولون الشعر العراقي المعاصر أو الشعر التونسي الحديث أو الشعر المصري المعاصر على سبيل المثال ، وإن كان الغالب هو التعميم لا التركيز والتحديد .


[HEADING=2]مفهوم الحداثة والمعاصرة[/HEADING]
يُنعت الشعر المغربي بصفة المعاصرة وليس بصفة الحداثة على اعتبار أن المتن الشعري الذي يكتب حاليا وفي عصرنا الراهن، ينتمي إلى فترة معاصرة يحددها بعض الباحثين ([SUP][1][/SUP] ) في النصف الثاني من القرن العشرين. وهذا ما جرى به الاستعمال ([SUP][2][/SUP] ) في كثير من الدراسات التي اهتمت بدراسة الشعر الذي كتب في هذه الفترة. إلا أن بعضها يستخدم صفة الحديث ويدرس الشعر المعاصر مثل كتاب " أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث " للأستاذ أحمد المعداوي ، بحيث لا يميز بين لفظ الحديث ولفظ المعاصر ([SUP][3][/SUP] ) بل يعتبرهما مترادفين يدلان على نوع شعري معين هو الشعر المعاصر الذي نجد أهم نماذجه لدى الشعراء الذين ينتمون إلى الفترة المذكورة أعلاه . وبعضُها الآخر يعتبرُ الحداثةَ أعم من المعاصرة ، مثل كتاب " الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها" لمحمد بنيس ، حيث يجعل الشعر المعاصر له طابع الخصوص في حين أن الشعر الحديث له طابع العموم. وقد سبق له في كتابه "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب" أن أوضح الفرق بين مصطلحي " الشِّعر الحديث " و " الشِّعر المُعاصر" حيْثُ اعتبر أنَّ " الشعر الحديث " هو تمييز لكل التيارات الشعرية التي تعارض القديم مهما كانت درجة هذه المعارضة ونتائجها .. والشعر المعاصر هو أحد تيارات الشعر الحديث ، وهذا التحديد يمنعنا من الخلط بين الشعر الحديث والشعر المعاصر، ويبين أن كلاًّ منهما يمثل مجموعة شعرية على أن الشعر المعاصر هو مجموعة صغرى ضمن المجموعة الكبرى الخاصة بالحداثة " ([SUP][4][/SUP] ) أما الدكتور محمَّد السَّرغيني ، فهو من الذين يعتقدون بوجود التمييز بين الشعر الحديث والشعر المعاصر ، ولكنَّه يرى أن "الشعر الحديث هو الذي كُتِب في حقبة حديثة ، والمعاصر هو الذي لازال يكتب ويعاصرنا. معنى ذلك أن الشِّعر الحديث يمكن العمل فيه على نصوص جاهزة ، في حين أن المعاصر ما زال في طور التوالد ، ولذلك فالحديث عنه لا يمكن أن يكون نهائياً." ([SUP][5][/SUP] ) والملاحظ أن التَّحديدات السابقة لمصطلحي الحداثة والمعاصرة ، يهيمن عليها البعد الزمني . وقد اعتبر الأستاذ الشاعر محمد الميموني الشعرَ الذي أنتج في العقد الثلاثيني داخلاً في إطار الشعر المعاصر، فهو يفترض "أن سنة 1933 بالذات تحدد معلمةً لافتةً في حياة الشعر المغربي المعاصر ، ففي هذه السنة أصدر الأستاذ محمد داود مجلة " السلام " بتطوان "([SUP][6][/SUP] ) ، وقد أدخل الباحثُ في هذا الإطار شعراءَ مغاربةً شباباً أمثال :"علال الفاسي، عبد الله كنون، محمد المختار السوسي، ، عبد المالك البلغيثي، وآخرين ممن يمثلون البداية الحقيقية لشعر مغربي جديد متحرر من وصمة المدائح الباردة ، والنظم المتكلَّف، مستمِد روحَه من الشعور الوطني الملتهب ومتأثر بالحركة الكلاسيكية الجديدة في المشرق العربي " ([SUP][7][/SUP] ).

ومن الجدير بالإشارة أن أحد الكتاب المغاربة قد أدخل في إطار "الشعر المعاصر" الشعرَ الذي أنتج في فترة زمنية أبعد. نشير هنا تحديداً إلى الأديب محمد الأمري المصمودي الذي نشر سنة 1959 دراسة شعرية تحمل عنوان "في شعرنا المعاصر". والملاحظ أنه أدخل ضمن "الشعر المعاصر" الإنتاجَ الشعريَّ الذي أنتجَهُ شعراءُ مغاربةٌ ينتمون إلى فترة ما قبيل الحماية، وهو يقسم الحقبة التي يؤطر فيها الشعر المعاصر إلى ثلاث فترات زمنية : 1 ـ فترة ما قبيل الحماية ؛ 2 ـ فترة الحماية نفسها ؛ 3 ـ فترة الاستقلال. ومعنى هذا أن كل ما أُنتج من شعر خلال هذه الفترات الثلاث يعد "شعراً معاصراً ". ( راجع مجلة "دعوة الحق"، العدد الرابع ، السنة الثانية، رجب 1378هـ ـ 1959 م. ص : 77 و بقية حلقات الدراسة في الأعداد : 6 ـ7 ـ 8 ـ 9 ـ 10 من نفس السنة ). وبطبيعة الحال ، فإن غياب هؤلاء الشعراء عن عالمنا، لا يؤثر على معاصرتهم لنا، ويظل إنتاجهم الشعري يحمل صفة المعاصرة انطلاقاً من المفهوم الزمني المحدد لهذه الكلمة .

وهذا ما يؤكده د.صلاح فضل بخصوص بعض الشعراء المعاصرين الذين غابوا عن عالمنا فيزيقياً بشكل مبكِّر مثل السياب وعبدالصبور وخليل حاوي وأمل دنقل ، فهو يرى أن هذا الغياب لا يقلل من درجة معاصرتهم وحقهم في البروز على خارطة الشعر العربي في النصف الثاني من هذا القرن إلى جانب كوكبة من الشعراء الأحياء .( [SUP][8][/SUP] )

يبقى أن نقول في الأخير إنَّ توثيق النصوص والإحالة على مصادرها ومراجعها، وضبط المفاهيم والمصطلحات تحديداً دقيقاً من أساسيات البحث العلمي الرصين الذي نحتاج إليها لإضفاء المصداقية على بحوثنا ودراساتنا، خاصة في زمن ظهور ( شات جي بي تي ) ذلك الكاتب الشبح الخفي المجهول الذي ينوب عن شخص آخر في كتابة ما يشاء من أجناس الكتابة الأدبية: دراسة أو مقالة أو رواية أو سيرة ذاتية، اعتماداً على الذكاء الاصطناعي لكي يزيد كسلَنا في استخدام أذهانِنا وأذهانِ الأجيال الحالية والآتية ، ولكي يبعدَنا عن التوثيق العِلمي وتدقيق المصطلحات واستعمال العقل البشري في التفكير والخلق والإبداع. ( انظر : مجلة " إبداع " ، مقالة الكاتب المصري زياد عبدالتواب ، عدد شتنبر 2025 ، ص: 80 وما بعدها )

الهوامش :


[HR][/HR]
[1] ـ مثل صلاح فضل في كتابه أساليب الشعرية المعاصرة ، دار الآداب ، بيروت ، 1995 ، ص : 15 .
[2] ـ نفسه ، ص : 15 .
[3] ـ انظر ازمة الحداثة ، ص : 54 ؛ ص :119 . ويبدو أن الأستاذ المعداوي يستعمل هذين المصطلحين في بعدهما الزمني ، أي الانتماء إلى العصر أو إلى فترة حديثة زمنيا .
[4] ـ ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب ، مقاربة بنيوية تكوينية ، ط.1 ، دار العودة ، بيروث ، 1979 ، ص : 15 .
[5] ـ حوار مع الدكتور محمد السرغيني أجراه معه الأستاذان : د.محمدالعمري ود.حميد لحميداني.
[6] ـ في الشعر المغربي المعاصر ، (عتبات التحديث) ، سلسلة شراع عدد : 34 ، 6 ربيع الأول 1419 ـ فاتح يوليوز 1998 ، ص:8
[7] ـ انظر المرجع السابق ، ص : 8 وما بعدها .
[8] ـ انظر أساليب الشعرية المعاصرة ، ط.1 ، دار الآداب ،بيروت ،1995 ، ص : 15 .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى