. عبدالجبار العلمي - عن المفاهيم المستخدمة في الدرس الأدبي المعاصر... ( الجزء الأول : مفهوم البنية)

( الجزء الأول : مفهوم البنية )


على سبيل التقديم:
ظاهرة إغفال التوثيق العِلْمي للنُّصوصِ الْواردَة في بَعْضِ الدِّراسَات.

مِن الظواهرِ الملاحظة في بعض الدراسات والأبحاث الأدبية والنقدية أن بعض الباحثين لا يكلفون أنفسهم عناء التوثيق العِلْمي، فيكتفون بالقول مثلاً: "ويقول بعضُ الباحثين..( أوأحدالنقاد ..إلخ.)"، أو يستشهد بنص أوقول لأحد الباحثين دون الإشارة إلى صاحبه أو المرجع الذي أخذَ منه . يقول د. صلاح فضل: "ويحدد بعضُ الباحثين "البنية" بأنها ترجمة لمجموعة من العلاقات بين عناصر مختلفة .." (نظرية البنائية ، ص : 177 ) وتنقل د.يسرية يحيى المصري نفس الشاهد فتقول : " فبينما ذهب البعض ( ؟ ) إلى كونها (البنية) ترجمة لمجموعة العلاقات بين عناصر مختلفة ..( انظر "بنية القصيدة عند أبي تمام" ، ص :5 .) " وتنقل تعريف "جان بياجيه" للبنية كما أورده د.زكريا إبراهيم في كتابه "مشكلة البنية"، دار مصر للطباعة ، مكتبة مصر ، الفجالة ، د.ت. ص :33 ، فتقول :" إن البعض الآخر يعرف البنية بأنها نسق من التحولات له قوانينه الخاصة باعتباره نسقاً ... " (انظر بنية القصيدة عند أبي تمام ، ص :5 ) وينقل د.صلاح فضل نصاً لزكريا إبراهيم في تعريف "البنية" دون الإشارة إلى صاحبه والنص هو"..كلمة "بنية" في أصلها ، تحمل معنى المجموع أو "الكل" المؤلف من ظواهر متماسكة ، يتوقف كل منها على ما عداه، ويتحددمن خلال علاقته بما عداه" (انظر "مشكلة البنية" ، ص :32 ، وانظر "نظرية البنائية"
وتعنى هذه الدراسة بتحديد بعض المفاهيم وتحليل بعض العناوين المستخدمة في الدراسات الأدبية المعاصرة ، وذلك من خلال النماذج التالية : مفهوم البنية ـ مفهوم الشعر المغربي ـ الحداثة والمعاصرة. وقد تم التركيز على هذه النماذج لكثرة ورودها في بعض عناوين الكتب أو الدراسات الأكاديميةأ أو المقالات التي تمتلئ بها بعض المجلات أو الصحف الإليكترونية.
1 ـ مفهوم البنية :
وضع المعجم السيميائي ( Sémiotique ) لصاحبيه "جريماس" و"كورتيس" ( ) مصطلح "البنية" في إطار اللسانيات البنيوية التي يريان أنها نجحت في منحه طابعا إجرائيا .
وورد في "معجم النقد الأدبي" ( ) (Dictionnaire de critique littéraire) أن البنيوية التي تنتسب إلى "كتاب دروس في اللسانيات العامة" لفرديناند دي سوسير . الصادر سنة 1916 ، تحاول أن تكشف داخل اللغة عن بنيتها . ففي البنية يمكن أن ندرك قانون تركيب نظام ما ، نظام يضم مجموعة مغلقة من العناصر مرتبطة فيما بينها ارتباطاً متيناً إلى درجة أنها شبيهة بعنصر واحد خفي "
ويذكر هذان الباحثان في معجمهما النقدي " أن حدود التحليل البنيوي تظهر بجلاء أكبر في حقل الشعرية البنيوية التي يمثلها بشكل خاص جاكبسون . يتعلق الأمر ببحث في النصوص الماثلة بمعنى أنه لا يهتم بالمعطيات الخارج ـ نصية ، بل إن ما يعتبره غاية اهتمامه هو إعادة النص إلى بنية عامة هي : الأدبية ". ومن المعلوم أن مفهوم "البنية" طرح لأول مرة في براغ سنة 1923 إذ " نظر إلى العمل الأدبي بوصفه نسقاً ، وطبقت عليه مناهج العلوم الألسنية ومعاييرها " (). ولقد أسهم "موكاروفسكي" Jan Mukarovsky (1891-1975) في المناقشة التي دارت حول هذا المفهوم ابتداء من سنة 1926 ، وهكذا نجده يعرف البنية بأنها " مجموع مركب من مكونات مترابطة ومتحققة بصورة عملية وجمالية في سلسلة متصاعدة ومعقدة يربط بينها على التوالي العنصر المهيمن على هذه المكونات " ويؤكد البنيويون في حلقة براغ وجود علاقات داخلية للعمل الأدبي ، " فالوحدات الصوتية (Phonème ) والمكون الصرفي ( Morphological ) والمكون المعجمي ( Lexical ) والمكون النحوي التركيبي (Syntactical ) تتآزر فيما بينها داخل النص الأدبي ، فلا يصبح لأي مكون من هذه المكونات أي معنى في ذاته ، بل إنما يتحقق معناه من حيث علاقته بكل المكونات الأخرى للعمل نفسه ". ويقول الأستاذ أحمد اليبوري إِن "يوري لوتمان "Iouri Lotman لدى مساهمته في ضبط مفهوم النص ، أشار إلى "أن للنص طابعاً بنيويا لا تُقدّم فيه العلامات عن طريق التعاقب بين حدين خارجيين ، بل هناك تنظيم داخلي خاص يحول النص على المستوى الأفقي إلى كل مبنين " ( )
إن المبدأ الذي يؤكد عليه البنيويون هو مبدأ العلاقة بين الأجزاء بوصفها أساساً لفهم بنية أي عمل فالمهم بالنسبة إليهم هو البحث عن الأجزاء أو العناصر بعضها ببعض بقصد الكشف عن النسق أو النظام الذي يؤدي إلى وحدة العمل ". ( ) ويرى د.صلاح فضل" أن بعض المعاجم الأوروبية ، تضيف فكرة التضامن بين الأجزاء ، لأن المبنى ينهار إن لم يكن هناك تضامن بين أجزائه " ( ) ومن هنا ، فإن النص عبارة عن بناء متراص يعضد كل عنصر فيه بقية العناصر الأخرى، فهو "بنية شمولية لبنى داخلية : من الحرف إلى الكلمة إلى الجملة إلى السياق إلى النَّص" ( ) إن البنية عموماً "تحمل معنى " المجموع" أو "الكل" المؤلف من ظواهر متماسكة ، يتوقف كل منها على ما عداه ، ولا يمكنه أن يكون ما هو إلاَّ بفضل علاقته بما عداه " ( ) . وعلى الباحث أثناء قيامه بعملية التحليل أن يتوصل إلى النظام أو النسق الذي يحكم مجموعة العناصر التي تشكل العمل الأدبي. ( ) والحقيقة أنَّ "البنيةَ" سواء في اللغة اللاتينية أو في لغتنا العربية تعني البناء ، أو الطريقة التي يتم بها البناء والتشييد والتركيب . وإذا كان فنُّ المعمار يستخدم هذه الكلمة منذ منتصف القرن السابع عشر ( ) . فإن لغتنا العربية ونقدنا العربي عرف هذا المصطلح قبل ذلك بكثير ، وإذا كان د. صلاح فضل يؤكد أن كلمة "بنية" وردت في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرة بصيغ مختلفة : "بنى" ؛ "بناء" ؛ "بنيان" ؛ "مبنى" ، ولكنها لم ترد فيه ولا في النصوص القديمة بهذه الصيغة : "بنية"، فإن الأستاذ محمد أوراغ قد أثبت ورودها بكثير من الحجج والأدلة والشواهد في بحثه العلمي الدقيق الذي رصده لمصطلح البناء / البنية في النقد الشعري العربي القديم . ( ) فقد ورد في هذا البحث أن كلمة " بانياً " جاءت في كلمة للعجاج الراجز المخضرم. وأن مصطلح البناء كان متداولاً ومنتشراً بشكل واسع. فالبناء صناعة ، والباني صانع والشعر صناعة : مثله مثل سائر الصناعات تتطلب مهارة وثقافة .. وواضح هنا أن النقد الأدبي العربي اقترض بعض مصطلحاته من المجال الصناعي. وعملية البنيان لها وظيفة تتمثل في تخليد الآثار ، والشعر يقوم بنفس هذه الوظيفة. ويرى الباحث أن أول استعمال دقيق لمصطلح البنية نجده عند قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر ". كما أكد ورود لفظة الِبُنَى ( بضمِّ الباءِ وكَسْرها )، وهي جمع بنية عند السُّكَّري في شرحه لديوان الحُطيئة. غير أن استعمالَها كمصطلح كان من طرف قدامة، حيث ورد في كلامه : " أن بِنْيَةََ الشِّعر إنما هو التسْجيع والتقفية". ويثبت الباحث أن قدامة في استعماله لهذا المصطلح قد توخى ترسيخ دلالات محددة ومتداولة للكلمة. فهي الهيئة التي بني عليها الشيء وهي تعتمد التأليف والتركيب بين العناصر المختلفة ، بين الدال والمدلول ، بين اللفظ والمعنى ". ويرى الأستاذ محمد أوراغ أن بنية الشعر تبرز عند قدامة أيضاً في اعتماد قواعد العروض واحترام قوانينه ، فأي إِفراط في تكسير الوزن بالزحافات المتعددة قد ينتج شعراً رديئاً . ( ) وهكذا يتحول مصطلح البنية في عمل قدامة إلى وسيلة إجرائية تساعد في تحليل النص الشعري لأنها تنصب على أخص مميزاته كالوزن والقافية. وعلى أي حال، فإنَّ مفهومَ البِنية قد عرف عدة تحديدات في النقد العربي أو في مجال الدراسات البنيوية المعاصرة عند كل من دي سوسير () وليفي شتراوس وجاكبسون() وتروبتسكوي وجان بياجيه ( ) وجان بيير ريشار ورولان بارت وكلُّها لا تخرج عن دلالة النسق أو النظام. ولعله لا يخرج عن المفهوم المستعمل اليوم والذي استخدمه البنيويون في البيان الذي دعوا فيه سنة 1929 إلى اصطناع المنهج البنيوي باعتباره "منهجاً علمياً صالحاً لاكتشاف قوانين بنية النظم اللغويــة وتطورها ". ومن هذه النُّظُم اللُّغوية بطبيعة الحال ، النَّص الأدبي . ويهدف التحليل البنيوي للنص إلى الوصول إلى معرفة القوانين المتحكمة فيه ، والعلاقات التي تربط بين أجزائه ومكوناته .
الهوامش:
1

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى