أنور غني الموسوي - فسلجة العقل

العلم يتولد من فعل شيئي ناتج عن أشياء تحصل للعالم بمعنى ان العلم بالشيء من المتولدات. وموجبه وسببه حدوث شيئي ادراكي للحواس وهذا الحدوث الحسي الادراكي مركب من منظومة فعل الادراك. فالادراك فعل فاعل (المدرك) بالكسر على المفعول به (المدرك) بالفتح ينتج علما لدى المدرك بالكسر. يمكن تسامحا اطلاق اسم الادراك على جميع العملية بما فيها العلم.

بعد ان يتحقق العلم وهو مجرد وغير موجه يعرض كمعرفة على ما هو معلوم لدى العالم ليرى مدى اتساقها وانسجامها وليرى قوة ذلك العلم وهذا ما يولد درجات المعرفة من القطع والظن والشك. والاسم العرفي على العلم هو على المعرفة القطعية او بتسامح على المعرفة النفعية.

لذلك هناك فرق بين العلم الادراكي والعلم المعرفي، ويمكننا القول وبفعل رسوخ الاستعمال ان العلم يستعمل بشكل مشترك بين الادراك والمعرفة وعموما لدى المتكلمين العلم هو الادراك ولدى العرف العلم هو المعرفة، وهو تسامحي فحقيقة العلم هو الفعل الشيئي المتولد عن الادراك والذي يكون مادة للمعرفة. فلدينا نظام (ادراك – علم – معرفة). وهذا ما يكون عن المشاهدة او الخبر العياني كالمشاهدة. ومن المهم التمييز بين الخبر العياني الذي هو كالمشاهدة وبين غيره حتى القطعي. والخبر القطعي يوجب العلم لكن ليس بقوة الخبر العياني.

الخبر يحمل قضية هي (قضية الخبر)، هذه القضية تحكي واقعا هو (واقع الخبر)، العلم بقضية الخبر اضطراري لا يتخلف عند سماعه وفهمه، لكن التصديق بواقع الخبر هو ما يحتاج الى شروط عقلائية لأجله، وهو الذي يمكن انكاره ويمكن منعه وتشوشيه ومنه تدخل الشبهة والجهل. اذا الخبر فيه جهتان؛ قضيته يتولد منها العلم بها بمجرد فهمه (ادراكه) وواقعه لا يتولد العلم به الا بموجب فيصدق. ومن هنا يمكن القول ان العلم بالخبر قسمان علم ادراكي علم معرفي. العلم عرفا هو تصديق القضية الواقعية للخبر وهو ما يكون بالمشاهدة الذي يهمل فيها العلم الادراكي لقوة الادراك. لكن العلم حقيقة وكلاميا هو المتولد عن فهمه أي قضية الخبر. والحجة هي ما يصدق لكن أحيانا يبلغ الخبر من القوة التصديقية ما يجعل قضيته حجة وان لم يصدق بها، ولذلك ليس كل جهل وشبهة معذر.

بعد هذا البيان يتبين ان من قال ان العلم اضطراري من الخبر فلا بد ان يحمل على العلم بقضية الخبر، ومن قال ان العلم من الخبر يحتاج الى موجب غيره فهو يعني التصديق بواقع الخبر. وهذا واضح وجدانا.

ولا بد من الإشارة ان ما سبب التشابه ان (العلم الادراكي) في المشاهدة الحسية (كالعين او اللمس) غير محسوس لان الواسطة مهملة لاجل نقل صورة الخارج، فلا يلاحظ الا المنتهى الادراكي وهو العلم المعرفي، فمن رأى شيئيا لا يشعر الا بان هناك شيئا في الخارج (العلم المعرفي) ولا يشعر بالادراك الحسي (العلم الادراكي) الذي سبب ذلك العلم. ولاجل الوظيفية والنفعية فان العلم العرفي هو المعرفي لذلك فنظام (الادراك-العلم-المعرفة) وظيفي ونافع جدا.

وبعبارة أخيرة لا يصح القول باضطرارية العلم من الخبر غير القطعي الا على العلم الادراكي، واما ان اريد به العلم المعرفي – وهو المتعارف- فلا يتم.

ولا بد من إضافة ان الفعل المباشر الاختياري هو الادراك ويتولد من الادراك العلم وهو ليس اختياريا ويتولد من العلم المعرفة وهي ليست اختيارية. ورغم ان تولد العلم عن الادراك غير اختياري الا ان التباين والتفاوت في قوة الاراك وسلامته ووضح الخارج المدرك تؤثر على كمية العلم وكيفيته. ورغم ان تولد المعرفة من العلم غير اختياري الا ان المخزون المعرفي وما يعلمه الانسان بخصوص الموضوع المدرك بجميع مستويات الانتماء والاشتقاق يؤثر على كمية المعرفة وكيفيتها ودرجة استقرارها من القطع والظن والشك. القطع والظن والشك هي درجات للمعرفة لكن قد يوصف بها العلم. وخبر الاحاد اقصى ما يوجبه المعرفة الظنية، فان اريد بالعلم المعرفي المعرفة القطعية فانه لا يوجبه. وعندما نقول قطع أي ان المعرفة المتولدة من الادراك واحدة لا تقبل التعدد كما هو المشاهدة، فمطالبة الخبر بالقطعية هو محاكاة وتقليد للمشاهدة، وهو تام.

وفي الواقع العلم الادراكي هو الحقيقي الفسلجي فهو (حدث شيئي يحدث في المدرك عند الادراك) اما العلم المعرفي فهو امر تحليلي عقلي غير حقيقي. ولذلك فالمعرفة شيء غير حقيقي وانما مخزون عقلي في الذاكرة ويؤثر على السلوك من جهة الاعتبار وما يصاحبه من تكاليف واوامر، بمعنى ان ما تستوجبه المعرفة ليس امرا فسلجيا حقيقيا بل هو امر عقلي اعتباري قيمي. ولذلك لولا ان الانسان يعيش وسط بيئة ومحيط واشياء فانه لا يحتاج الى المعرفة، بل ان الانسان لو اهمل الاعتبار والتقييم والتعامل القيمي فانه لا يحتاج الى المعرفة، وهذا ما يكون عليه الطفل في الأشهر الأولى فانه يكاشف فقط ولا يعرف التقييم ولا يقيم لكن ما يعطي المعرفة صورة ومشهدا هي الغرائز فان المعرفة محرك قوي للغريزة، فالغرائز عامل مطيع للمعرفة ولربما المعرفة تتحكم بالغريزة بدرجة كبير. فما هو سائد من ان الغريزة هي التي تسبب في تراجع سلوك الانسان فهم خاطئ بل المعرفة الخاطئة هي التي تسبب تراجع سلوك الانسان من خلال تحفيز الغريزة في الوقت غير المناسب ونحو الاتجاه غير المناسب وهذا هو (التأثير المعرفي الغرائزي). الانسان يشعر بالاثر الفسلجي للغريزة، لذلك فالغرائز هو الصورة الفسلجية للمعرفة. ولان المعرفة لا واقع لها وانما هي فعل العقل لذلك لاجل فهمها لا بد من دراسة العقل وهذا ما يمكن ان نسميه (فسلجة العقل). ولا استبعد ان يكون للمعرفة اثر في عمل وظيفة الجسم وقدراته (تأثير المعرفة البدني) لكن لا يوجد دليل علمي وانما هي حكايات ولا استقراء او تجارب. لكن ما يمكنني قوله من خلال شواهد كثيرة ان العقل عضو فسلجي جسدي ولا بد من دراسته ووضع علم خاص به هو (علم العقل) كعضو فسلجي مادي في الجسد ولا علاقة له بالروح او النفس بل هو امر جسدي.

ومن كل ما تقدم يظهر ان قوله (فلو كان الخبر مولدا للعلم، لم يكن بعض حروفه بالتوليد أولى من بعض، فكان يجب اما أن يكون العلم متولدا عن كل حرف من حروف الخبر، وهذا يؤدي الى أن يقع العلم عند أي حرف وجد من حروفه، وقد علم بطلان ذلك.) يجوز على القول بتحقيق العلم المعرفي من الخبر المجرد، وعرفت ان ما يتحقق هو العلم الادراكي، ولا يمنع انه تركمي لانه حدث فسلجي، فيحصل علم بالحرف الاول وبضم الحرف الثاني يحصل علم اخر وهكذا الكلمة ثم كلمتين في كل زيادة معنوية يحصل علم مختلف. بل ان العلم الجملي قد يتغير بضمة جملة اخرى لها. وهذا من الواضحات. ولان الوظيفية والنفعية في (القضية الخبرية) اي التي تتركب من اسناد ولها فائدة اسنادية فان ما عدا ذلك من علوم ومعان لا يتم التركيز عليها وان حفظت. فعمل الدماغ بتحليل الكلام نفعي وهكذا في باقي الحواس فان تحليل الادراكات الحسية منظم ونفعي وليس اولي غير منظم وبلا غرض. طبعا تركيب الكلمة له مرجعية وقيمة تحليلية والاسناد له قيمة تحليلية لكن هذا طريقي وليس جوهريا بل الجوهري والغائي هو الجمل المعنوية. عندما تدرك جملة معنوية تحلل عقليا بحسب التصنيفات ومنها الصدق والكذب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى