العلامة الدكتور السيد الجميلي - إِحْيَاءْ عُلُوم الدِّينْ للإمَامْ الغَزَالِي

نفحات إيمانية


كان الإمام أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد بن محمد، أحد أعلام القرن الخامس الهجري المبرزين، الذين شهد لعلمهم الصادر والوارد، لذلك سمى حجة الإسلام، إذ رزقه الله تعالى حافظة واعية، ونباهة وذكاء نادرين.
ولد أبو حامد الغزالي سنة خمسين وأربعمائة، وتوفى سنة خمس وخمسمائة من الهجرة، وكان مولده ووفاته في الطابران «قصبة طوس» لذلك سمي بالطوسي، ثم رحل بعد نشأته بطوس إلى نيسابور، ثم إلى بغداد فالحجاز ثم بعد ذلك ظعن وارتحل إلى ديار الشام، ثم إلى مصر.
وتنوزع في نسبة الغزالي فمنهم من قرأها «بتخفيف الزاي» عزواً إلى غزالة، إحدى قرى طوس وهناك من قرأها «بالتشديد الغزالي» ناسباً هذا إلى صناعة الغزل.
كان أبوه يعمل بغزل الصوف وبيعه، ثم هو يستثمر وقت فراغه في الإختلاف إلى مجالس العلماء ومنتديات الفقهاء.
وكان ينهل من معين لا ينضب، وقد كان رجلاً صالحاً تقياً رشيداً عف الإزار كريم المحيا حسن المعشر، سليم الصدر.
فلما إنتقل إلى جوار ربه تعهد أحد أصدقائه بتعليم ابنه حامد وأخيه، ورعايتهما، حتى يستعجم عودهما، وتستوي قناتهما.
كان هذا الصديق العالم الصوفي رجلاً كريماً فقد كان ينفذ وصية أوصاه بها أبو عالمنا الجليل أبو حامد الغزالي.
ثم إنخرط صاحبنا وأخوه في طلب العلم وتبحر فيه إلى أن بلغ منه مبلغاً عظيماً حيث تبحر في الفلسفة والفقه والتصوف وَجَدَّ في طلب الأصول، وبرع في الجدل والمنطق.
وقد إنبرى وتصدى لكثير من المناطقة والمجادلين والمتكلمين يرد عليهم، ويدفع آراءهم غير السديدة بالحجج القوية والبراهين الدامغة.
ثم عزف عن الدنيا عزوفاً غريباً وهو ينهل من معين العلم لا يشبع منه، ولا ترتوي له منه كبد، حتى إنه وضع كتابه : «إحياء علوم الدين» وهو الذي نال من الشهرة، وبُعد الصيت ما لم ينله كتاب مشابه أو مقارب حيث إنه امتاز بقوة العارضة، والتمكين والرسوخ في العلم.
ولما أثر الغزالي العزلة والتفرغ للعبادة، وتصفية القلب والجوارح لذكر الله تعالى، والإنفراد مُختَلِياً بنفسه بعيداً عن الناس - كان مصيباً في رأيه وإعتزاله الناس.
بيد أن فخر الملك بن نظام الملك طلب إليه أن يقوم بالتدريس بالمدرسة النظامية في نيسابور لكنه رفض، معتذراً، ولم يكن هذا تأبياً وترفعاً بقدر ما كان رغبة أكيدة في التفرغ للعبادة، فقال له : لا يحل لك أن تحرم المسلمين الفائدة منك فدرس مدة يسيرة.
وقد إبتلى الغزالي بالشك فترة من الزمن وكانت مثار خلاف وتنازع شديد عليه بين الملاحاة والمحاباة والتبرير والتسويغ والدفاع عنه،
فالناس بين مدافع يحامي عنه وبين عاذل ينعى عليه، ويلحاه ويقع فيه، ويستطيل عليه، ويتهمه في عقيدته.
يذكر لنا العلماء أن الإمام الغزالي قد وضع كتاب «إحياء علوم الدين» بعد فترة التحنث والنسك والخلوة التي ضربها على نفسه فترة من الزمن.
لكن الجدير بالذكر أن بعض المؤرخين قد ذكر أن الغزالي لم يرجع إلى أستاذ أو علوم الحديث أو غيره عند تصنيفه هذا الكتاب الفريد الجامع، ولم تكن هذه الأقوال غمزاً ولمزاً له وإن كان ظاهرها قد يوحي بشيء من هذا لكن قوة الكتاب ورصانته وعمق تناوله يجعل القول بأنه لم يرجع إلى عالم مدحاً وتزكية وإعجاباً إن إنه كيف تسنى له أن يأتي بكل هذه العلوم والمعارف ذات المدارك العميقة، والإمتدادات المترامية غير المحدودة، وكونها مدحاً وتقديراً واعجاباً أرجح من كونها محمولة على الثلب والزراية والتجريح.
لكن المتأمل المستقصي يستطيع ان يخرج من هذه اللمحة بنتيجة ملموسة وهي أن المراد من هذا القول الإشارة إلى أنه إبان الخلوة تنزلت عليه فيوضات العلم وبركاته على سبيل الإلهام والإشراق.
ولئن كانت فترة الوحدة والتحنث والنسك والتفرد للعبادة فترة خصبة وحيوية، وسياحة روحية جميلة جليلة إلا أن اتحافها للملكات وشحذها للهمة وتنقية الصدر والقلب والروح وتطهير النفس - لا يمكن أن يكون مبرراً ولا مسوغاً للزعم بأنها وحدها كانت وراء الإلهام والإشراق الذي سیقت به نفحات إحياء علوم الدين.
إن إرتفاع الهمة، وتسامي الروح، وتنشيط الملكات ذو أثر فعال غير مذكور، لكنه يصعب أن يكون وراء سبك هذا اللؤلؤ المثقوب في ذلكم العقد المنظوم.
إن الروح حبيسة في سجن البدن، وكلما كان السجن كثيفاً قوياً صارماً كلما قعدت الهمة بالروح، وجعلتها ترسف في القيود والأنكال المادية.
وكلما كانت العزيمة أمضى بالتضييق على البدن والحمل عليه بالصوم والعبادة، وقدع الشهوات كلما كان ذلك واعياً وموجباً لهدم
أسوار السجن الحديدية والتي تشكل حلقة محكمة رصينة حول عنق البدن، من ثم تتخفف الروح من أثقالها وآصارها، ويكون التسامي والترقي الذي ينطوي على آثار روحية مشهودة.
لكن مهما حدث من شيء لا يمكن الإقرار بأن الإشراقات والفيوضات النفسية والروحية تستطيع أن تملى على إنسان مهما كان متبحراً أو عارفاً كل هذه الأصول الفقهية والتفسيرية والحديثية وغيرها .. فلا محل إذن للقول بهذا الموجب، إنما الأقوى من هذا والأقوم، والأرجح الأولى بالتصديق خلاف ذلك.
إن كثيراً من الزهاد النساك المنقطعين للعبادة قد فعلوا مثلما فعل الغزالي في الإنقطاع تماماً بل ربما كانوا أكثر منه لكن لم يصنعوا صنيعه في تصنيف مثل هذا الكتاب الجامع الفريد، الذي لفت الأنظار لما إنطوى عليه من براعة ودقة في تحقيق المسائل ومناقشة الآراء بما يقطع بأنه بحث علمي دقيق أداته مستوفاة، ومادته سخية.
قسم أبو حامد الغزالي كتابه «إحياء علوم الدين» إلى أربعة أجزاء : ربع للعبادات، وربع للعادات، وربع للمهلكات، وربع للمنجيات.
ثم قدم الكتاب بفضل العلم والمتعلم، ثم يرى أن من العلم ما وما هو ضار ومنه ما هو نافع، ومنه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم.
والكتاب يأخذ القارىء إلى عوالم رهيبة فسيحة مأهولة، يغوص فيها إلى أعماق النفس البشرية ليخبر مجاهلها العديدة بمسبار العلم والفكر والفطنة والزكانة.
هذا السفر الشائق الممتع نجد فيه صنوفاً متنوعة من أطايب المشهيات التي تستولي على العقل والفكر والوجدان، وهي بحوث جادة رصينة في علم النفس وعلم الإجتماع والتصوف مع ما تبلج في أثنائه وتضاعيفه وألفافه وتجاليده من عيون المواضيع والمسائل في أصول الدين.
وقد إحتوى الكتاب على فصول شائقة رائعة ممتعة في أصول التربية شارحاً وموضحاً ومبيناً ومفصلاً العادات والطبائع المذمومة التي يجب التجرد منها عند التعليم، كذلك يأخذ بأيدي المعلمين إلى أمثل الطرق، وأخصر الوسائل، وأعود السبل على المتعلمين والمعلمين بالفائدة.
لذلك نستطيع القول بأن هذا الكتاب ليس مرجعاً في التربية أو الأحكام فحسب .. لكن حقيق به القول بأنه موسوعة جامعة لشتى العلوم والدراسات العلمية الدقيقة في أكثر مجالات المعرفة.
ونحن نوصي بقراءة هذا الكتاب فهو سفر نفيس جليل القدر، عظيم النفع، يخرج منه القارىء بالكثير والكثير من المنح الجليلة، والمعارف النافعة، ولا أعتقد أن من قرأ هذا الكتاب مرة سيتركه بعد ذلك، ولكن لابد أن سيعود إليه مرات ومرات بين فينة وأخرى، لأن فيه من السحر والتشويق والجاذبية ما فيه، وهو ما يخلو منه أكثر الكتب من نظائره التي لم تبلغ شاوه ولم تقدر على الجري في مضماره ..
والحمد لله رب العالمين.


راجع كتاب "من أعـلام الإسلام" تأليف العلاَّمة الموسوعى الجليل الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي جاحظ العصر .. والعلاَّمة الموسوعى الجليل الدكتور السيد الجميلي بيرونى العصر 😢💔 رحمهما الله تعالى رحمة واسعة 🤲
راجع كتاب "صفحات مضيئة فى حياة الصالحين" تأليف العلاَّمة الموسوعى الجليل الدكتور السيد الجميلي 😢 حمه الله تعالى رحمة واسعة 🤲
اللهم تقبل من أبى صلاته، وصيامه لك، وسائر طاعاته، وصالح أعماله، وأثقل بها ميزانه يوم القيامة، وثبِّته على الصراط يوم تزل الأقدام، واجعله من الفائزين، وأسكِنه في أعلى الجنات في جوار نبيِّك ومصطفاك ﷺ ولا تحرمه من رؤية وجهك الكريم اللهم آآآمين يا رب العالمين 🤲

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى