كاهنة عباس - الاصالة والحداثة ونظرية التبعية


هل يمكن أن نطرح مسألة التخلف والتقدم، كمسألة ثقافية فكرية بحتة، دون الاستناد الى الوضع الاقتصادي الراهن للبلدان المصنعة والغير المصنعة، تلك التي تسمى تارة بالدول المتقدمة والدول المتخلفة وطورا بدول الجنوب ودول الشمال؟
هل يكفي طرح هذه المسألة في إطار عربي إسلامي بإعادة السؤال التقليدي: إن كان التراث هو سبب تخلف دول العالم العربي وبالتالي وجب إعادة قراءته لتحقيق تحديث تلك الدول ،أم لا بد من اعتبار نظرية التبعية، كما وضعها مفكرو أمريكا اللاتينية و خاصة من بينهم المفكر المصري في علم الاقتصاد سمير أمين ،المناهضة تماما لهذا الاتجاه ، باعتبار أن التخلف من منظور مؤسسي هذه النظرية ، بدأ مع حقبة استعمارية دامت خمسة قرون وجعلت من الدول الغربية وأمريكا المركز، بينما تراجعت مواقع الدول الفقيرة وعموما الغير المصنعة ، لتحتل الهامش أو الأطراف، لعدم التكافئ الاقتصادي في المبادلات بين الطرفين، إذ تبيع الدول الغير مصنعة ثرواتها الطبيعية بأثمان بخسة للدول المصنعة التي تحولها الى آلات ومعدات ثم تصدرها بأثمان باهضة لتلك الدول ، والنتيجة الحتمية لذلك أن تلتجأ هذه الأخيرة الى الاقتراض الخارجي بشروط مجحفة وأن يبقى اقتصادها تابعا للدول المصنعة، دون أن تتمكن من تنمية محلية داخلية وأن تعتمد على إمكانياتها .
بطريقة أوضح، هل يعود التخلف الى التركيبة الفكرية الثقافية لما سمي بالعقل العربي، أم الى الوضعية الاقتصادية للدول الفقيرة وعموما الغير المصنعة والتي فرضتها الدول المهيمنة؟
إذا كان الحل يكمن في إعادة قراءة التراث أو في القطع معه، فلا بد من الاقتداء بالغرب ونقل نظرياته وعلومه ومناهجه وقيمه واتباعه بطريقة أو بأخرى، لبلوغ مرحلة التحديث، وإذا كان الحل في القطع مع الاقتصاد المهيمن والمستغل للدول الغير المصنعة، فلا بد من تحقيق استقلالية اقتصادية بالتعويل على الاقتصاد المحلي الداخلي، التي تستلزم استقلالية ثقافية ومعرفية وسياسية، بمعنى ألا تسلك الدول الغير مصنعة مسلك النقل عن الغرب سواء لقيمه أو لفكره.
قد تبدو المقاربتان منفصلتان الأولى ثقافية بحتة، بينما الثانية اقتصادية دون وجود صلة بينهما، لكن إذا تثبتنا جليا، لاستخلصنا أن الفكر بمفهومه الواسع بشقيه العلمي والإنساني، إذا لم يؤد الى إنتاج الثروة والاندماج في الدورة الاقتصادية، لا يمكنه تغيير الواقع المعاش، لأنه سيبقى في رفوف المكتبات يدرس دون جدوى، بمعنى آخر إذا كانت البلدان التي تعيش تبعية اقتصادية لا تنتج علما، فلا يعود ذلك لانعدام الامكانيات البشرية ولا حتى المعرفية، بل لأنها لا تستطيع أن تستثمر ذلك العلم ولا أن تدمجه في دورتها الاقتصادية، ما دام اقتصادها مرتبطا ارتباطا حيويا بالدول المهيمنة اقتصاديا.
فالتبعية الاقتصادية تنتج لا محالة تبعية معرفية ، وهو ما يمكن لنا أن نلاحظه من نقل للعلوم والمعارف من طرف الدول الغير المصنعة عن الدول المصنعة ، دون الانخراط في مسارها البحثي والمعرفي، أما العائق الكبير الذي يمنعها عن ذلك ،فهي السياسات الاقتصادية التي لم تخلق الأطر الضرورية لمثل هذا المسار: من مخابر ومعدات ودوريات وأسواق حتى يتمكن الباحثون الذين أنجزوا اختراعا ما من استثمار اكتشافاتهم ، بتصنيعها وتسويقها ،لان السوق المحلية لا تسمح بتداول منتوج غير المنتوج المستورد من الخارج، لذلك رأينا العديد من الباحثين العرب، ممن أفلحوا في اختراع آلات أو معدات أو ساهموا في تطور العلوم بشتى أنواعها، يبرزون خارج حدود بلدانهم.
أما التبعية الأشد ترسخا، فهي التبعية المالية، إذ لا يمكن لهذه الدول التعامل مع غيرها من الدول الأخرى إلا بالعملة الصعبة أي بعملة غير عملتها، تلك التي لا تتحكم في قيمتها وقد يصعب عليها خاصة في مراحل الازمات توفيرها فتضطر الى الاقتراض بشروط مجحفة، والقبول بتصدير بمنتوجاتها بشروط الدول المنتجة لتلك العملة.
وكما ذكرنا، فمادام العلم والمعرفة لا يخلقان الثروة ولا يندمجان في الدورة الاقتصادية، فلن يكتسبا القيمة المرجوة ،لاتصالهما الاتصال العضوي بالاقتصاد أي بما هو فائدة ومصلحة ، من ثمة يقصى ويهمش أي تفكير حر مستقل يطمح الى الابداع والابتكار وتجد النخب نفسها مضطرة عن وعي أو عن غير وعي لنقل النظريات والمرجعيات والاطروحات التي ينتجها الغرب لنجاعتها على المستوى الواقعي والاقتصادي والسياسي ولفشل جل محاولات الإصلاح ، بذلك تصبح التبعية الاطار الفكري العام الذي لا يمكن تجاوزه، مما سيفضي الى خلق صراعات كبيرة داخله، لان التبعية في معناها العميق هي نفي ولو جزئي للخصوصيات الثقافية التي يتسم بها مجتمع ما.
لا قطيعة معرفية إذا، يمكنها أن تتحقق في ظل تبعية اقتصادية ولا يمكن التفكير إلا داخل إطارها بالبحث عن استعادة الاصالة والهوية والخصوصيات الثقافية ومعنى الذات والأخر وجميع المواضيع التي شغلت النخب العربية منذ ما يزيد عن قرن، أي أن الأسئلة التي طرحتها النخب العربية لم تقطع مع تلك التبعية بل كانت تدور في فلكها لأنها كانت من نتائجها وآثارها.
تاريخيا ،كانت الدولة الوطنية الناشئة في مجتمعات العالم العربي باختلافاته مطالبة ، إثر مرحلة ما بعد الاستعمار الأوروبي ،بان تستورد ما توصلت اليه هذه الدول من إمكانيات تقنية مثل الأسلحة ووسائل النقل والاتصال السمعي البصري وغيرها ونقل العلوم الصحيحة والإنسانية مع الاعتقاد بإمكانية المحافظة على خصائصها الثقافية والعقائدية ، دون الانتباه الى امرين اثنين : أن تبني نمط العيش الغربي من شأنه زعزعة التقاليد والعادات الموروثة والمؤسسة للخصائص الثقافية لتلك المجتمعات ، أن النقل إن ما كان مقننا أي خاضعا لأنظمة قانونية، مالية ،اقتصادية، تفرضها موازين قوى، لا يمكن قطعه دون زعزعة الاستقرار السياسي لتلك الدول وأن الاستقلالية الاقتصادية لهذه الدول تهدد مصالح الدول الغربية ،المنتجة للمعرفة وللتكنولوجيا ، أن التعليم والبحث الأكاديمي الجامعي ما لم يرتبطا بالسوق الاقتصادية لخلق الثروة وبعث الوعي والفكر سيقتصر دورهما على أداء بعض الوظائف نذكر منها: الوظائف الاستشارية، الاعلامية، التثقيفية، التدريسية، السياسية أو غيرها دون إحداث تغيير في النمط الإنتاج وتحديث المجتمع .
وصفوة القول، أن مسألة الاصالة وعلاقة العالم العربي الإسلامي بالآخر وإعادة قراءة التراث أو القطع معه أو حتى الرجوع إليه لاستعادة الاستقلالية والقوة، كما يتصور المحافظون، ليست إلا محاولات فكرية تدور في فلك أطر التبعية الاقتصادية، من أجل صياغة هوية ممكنة، لذلك نجد أن المعضلة الهوية كانت موضوع انشغال النخب أكثر من الشعوب.
قد يرد البعض أن الاستعمار كان نتيجة ما خلفه التراث العربي الإسلامي من ضعف ووهن من عدم امتلاك العلم والمعرفة وأن التبعية الاقتصادية لم تكن إلا نتيجة لمثل هذا الوضع التاريخي وهو رد وجيه ، لكن أوضاع العالم الاقتصادية والسياسية قد تغيرت اليوم، بان التحقت بعض البلدان الآسيوية فأصبحت مصنعة بل ومنافسة للدول الغربية كما أصبحت بعض الدول الإسلامية قادرة على صنع أسلحتها والدفاع عن نفسها ،الى جانب نشأة عالم متعدد الأقطاب، لم يعد للغرب السلطة الكافية للتحكم فيه وتقسيمه، في حين تسعى أمريكا الى فرض قرارات سياسية واقتصادية للحفاظ على موقعها المهيمن .
في ظل هذه الأوضاع الجديدة وخاصة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الفلسطينيون أثناء الحرب على غزة، أصبح من الضروري إعادة طرح الأسئلة: ما هي السبل الكفيلة التي تجعل بلداننا تمتلك وسائل القوة والمناعة، للدفاع على وجودها وكيانها والحفاظ على مقومات مناعتها واستمراريتها؟

كاهنة عباس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى