سيدة بن جازية - أم الخبائث...

كان يحتسي زجاجة رابعة مع نديمه راجح حتى إنهار معترفا كيف قتلها بعد أن سأله مستغربا عن ندوب غطّت عنقه الأعوج.
كانت تستدعيني كل شهر للبستنة و تغدق عليّ المال والطعام ولكنها كانت تحرّك في شيئا ما كلما دغدغت أساورها مسامعي موشوشة "إنني من حقك خذني لقد سئمت معصميها المجعدتين ."
أما الخواتم المرصعة ياقوتا وزبرجدا فقد غمزت لي إغواء مشيرة إلى الخارج .
تكرّرت زياراتي و تكرّرت نظراتي إلى حليها حتى شعرت بها تتحاشى محادثتي كالسابق .
منذ مدة طويلة لم تعد تدعوني للعمل ، قصدتها مدّعيا التطوّع لتنظيف الحديقة و تشذيب الأغصان لكنها لم ترفض بل وعدتني بدعوة في ظروف أفضل إذ كانت تمرّ بفترة حزن لفقد زوجها العجوز الهرم...
لم يرق لي هذا الطرد التعسفيّ بعد دلال عشته في بيتها لسنوات.
خفت أن تكون قد استبدلتني ببستاني آخر فهي لم تعد تغدق علي العطايا ولا الأدعية بل لم تعد تسأل عن حال زوجتي العاقر كالعادة ولم تعد تمدّني بالنصائح لتحمّل حظي العاثر معها ...
يومها أتذكّر جيدا أنني غادرت بيتها متوجها نحو بائع أقراص السعادة "لكن لم يكن معي المال الكافي ،أقسم أن لا يمدني" بربع قرص ثانية إلا إذا ما توفّر المال.
اسودّت الدنيا في عيني و عدت أدراجي نحو بيت عجوز الحي الشمطاء ،قفزت السور خلسة، وجدتها أمامي في الفناء تطعم قططها ، نهرتني بكل احتقار ، فاحتد الحوار بيننا ،همّت بإطلاق عقيرتها بالصياح فاندفعت أغلق فاها بكفي بينما أدرت كفّي الثانية لليّ عنقها حتى خمدت أنفاسها ، أنقذت مسرعاً حليها من أيدي الطامعين في ثروتها الكبيرة وهرعت قافزا من السور الخلفي ناجيا من التعقّبات.

كان راجح فاتحا فاه مستغربا غير مصدّق حتى باغته صوت المؤذّن مناديا لصلاة الفجر فتذكّر زوجته خديجة الماكثة وحيدة منعزلة عن المدينة ، امتطى دراجته النارية يسابق الريح..
ما إن وصل بيته حتى أصابته قشعريرة ، استقبلته زوجته صائحة :
عدت للشرب و السهر حتى وجه الفجر مع صعاليك الماضي ،ألم ترتدع بعد ؟
جثم باركا في فزع : هذه المرة الأولى التي أصدقك فيها ،نعم إنني أخالط قتلة لا صعاليك.
_ وكيف تيقنت يا ابن عمي ؟
_ لقد اعترف لي بأدقّ تفاصيل جريمة قتله للجارة آمنة.
_ من ؟من تقصد ، لا تقل لي ...
_ نعم ، إنه أخوك...
آه..........؟

قال كل شيء كما سمعه و غرق في نومة عميقة دون أن يغير ملابسه او يخلع حذاءه...

بزغت شمس يوم جديد معلنة عن حقيقة يرصدها الظلام ، أخذت حقيبتها وهاتفها و توجّهت نحو مركز الشرطة تدلي بشهادتها في مقتل الجارة آمنة منذ سنة ثم عادت هانئة إلى بيت والديها .

سيدة بن جازية
تونس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى