إلهام البهوي - الزجل المغربي: شعرٌ يُقصى أم فنٌّ يُحتفى به؟

في خضمّ الحراك الثقافي الذي يشهده المغرب، يبرز الزجل كفنٍّ عريقٍ وأصيل، ظلّ لقرونٍ طويلةٍ مرآةً لوجدان الشعب، ولسان حاله، ومتنفسًا لتعبيراته العفوية والعميقة. ومع ذلك، لا يزال الزجل يعاني من تهميشٍ ضمني، يتجلى في بعض الممارسات الثقافية التي تفصله عن الشعر الفصيح، وكأنّه فنٌّ من درجةٍ ثانية، أو تعبيرٌ لا يرقى إلى مصافّ الشعر الحقيقي.
الزجل... شعرٌ لا غبار عليه
من الضروري التأكيد، دون مواربة، أنّ الزجل هو شعرٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فهو يعتمد على الإيقاع، والصورة الشعرية، والرمز، والبلاغة، ويُعالج قضايا وجودية واجتماعية وفكرية بلغةٍ قريبةٍ من الناس، لكنها لا تفتقر إلى العمق أو الجمال. وإذا كان الشعر الفصيح يُكتب بلغة الضاد الفصيحة، فإن الزجل يُكتب بلغة الحياة اليومية، لكنه لا يقل عنه في القيمة الفنية أو التأثير الوجداني.
التمييز بين الزجل والشعر... إقصاءٌ غير مبرر
حين تُنظَّم مسابقات في "الإلقاء الشعري أو الزجلي"، فإنّ هذا التوصيف يوحي ضمنًا بأنّ الزجل ليس شعرًا، بل فنٌّ موازٍ أو منفصل. وهذا خطأٌ مفاهيمي يجب تصحيحه. فالصحيح أن نقول: "مسابقة في الإلقاء الشعري، الفصيح والزجلي"، أو "مسابقة في فنون الإلقاء الشعري بمختلف أنواعه"، لأنّ الزجل ليس نقيضًا للشعر، بل أحد تجلياته.
الزجل بين الصحوة الزائفة والانحدار الصامت
رغم كثرة الملتقيات الزجلية، إلا أنّ الزجل المغربي يعيش نوعًا من "الصحوة الزائفة"، حيث يغلب الشكل على المضمون، وتُحتكر المنابر من طرف قلة، وتُقصى المواهب الصاعدة، ويُستغل الزجال في مناسبات موسمية تحت غطاء "تشجيع الثقافة"، بينما الهدف الحقيقي هو التلميع أو الاستغلال السياسي أو الإعلامي.
الزجالون... مسؤولية التغيير تبدأ من الداخل
الزجل بيتٌ يسكنه الزجالون، وهم أولى الناس بترميمه وتنظيفه وتقوية بنيانه. ولا يمكن لهذا الفن أن يستعيد هيبته ومصداقيته إلا إذا تخلّى الزجالون عن الأنانية، والشللية، واحتكار الفضاءات، وفكّروا في الخلف، وفتحوا الأبواب أمام الطاقات الجديدة. فالفن لا ينهض إلا بالتراكم، والتراحم، والتعاون.
نحو كيان زجلي قوي وموحد
الحلّ لا يكمن في انتظار الدعم أو الاعتراف، بل في بناء كيان زجلي مستقل، يُخطط لمشاركاته، ويُبرمج ملتقياته، ويُثمّن مجهود أعضائه، ماديًا ومعنويًا، ويُراكم مكتسبات جماعية تعود بالنفع على الجميع. كيانٌ يُؤمن بأنّ الزجل رسالة، لا وسيلة، وأنّ الإبداع لا يُباع بثمنٍ بخس، بل يُقدَّر بما يستحقه من احترام وتقدير.
الزجل المغربي ليس فنًّا هامشيًا، بل هو شعرٌ حيّ، نابض، متجذّر في الذاكرة الجماعية. وإنّ إنصافه لا يكون بالشعارات، بل بالاعتراف به كجزءٍ أصيل من المشهد الشعري المغربي، وبمنح الزجالين المكانة التي يستحقونها، لا بوصفهم مؤدين، بل كمبدعين حقيقيين.
فهل آن الأوان لنكفّ عن التعامل مع الزجل كضيفٍ على مائدة الشعر، ونعترف به كأحد أعمدته الراسخة؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى