لم يكن الاجتماع عاصفًا.
لم تُكسر الطاولات.
لم تُرفع الأصوات.
لم تُسجَّل اعتراضات.
كان كل شيء هادئًا… أكثر مما يجب.
قاعة مكتملة الحضور،
وجوه تعرف بعضها منذ زمن طويل،
كلمات مرتّبة،
بيان منضبط،
موعد مُعلن،
وشعار لامع يلمع فوق التاريخ.
كل شيء كان في مكانه.
إلا شيء واحد.
الصمت.
ذلك الصمت الذي لا يعني التوافق،
بل يعني أن الجميع يعرف السقف،
ويعرف ما الذي لا يُقال،
ويعرف ثمن الخروج عن النص.
في هذا الاجتماع، لم يتكلم أحد…
لكن القاعة كانت مليئة بالأصوات.
أصوات مؤجلة.
أصوات مؤجلة منذ سنوات.
أصوات تعرف أن الكلام لا يُكافأ،
وأن الصمت، أحيانًا، وظيفة.
البيان قال كل ما يجب أن يُقال وطنيًا.
غزة، القدس، الأسرى، الشهداء، اللاجئون، الوحدة، المقاومة الشعبية، الرفض، الصمود.
كلمات لا يختلف عليها اثنان.
كلمات محفوظة في الذاكرة الوطنية كما تُحفظ الأغاني القديمة.
لكن البيان لم يقل:
كيف؟
لم يقل من يحمل هذا كله؟
ولم يقل بأي أدوات؟
ولم يقل: من يدفع الثمن حين تفشل الكلمات؟
كان البيان يشبه خارطة جميلة،
لكن بلا طرق،
وبلا مركبات،
وبلا بشر يسيرون عليها.
خطاب الدولة… وحيرة الحركة
الخطاب كان خطاب دولة.
إصلاح.
انتخابات.
دستور.
قانون أحزاب.
قانون واحد.
سلاح واحد.
لغة مستقيمة، منطقية،
لكنها لغة كُتبت على ورق نظيف،
في وقتٍ كانت الأرض تحته موحلة.
غزة تُذكر كوحدة جغرافية،
لكنها غائبة كحضور سياسي حي.
الوحدة تُرفع شعارًا،
لكن شروطها تُلقى من أعلى،
لا تُنسج من القاعدة.
العالم حاضر بقوة:
مؤتمرات، عواصم، ضغوط، قرارات،
لكن الداخل…
كان جالسًا في المقاعد،
لا في المعادلة.
لم يقف أحد ليقول:
إن ما بعد الإبادة ليس كما قبلها.
لم يقل أحد إن الخطة التي تُعرض باسم “المرحلة الثانية”
هي استكمال ناعم لمجزرة خشنة.
لم يقل أحد إن غزة التي تُغرقها الأمطار
وتقتلها الخيام
وتطردها الجرافات
لا تُدار ببيانات.
لم يقل أحد إن القدس حُسم أمرها في لحظة غياب،
وأن استعادتها لا تمر عبر الصياغات الدبلوماسية وحدها.
لم يقل أحد إن الوحدة الوطنية
ليست شرطًا يُطلب،
بل نتيجة تُبنى.
لم يقل أحد إن الحركة التي لا تُراجع ذاتها
في لحظة تاريخية فاصلة
تتحول، دون أن تشعر،
من حامل سياسي
إلى شاهد.
الحاضر الذي لم يدخل القاعة
كان الحاضر خارج القاعة.
في المخيمات التي تُهدم ثم تُهدم مرة أخرى.
في البيوت التي بلا جدران.
في الأسر التي تحصي أبناءها بالأسماء لا بالأرقام.
في الفتحاويين المنتشرين في الجغرافيا،
يحملون الاسم،
ولا يجدون التنظيم.
كان الحاضر يسأل،
لكن السؤال لم يُدعَ إلى الجلسة.
المؤتمر… أي مؤتمر؟
الموعد حُدد.
الشعار جاهز.
التحضيرات ستُصادق عليها الأطر نفسها.
لكن المؤتمر، أي مؤتمر،
ليس قاعة ولا منصة ولا لافتة.
المؤتمر هو:
هل ستُعاد الحركة إلى أهلها؟
أم سيُعاد ترتيبها فوق رؤوسهم؟
هل سيكون مساحة مواجهة شجاعة؟
أم طقس عبور آمن؟
هل سيُولد معنى جديد قادر على الحمل؟
أم سنكتفي بتجميل الحمل القديم
حتى لا يظهر التعب؟
في ذلك الاجتماع،
لم يسقط شيء،
ولم يُبنَ شيء.
لكن ما كان يجب أن يُقال،
ظل معلقًا في الهواء،
كأنه ينتظر من يلتقطه.
القضية أكبر من موعد،
وأثقل من بيان،
وأعمق من خطاب.
القضية تحتاج حاملًا
لا يخاف من السؤال،
ولا يختبئ خلف الصمت،
ولا يخلط بين الموقع والمعنى.
فتح…
إما أن تكون مرة أخرى معنى يُحتمل،
أو ستبقى اسمًا يتردّد
بين جدران صامتة.
والتاريخ…
لا ينتظر أحدًا طويلًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
11/1/2026
لم تُكسر الطاولات.
لم تُرفع الأصوات.
لم تُسجَّل اعتراضات.
كان كل شيء هادئًا… أكثر مما يجب.
قاعة مكتملة الحضور،
وجوه تعرف بعضها منذ زمن طويل،
كلمات مرتّبة،
بيان منضبط،
موعد مُعلن،
وشعار لامع يلمع فوق التاريخ.
كل شيء كان في مكانه.
إلا شيء واحد.
الصمت.
ذلك الصمت الذي لا يعني التوافق،
بل يعني أن الجميع يعرف السقف،
ويعرف ما الذي لا يُقال،
ويعرف ثمن الخروج عن النص.
في هذا الاجتماع، لم يتكلم أحد…
لكن القاعة كانت مليئة بالأصوات.
أصوات مؤجلة.
أصوات مؤجلة منذ سنوات.
أصوات تعرف أن الكلام لا يُكافأ،
وأن الصمت، أحيانًا، وظيفة.
البيان قال كل ما يجب أن يُقال وطنيًا.
غزة، القدس، الأسرى، الشهداء، اللاجئون، الوحدة، المقاومة الشعبية، الرفض، الصمود.
كلمات لا يختلف عليها اثنان.
كلمات محفوظة في الذاكرة الوطنية كما تُحفظ الأغاني القديمة.
لكن البيان لم يقل:
كيف؟
لم يقل من يحمل هذا كله؟
ولم يقل بأي أدوات؟
ولم يقل: من يدفع الثمن حين تفشل الكلمات؟
كان البيان يشبه خارطة جميلة،
لكن بلا طرق،
وبلا مركبات،
وبلا بشر يسيرون عليها.
خطاب الدولة… وحيرة الحركة
الخطاب كان خطاب دولة.
إصلاح.
انتخابات.
دستور.
قانون أحزاب.
قانون واحد.
سلاح واحد.
لغة مستقيمة، منطقية،
لكنها لغة كُتبت على ورق نظيف،
في وقتٍ كانت الأرض تحته موحلة.
غزة تُذكر كوحدة جغرافية،
لكنها غائبة كحضور سياسي حي.
الوحدة تُرفع شعارًا،
لكن شروطها تُلقى من أعلى،
لا تُنسج من القاعدة.
العالم حاضر بقوة:
مؤتمرات، عواصم، ضغوط، قرارات،
لكن الداخل…
كان جالسًا في المقاعد،
لا في المعادلة.
لم يقف أحد ليقول:
إن ما بعد الإبادة ليس كما قبلها.
لم يقل أحد إن الخطة التي تُعرض باسم “المرحلة الثانية”
هي استكمال ناعم لمجزرة خشنة.
لم يقل أحد إن غزة التي تُغرقها الأمطار
وتقتلها الخيام
وتطردها الجرافات
لا تُدار ببيانات.
لم يقل أحد إن القدس حُسم أمرها في لحظة غياب،
وأن استعادتها لا تمر عبر الصياغات الدبلوماسية وحدها.
لم يقل أحد إن الوحدة الوطنية
ليست شرطًا يُطلب،
بل نتيجة تُبنى.
لم يقل أحد إن الحركة التي لا تُراجع ذاتها
في لحظة تاريخية فاصلة
تتحول، دون أن تشعر،
من حامل سياسي
إلى شاهد.
الحاضر الذي لم يدخل القاعة
كان الحاضر خارج القاعة.
في المخيمات التي تُهدم ثم تُهدم مرة أخرى.
في البيوت التي بلا جدران.
في الأسر التي تحصي أبناءها بالأسماء لا بالأرقام.
في الفتحاويين المنتشرين في الجغرافيا،
يحملون الاسم،
ولا يجدون التنظيم.
كان الحاضر يسأل،
لكن السؤال لم يُدعَ إلى الجلسة.
المؤتمر… أي مؤتمر؟
الموعد حُدد.
الشعار جاهز.
التحضيرات ستُصادق عليها الأطر نفسها.
لكن المؤتمر، أي مؤتمر،
ليس قاعة ولا منصة ولا لافتة.
المؤتمر هو:
هل ستُعاد الحركة إلى أهلها؟
أم سيُعاد ترتيبها فوق رؤوسهم؟
هل سيكون مساحة مواجهة شجاعة؟
أم طقس عبور آمن؟
هل سيُولد معنى جديد قادر على الحمل؟
أم سنكتفي بتجميل الحمل القديم
حتى لا يظهر التعب؟
في ذلك الاجتماع،
لم يسقط شيء،
ولم يُبنَ شيء.
لكن ما كان يجب أن يُقال،
ظل معلقًا في الهواء،
كأنه ينتظر من يلتقطه.
القضية أكبر من موعد،
وأثقل من بيان،
وأعمق من خطاب.
القضية تحتاج حاملًا
لا يخاف من السؤال،
ولا يختبئ خلف الصمت،
ولا يخلط بين الموقع والمعنى.
فتح…
إما أن تكون مرة أخرى معنى يُحتمل،
أو ستبقى اسمًا يتردّد
بين جدران صامتة.
والتاريخ…
لا ينتظر أحدًا طويلًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
11/1/2026