يحيى بركات - القدس حين يُغلق الصف التعليم… والثقافة… كفعل بقاء لا كإجراء إداري

في القدس،
لا يبدأ الصباح بجرس المدرسة،
بل بعدد الأبواب التي لم تُفتح.
ذلك الإثنين،
12 كانون الثاني 2026،
لم يكن يومًا دراسيًا عابرًا.
كان علامة.
إشارة صغيرة،
لكنها كاشفة لمسار طويل اعتادت المدينة أن تقرأه في التفاصيل.
علّقت المدارس المسيحية الدوام.
الخبر بدا إداريًا،
لكن الصمت الذي تلاه كان أثقل من الإعلان.
المعلّمون عالقون خلف الحواجز،
والسبّورات تنتظر أصواتًا تعرفها،
والمدينة تُختَبَر مرة أخرى:
هل ستعتاد الغياب؟
البيان الصادر عن الكنيسة، بصوت عطا الله حنا،
لم يكن احتجاجًا لغويًا،
بل تسمية دقيقة لما يحدث:
منعٌ منظّم للمعلمين القادمين من الضفة الغربية،
تعليقٌ للتعليم،
وضربٌ مباشر لفكرة أن القدس مدينة مفتوحة لأهلها.
قال البيان بوضوح لا يحتمل التأويل:
لسنا قدسًا هنا وضفة هناك.
نحن شعب واحد.
وما يجري سياسة فصل عنصري،
تُدرّب الفلسطيني على التعايش مع المنع،
ثم تطلب منه لاحقًا ألّا يسأل لماذا ابتعد.
ومن هذه النقطة،
ينساب المشهد إلى قراءة أخرى لا تصرخ،
بل تُفكّك.
في نص مالك زبلح،
لا يُعامل تعليق الدوام كحادثة،
بل ككاشف لمسار بدأ منذ 1967،
وتكثّف بعد 2017،
حين دخل التعليم قلب السياسات،
وصار أداة لإدارة الزمن وتوجيه المستقبل،
لا مجرّد صف وكتاب.
لا يقول مالك إن المدرسة أُغلقت،
بل إن الاستقرار نفسه صار مهددًا.
طالب يدخل صفّه وهو يعرف أن معلمه قد لا يأتي غدًا،
لأن تصريحًا لم يُجدَّد.
مدرسة تعيد ترتيب جدولها أسبوعًا بعد أسبوع،
تحسّبًا لأي طارئ إداري.
وعائلة تفاضل بين “استقرار تمويلي”
وهوية تُدفع ثمنًا يوميًا.
هكذا، بهدوء،
يتحوّل الحق إلى امتياز،
والتعليم إلى مسار “آمن”
شرط أن يكون منزوع الجذور.
هنا،
يلتقي البيان بالمقال.
الكنيسة تقدّم المثال الحي:
غالبية معلّمي المدارس المسيحية في القدس من الضفة الغربية،
من بيت لحم تحديدًا،
معلّمون متمكنون ومخلصون،
يُمنعون لا لخلل مهني،
بل لأن وجودهم ذاته غير مرغوب فيه.
ومالك يضع المثال في إطاره الأوسع:
استهداف المعلّم ليس استهداف وظيفة،
بل قطع حلقة المعرفة الوطنية.
المعلّم حامل لغة وسياق وذاكرة،
وحين يُقصى خريج الجامعة الفلسطينية،
يُقصى معه كل ما يحمله من علاقة بالمكان.
الأخطر أن كل ذلك لا يُقدَّم كقمع صريح،
بل كإجراءات إدارية:
تصاريح،
تمويل مشروط،
مواءمة مناهج،
وإغلاق “مؤقت”.
لكن المؤقت في القدس
يميل دائمًا إلى أن يصبح دائمًا.
ومن التعليم،
ينساب المشهد إلى فضاءات أخرى لا تقل خطورة.
تُمنع طرق الوصول إلى المساجد والكنائس،
حتى في الأعياد.
تُضيَّق الاحتفالات الدينية،
ويُسوَّق للعالم ادعاء “حرية الأديان”،
بينما يُمنع المسيحي والمسلم معًا
من الوصول إلى مقدساتهما.
الاستهداف لا يميّز بين دين ودين،
بل بين أصيل ومفروض عليه أن يكون ضيفًا في مدينته.
في القدس،
يُعاد تعريف المكان:
حائط إسلامي يُعاد تسميته،
أنفاق تُحفر تحت المسجد الأقصى المبارك،
رموز تُزرع بحثًا عن رواية لم تثبتها الأرض.
وحين لا يعطي الحجر ما يكفي،
يُستهدف الإنسان…
تعليمه، وعبادته، وثقافته.
وهنا تتسع الدائرة أكثر.
ما يُغلق في القدس لا يقتصر على الصفوف الدراسية.
ما يُغلق هو الهواء نفسه.
يُغلق المسرح،
كأن الخشبة أخطر من البندقية.
تُغلق المراكز الثقافية،
لأن الذاكرة حين تُنظَّم تصبح مقاومة.
تُغلق مراكز البحث،
لأن السؤال الحرّ يربك الرواية الجاهزة.
تُغلق المكاتب الإعلامية،
كي لا تُروى القصة من زاوية أهلها.
وتُستهدف خدمات الأونروا،
تعليمًا وصحةً وإغاثة،
لا لأنها فشلت،
بل لأنها تُذكّر العالم بأن في هذه المدينة لاجئين
لم تنتهِ حكايتهم.
هكذا تُدار القدس:
إغلاق فوق إغلاق،
باب خلف باب،
في التعليم،
في الثقافة،
في الفن،
في التراث،
في العبادة،
وفي الحق البسيط أن تكون المدينة لأهلها.
ومع ذلك…
لا تمرّ هذه السياسات.
لا تمرّ لأن المسرح، وإن أُغلق،
يبقى في الذاكرة.
ولأن المدرسة، وإن عُلّق دوامها،
تبقى فكرة.
ولأن الكنيسة والمسجد،
مهما ضُيّق عليهما،
يحملان في جدرانهما
ما لا تستطيع الحواجز مصادرته.
القدس،
بشعبها الفلسطيني،
بمسيحييها ومسلميها،
بمثقفيها ومعلميها وفنانيها،
لا تتعامل مع الإغلاق كقدر،
بل كمعركة صبر طويلة.
وهنا تحديدًا،
يصبح بيان الكنيسة ومقال مالك زبلح
أكثر من موقفين.
يصبحان مفتاحين لقراءة ما هو أبعد من المدارس:
تسميةٌ للظلم باسمه،
وتفكيكٌ لآلياته.
في القدس،
قد يُمنع الإنسان من الوصول إلى مدينته،
لكن المدينة نفسها
لم تتعلّم يومًا
كيف تغادر أهلها.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى