في البدء، لا شيء يبدو استثنائيًا.
حين تخرج الشوارع عن النصّ…
ومن يصدق أكثر:
من يصرخ منذ عقود
أم من اكتشف الألم فجأة؟
حشود.
شوارع ممتلئة.
غضب يتسرّب من الأرصفة إلى الهواء.
لكن، حين نُمعن النظر، نكتشف أن ما نراه ليس مشهدًا واحدًا، بل زمنين متوازيين يتقاطعان على شاشة العالم.
في المدن الأمريكية، يخرج الناس الآن.
الآن فقط.
كأنهم استيقظوا فجأة على صوتٍ لم يكن مسموعًا من قبل.
يخرجون احتجاجًا على القمع، على اللون، على الأصل، على الاسم، على سياسة قرّرت أن الإنسان قابل للتصنيف… ثم للإقصاء.
وفي إيران،
يخرج الناس منذ عقود.
ليس لأنهم فوجئوا، بل لأنهم لم يعودوا يملكون ترف الدهشة.
هناك، لا تحتاج الشوارع إلى مناسبة.
العملة تتآكل كما تتآكل الأعصاب.
الاقتصاد ينهار ببطءٍ مدروس.
والحصار لا يُرى، لكنه يُحسّ في الخبز، وفي الدواء، وفي الوقت الذي لا يمرّ.
يُقال إن السبب داخلي.
ويُقال إن السبب خارجي.
والحقيقة أن الاثنين يذوبان في بعضهما كما يذوب الصوت في الصدى.
إيران تدفع ثمن سياسة مواجهة مفتوحة مع كيانٍ لا يعترف بوجودها أصلًا،
كيانٍ يضرب، ثم يطلب المزيد من الضرب،
يقصف، ثم يطالب بإعادة القصف،
ويحرّض على إسقاط منظومة حكم كاملة،
حتى لو كان الثمن اشتعال الإقليم كله.
ورغم إعلان الاستعداد للتفاوض،
يبقى الصوت الأعلى هو صوت التحريض.
ليس لأن التفاوض مستحيل،
بل لأن الحرب… مربحة سياسيًا لمن لا يعيشها.
أما في أمريكا، فالقصة تُروى بطريقة أخرى.
لا حصار خارجي،
بل قمع داخلي مُقنَّع بالقانون.
سياسة ترى في العِرق مشكلة،
وفي المهاجر خطرًا،
وفي الفقر خطأً أخلاقيًا.
هنا، الاحتجاج سياسي بحت.
غضب من رئيس لا يرى في السلطة مسؤولية، بل صفقة.
يمدحك اليوم، ويطعن حليفك غدًا.
يفاوضك بابتسامة، ويقصفك بتغريدة.
لا يعنيه أن يخسر أصدقاءه،
لأنه مقتنع أن الجميع يحتاجه…
وهذا أخطر أوهام الإمبراطوريات قبل سقوطها.
النتيجة؟
تصدّع في الحلف الغربي.
ارتباك في الأطلسي.
وابتزاز سياسي لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.
وهنا السؤال الذي لا يُطرح عادة:
أيّ المظاهرات أكثر صدقًا؟
تلك التي خرجت فجأة، أم تلك التي لم تتوقف أصلًا؟
ربما الصدق ليس في عدد الحشود،
بل في الزمن الذي تحمّلته الأجساد قبل أن تصرخ.
إيران تصرخ منذ زمن طويل.
وأمريكا بدأت الآن تسمع صوتها الداخلي.
لكن لماذا، رغم كل هذا،
لا تشبع إسرائيل من الحرب؟
لماذا تريد الحرب… ثم الحرب… ثم ما بعدها؟
لأن الحرب، عند كيان الاحتلال،
ليست وسيلة…
بل حالة وجود.
منذ حرب الإبادة الأخيرة في غزة،
والدم لم يجف.
القتل لم يكن ذروة،
بل عادة.
غزة كانت المختبر العاري،
والضفة تُستكمل الآن،
لكن بلا ضجيج…
إبادة ناعمة،
كما تُدار الصفقات،
وكما يُحبّها عصر ترامب:
خنق بلا صورة،
وموت بلا عنوان.
وقبل غزة،
كان العراق.
بلدٌ أُعيد إلى الصفر،
لا لأنه شكّل خطرًا،
بل لأنه كان يجب أن يختفي كنموذج.
ثم سوريا،
كي لا تقوم دولة.
ثم ليبيا،
كي لا يستقر بلد.
ثم السودان،
كي لا يهدأ إقليم.
ثم لبنان،
كي يبقى على حافة الانفجار،
لا حيًّا ولا ميتًا.
كل هذه الحروب،
وما زال الغليل لم يُشفَ.
لأن إسرائيل لا تبحث عن نصر نهائي.
النصر النهائي يعني نهاية الوظيفة.
والكيانات الوظيفية تخاف السلام
أكثر مما تخاف الحرب.
إيران، في هذا السياق،
ليست خطرًا نوويًا فقط،
بل خطر النجاة خارج المنظومة.
خطر دولة لا تنهار رغم الحصار.
خطر نظام لم يسقط رغم العقوبات.
ولهذا،
إذا ضُربت إيران،
فلن تكون وحدها.
لبنان سيتلقى الضربة الأقسى.
الجنوب سيُعاد تعريفه.
سيُقال: تطهير.
سيُقال: أمن.
وسيُخفى المعنى الحقيقي:
إعادة رسم الخريطة بالنار.
إسرائيل لا تريد حربًا واحدة.
تريد سلسلة حروب،
كي يبقى الإقليم متحركًا،
مكسورًا،
غير قادر على التماسك.
أما نتنياهو،
فهو لا يخاف الحرب،
حتى لو احترق كيانه معها.
لأن القادة الذين يعيشون على حافة السقوط
يفضلون نهاية كارثية
على بقاء يُحاسَبون فيه.
وهكذا،
يتسارع الزمن.
ليس لأن التاريخ كتب ذلك،
بل لأن البشر يدفعونه بأيديهم نحو الحافة.
قد تبدأ الحرب إقليمية.
قد تُدار بالوكالة.
قد تُسوَّق باعتبارها “ضرورة”.
وقد تتحول، بهدوءٍ مخيف، إلى حرب عالمية بلا إعلان ولا نشيد.
لا نبوءات هنا.
ولا قدر مكتوب.
هناك فقط قادة بلا أخلاق،
وأنظمة تعيش على الخوف،
واقتصادات تحتاج الدم كي تستمر.
الحرب لا تأتي لأنها حتمية،
بل لأنها مفيدة لمن لا يدفع ثمنها.
أما الخلاص؟
فليس مؤجَّلًا…
هو ببساطة غير مطروح على الطاولة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
13/1/2026
حين تخرج الشوارع عن النصّ…
ومن يصدق أكثر:
من يصرخ منذ عقود
أم من اكتشف الألم فجأة؟
حشود.
شوارع ممتلئة.
غضب يتسرّب من الأرصفة إلى الهواء.
لكن، حين نُمعن النظر، نكتشف أن ما نراه ليس مشهدًا واحدًا، بل زمنين متوازيين يتقاطعان على شاشة العالم.
في المدن الأمريكية، يخرج الناس الآن.
الآن فقط.
كأنهم استيقظوا فجأة على صوتٍ لم يكن مسموعًا من قبل.
يخرجون احتجاجًا على القمع، على اللون، على الأصل، على الاسم، على سياسة قرّرت أن الإنسان قابل للتصنيف… ثم للإقصاء.
وفي إيران،
يخرج الناس منذ عقود.
ليس لأنهم فوجئوا، بل لأنهم لم يعودوا يملكون ترف الدهشة.
هناك، لا تحتاج الشوارع إلى مناسبة.
العملة تتآكل كما تتآكل الأعصاب.
الاقتصاد ينهار ببطءٍ مدروس.
والحصار لا يُرى، لكنه يُحسّ في الخبز، وفي الدواء، وفي الوقت الذي لا يمرّ.
يُقال إن السبب داخلي.
ويُقال إن السبب خارجي.
والحقيقة أن الاثنين يذوبان في بعضهما كما يذوب الصوت في الصدى.
إيران تدفع ثمن سياسة مواجهة مفتوحة مع كيانٍ لا يعترف بوجودها أصلًا،
كيانٍ يضرب، ثم يطلب المزيد من الضرب،
يقصف، ثم يطالب بإعادة القصف،
ويحرّض على إسقاط منظومة حكم كاملة،
حتى لو كان الثمن اشتعال الإقليم كله.
ورغم إعلان الاستعداد للتفاوض،
يبقى الصوت الأعلى هو صوت التحريض.
ليس لأن التفاوض مستحيل،
بل لأن الحرب… مربحة سياسيًا لمن لا يعيشها.
أما في أمريكا، فالقصة تُروى بطريقة أخرى.
لا حصار خارجي،
بل قمع داخلي مُقنَّع بالقانون.
سياسة ترى في العِرق مشكلة،
وفي المهاجر خطرًا،
وفي الفقر خطأً أخلاقيًا.
هنا، الاحتجاج سياسي بحت.
غضب من رئيس لا يرى في السلطة مسؤولية، بل صفقة.
يمدحك اليوم، ويطعن حليفك غدًا.
يفاوضك بابتسامة، ويقصفك بتغريدة.
لا يعنيه أن يخسر أصدقاءه،
لأنه مقتنع أن الجميع يحتاجه…
وهذا أخطر أوهام الإمبراطوريات قبل سقوطها.
النتيجة؟
تصدّع في الحلف الغربي.
ارتباك في الأطلسي.
وابتزاز سياسي لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.
وهنا السؤال الذي لا يُطرح عادة:
أيّ المظاهرات أكثر صدقًا؟
تلك التي خرجت فجأة، أم تلك التي لم تتوقف أصلًا؟
ربما الصدق ليس في عدد الحشود،
بل في الزمن الذي تحمّلته الأجساد قبل أن تصرخ.
إيران تصرخ منذ زمن طويل.
وأمريكا بدأت الآن تسمع صوتها الداخلي.
لكن لماذا، رغم كل هذا،
لا تشبع إسرائيل من الحرب؟
لماذا تريد الحرب… ثم الحرب… ثم ما بعدها؟
لأن الحرب، عند كيان الاحتلال،
ليست وسيلة…
بل حالة وجود.
منذ حرب الإبادة الأخيرة في غزة،
والدم لم يجف.
القتل لم يكن ذروة،
بل عادة.
غزة كانت المختبر العاري،
والضفة تُستكمل الآن،
لكن بلا ضجيج…
إبادة ناعمة،
كما تُدار الصفقات،
وكما يُحبّها عصر ترامب:
خنق بلا صورة،
وموت بلا عنوان.
وقبل غزة،
كان العراق.
بلدٌ أُعيد إلى الصفر،
لا لأنه شكّل خطرًا،
بل لأنه كان يجب أن يختفي كنموذج.
ثم سوريا،
كي لا تقوم دولة.
ثم ليبيا،
كي لا يستقر بلد.
ثم السودان،
كي لا يهدأ إقليم.
ثم لبنان،
كي يبقى على حافة الانفجار،
لا حيًّا ولا ميتًا.
كل هذه الحروب،
وما زال الغليل لم يُشفَ.
لأن إسرائيل لا تبحث عن نصر نهائي.
النصر النهائي يعني نهاية الوظيفة.
والكيانات الوظيفية تخاف السلام
أكثر مما تخاف الحرب.
إيران، في هذا السياق،
ليست خطرًا نوويًا فقط،
بل خطر النجاة خارج المنظومة.
خطر دولة لا تنهار رغم الحصار.
خطر نظام لم يسقط رغم العقوبات.
ولهذا،
إذا ضُربت إيران،
فلن تكون وحدها.
لبنان سيتلقى الضربة الأقسى.
الجنوب سيُعاد تعريفه.
سيُقال: تطهير.
سيُقال: أمن.
وسيُخفى المعنى الحقيقي:
إعادة رسم الخريطة بالنار.
إسرائيل لا تريد حربًا واحدة.
تريد سلسلة حروب،
كي يبقى الإقليم متحركًا،
مكسورًا،
غير قادر على التماسك.
أما نتنياهو،
فهو لا يخاف الحرب،
حتى لو احترق كيانه معها.
لأن القادة الذين يعيشون على حافة السقوط
يفضلون نهاية كارثية
على بقاء يُحاسَبون فيه.
وهكذا،
يتسارع الزمن.
ليس لأن التاريخ كتب ذلك،
بل لأن البشر يدفعونه بأيديهم نحو الحافة.
قد تبدأ الحرب إقليمية.
قد تُدار بالوكالة.
قد تُسوَّق باعتبارها “ضرورة”.
وقد تتحول، بهدوءٍ مخيف، إلى حرب عالمية بلا إعلان ولا نشيد.
لا نبوءات هنا.
ولا قدر مكتوب.
هناك فقط قادة بلا أخلاق،
وأنظمة تعيش على الخوف،
واقتصادات تحتاج الدم كي تستمر.
الحرب لا تأتي لأنها حتمية،
بل لأنها مفيدة لمن لا يدفع ثمنها.
أما الخلاص؟
فليس مؤجَّلًا…
هو ببساطة غير مطروح على الطاولة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
13/1/2026