لم تكن ليلة عاصفة عابرة.
كانت ليلة كاشفة.
هكذا كتب المخرج أيمن من غزة،
لا بوصف شاهدٍ محايد، بل كإنسان يقف في قلب المشهد:
خيام تتمزق تحت الريح،
بيوت مهدّمة تستسلم للمطر،
أطفال يرتجفون،
وأمهات يحتضنّ أجسادًا صغيرة كأنها آخر مدفأة في هذا العالم،
وآباء يقفون بلا حيلة،
ينظرون إلى السماء كما لو أنها قرار سياسي متأخر.
ما كُتب لم يكن تقريرًا عن الطقس.
كان تسجيلًا حيًّا لما بعد القصف،
للمشهد الذي لا تصوّره الكاميرات عادة:
حين تنسحب الطائرات،
ويبقى الناس وحدهم في مواجهة الطبيعة،
بلا سقف، بلا معبر، بلا يد تمتد.
في تلك الليلة، لم يبحث أحد عن الراحة.
كان البحث أبسط وأكثر فداحة:
زاوية جافة،
بقعة لا يغمرها الماء،
لحظة ينجو فيها الجسد من بردٍ يُشبه العقاب.
كبار السن، المرضى، الرضّع…
الجميع في مواجهة واحدة،
لا عدو ظاهر في الكادر،
لكن الحصار حاضر في كل تفصيلة:
في القماش الذي لا يصمد،
في الجدار المتشقق،
في الطريق المقطوعة أمام شاحنة لم تصل.
هنا بالضبط يتحوّل المشهد.
من إنساني إلى سياسي،
من طقس إلى جريمة.
العدو لم يختفِ.
هو موجود في الإغلاق،
في المعابر التي لم تُفتح،
في المساعدات التي عُلِّقت،
في القرار الذي ترك الناس يواجهون الشتاء بعد أن واجهوا النار.
المطر جاء في موسمه.
الرياح جاءت في وقتها.
لكن ما لم يأتِ هو ما كان يجب أن يأتي:
النجدة،
الممرات،
الحد الأدنى من الحماية.
وهكذا، تُستكمل الحرب بلا قصف.
يُستكمل الحصار بأدوات الطبيعة.
وتتحوّل السماء إلى شريك صامت
في مشهدٍ يعرف العالم تفاصيله…
ويشيح بصره.
في هذا الفراغ، كبر الصراخ.
أين العدالة؟
أين الإنسانية؟
أين العرب؟
أين المسلمون؟
صراخٌ كثيف،
صادق،
لكنه وحيد.
ومع التعب، ومع تراكم الفقد،
تحوّل الأمل إلى استعجال،
والاستعجال إلى ضغط،
والضغط إلى وهم خلاصٍ قريب:
اتفاق، هدنة، مخرج.
قيل إن التوقيع سيوقف النزيف.
قيل إن القبول سيحمي ما تبقى.
قيل إن السلاح صار عبئًا،
وإن النجاة تمرّ عبر التنازل.
لكن المشهد الآن يجيب.
بلا خطابة.
بلا شعارات.
العدو لم يكن يبحث عن نهاية الحرب،
بل عن نهاية إرهاقه.
عن حماية جيشه قبل موسم الأمطار.
عن عبور الشتاء بأقل كلفة ممكنة.
وعندما تحقّق ذلك،
تُرك الناس وحدهم،
في الخيام،
تحت السماء،
في مواجهة بردٍ لا يُحاكم.
هكذا يظهر الخداع في صورته الأوضح:
ليس في القصف،
بل فيما بعده.
ليس في المجزرة،
بل في إدارتها.
ليس في الدم،
بل في تحويل الطبيعة إلى أداة قتل بطيء.
وما بين هذا وذاك،
يظهر الغياب الأخطر:
غياب الحامل السياسي.
ما بعد الإبادة لا يُدار بالحلول المؤقتة،
ولا بتفريغ الضحية من أدوات بقائها،
ولا بتحويل المقاومة إلى مشكلة يجب التخلص منها.
ما بعد الإبادة يحتاج مشروعًا يعيد وصل الشعب بذاته،
لا سلطة تحمي ذاتها،
ولا خطابًا يطلب من المقهور أن يتخفف من أسباب صموده.
لكن الذي يتشكل هو انقسام صامت:
فئة تفاوض وتحسب المكاسب،
وشعب يُحاصر ويُجوّع ويُترك في العراء.
فئة تخشى على مواقعها،
وشعب يخشى على أطفاله من المطر.
العدو مستمر في حربه ليحمي نفسه من السقوط.
وفي الجهة الأخرى، يستمر ضغطٌ آخر،
لا يقل خطرًا،
يضغط لتجريد الشعب من عناصر قوته،
لتسويق الاستسلام بوصفه عقلانية،
ولتمرير التهجير والإبادة الناعمة
بلغة الخلاص.
هنا لا تكون المشكلة في غياب الحلول،
بل في غياب الإرادة لرؤية الشعب.
في انفصالٍ صارخ
بين من يحكم
ومن يعيش تحت نير الاحتلال،
والاستيطان،
وهجمات المستوطنين
المحمية بالسلاح والقانون.
ما كتبه أيمن من غزة ليس نصًا عاطفيًا.
إنه مشهد أخير مفتوح،
يُسأل فيه الجميع دون تسمية:
هل يُترك شعب كامل
ليُستكمل قتله بالبرد،
بينما يُدار المشهد بخطاب الخلاص؟
هذا ليس قدرًا.
هذا اختيار.
واختيار كهذا،
لا يصنع مستقبلًا،
بل يطيل السقوط.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
13/1/2025
كانت ليلة كاشفة.
هكذا كتب المخرج أيمن من غزة،
لا بوصف شاهدٍ محايد، بل كإنسان يقف في قلب المشهد:
خيام تتمزق تحت الريح،
بيوت مهدّمة تستسلم للمطر،
أطفال يرتجفون،
وأمهات يحتضنّ أجسادًا صغيرة كأنها آخر مدفأة في هذا العالم،
وآباء يقفون بلا حيلة،
ينظرون إلى السماء كما لو أنها قرار سياسي متأخر.
ما كُتب لم يكن تقريرًا عن الطقس.
كان تسجيلًا حيًّا لما بعد القصف،
للمشهد الذي لا تصوّره الكاميرات عادة:
حين تنسحب الطائرات،
ويبقى الناس وحدهم في مواجهة الطبيعة،
بلا سقف، بلا معبر، بلا يد تمتد.
في تلك الليلة، لم يبحث أحد عن الراحة.
كان البحث أبسط وأكثر فداحة:
زاوية جافة،
بقعة لا يغمرها الماء،
لحظة ينجو فيها الجسد من بردٍ يُشبه العقاب.
كبار السن، المرضى، الرضّع…
الجميع في مواجهة واحدة،
لا عدو ظاهر في الكادر،
لكن الحصار حاضر في كل تفصيلة:
في القماش الذي لا يصمد،
في الجدار المتشقق،
في الطريق المقطوعة أمام شاحنة لم تصل.
هنا بالضبط يتحوّل المشهد.
من إنساني إلى سياسي،
من طقس إلى جريمة.
العدو لم يختفِ.
هو موجود في الإغلاق،
في المعابر التي لم تُفتح،
في المساعدات التي عُلِّقت،
في القرار الذي ترك الناس يواجهون الشتاء بعد أن واجهوا النار.
المطر جاء في موسمه.
الرياح جاءت في وقتها.
لكن ما لم يأتِ هو ما كان يجب أن يأتي:
النجدة،
الممرات،
الحد الأدنى من الحماية.
وهكذا، تُستكمل الحرب بلا قصف.
يُستكمل الحصار بأدوات الطبيعة.
وتتحوّل السماء إلى شريك صامت
في مشهدٍ يعرف العالم تفاصيله…
ويشيح بصره.
في هذا الفراغ، كبر الصراخ.
أين العدالة؟
أين الإنسانية؟
أين العرب؟
أين المسلمون؟
صراخٌ كثيف،
صادق،
لكنه وحيد.
ومع التعب، ومع تراكم الفقد،
تحوّل الأمل إلى استعجال،
والاستعجال إلى ضغط،
والضغط إلى وهم خلاصٍ قريب:
اتفاق، هدنة، مخرج.
قيل إن التوقيع سيوقف النزيف.
قيل إن القبول سيحمي ما تبقى.
قيل إن السلاح صار عبئًا،
وإن النجاة تمرّ عبر التنازل.
لكن المشهد الآن يجيب.
بلا خطابة.
بلا شعارات.
العدو لم يكن يبحث عن نهاية الحرب،
بل عن نهاية إرهاقه.
عن حماية جيشه قبل موسم الأمطار.
عن عبور الشتاء بأقل كلفة ممكنة.
وعندما تحقّق ذلك،
تُرك الناس وحدهم،
في الخيام،
تحت السماء،
في مواجهة بردٍ لا يُحاكم.
هكذا يظهر الخداع في صورته الأوضح:
ليس في القصف،
بل فيما بعده.
ليس في المجزرة،
بل في إدارتها.
ليس في الدم،
بل في تحويل الطبيعة إلى أداة قتل بطيء.
وما بين هذا وذاك،
يظهر الغياب الأخطر:
غياب الحامل السياسي.
ما بعد الإبادة لا يُدار بالحلول المؤقتة،
ولا بتفريغ الضحية من أدوات بقائها،
ولا بتحويل المقاومة إلى مشكلة يجب التخلص منها.
ما بعد الإبادة يحتاج مشروعًا يعيد وصل الشعب بذاته،
لا سلطة تحمي ذاتها،
ولا خطابًا يطلب من المقهور أن يتخفف من أسباب صموده.
لكن الذي يتشكل هو انقسام صامت:
فئة تفاوض وتحسب المكاسب،
وشعب يُحاصر ويُجوّع ويُترك في العراء.
فئة تخشى على مواقعها،
وشعب يخشى على أطفاله من المطر.
العدو مستمر في حربه ليحمي نفسه من السقوط.
وفي الجهة الأخرى، يستمر ضغطٌ آخر،
لا يقل خطرًا،
يضغط لتجريد الشعب من عناصر قوته،
لتسويق الاستسلام بوصفه عقلانية،
ولتمرير التهجير والإبادة الناعمة
بلغة الخلاص.
هنا لا تكون المشكلة في غياب الحلول،
بل في غياب الإرادة لرؤية الشعب.
في انفصالٍ صارخ
بين من يحكم
ومن يعيش تحت نير الاحتلال،
والاستيطان،
وهجمات المستوطنين
المحمية بالسلاح والقانون.
ما كتبه أيمن من غزة ليس نصًا عاطفيًا.
إنه مشهد أخير مفتوح،
يُسأل فيه الجميع دون تسمية:
هل يُترك شعب كامل
ليُستكمل قتله بالبرد،
بينما يُدار المشهد بخطاب الخلاص؟
هذا ليس قدرًا.
هذا اختيار.
واختيار كهذا،
لا يصنع مستقبلًا،
بل يطيل السقوط.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
13/1/2025