في غزة لا تأتي الفتنة وهي تصرخ…
تأتي وهي تبتسم.
تُقدّم نفسها كإعلانٍ إداري:
“لجنة تكنوقراط”، “مجلس سلام”، “مرحلة ثانية”.
كلمات نظيفة كقميصٍ جديد،
لكن تحت القماش القديم ندبةٌ لم تُشفَ بعد:
من يملك الباب؟
من يملك المفتاح؟
ومن يُسمح له أن يعيش داخل البيت دون إذن؟
الأميركي يقول: إدارةٌ جديدة وإعمار…
ويضع على الطاولة كلمة واحدة تُخيف شعبًا عاش طويلًا على حافة الخبز: نزع السلاح.
والإسرائيلي يبتسم ابتسامة
“المُعطِّل المحترف” ويقول: كل شيء شكلي، أعيدوا ما أريد أولًا.
والوسطاء يباركون “التوافق”،
فيما الناس على الشاشات يفتشون عن أسماءٍ ليعبدوها أو ليشتموها،
كأن القضية صارت وظيفةً شاغرة، لا وطنًا تحت الاحتلال.
الخطر ليس أن تعود السلطة أو لا تعود،
ولا أن تُهزم حماس أو لا تُهزم.
الخطر أن تتحول المرحلة الثانية إلى ماكينة:
تُعيد ترتيب الداخل الفلسطيني على مقاس الشروط…
وتترك للاحتلال رفاهية أن يشاهدنا
ونحن نتشاجر على كرسيٍّ في غرفةٍ بلا سقف.
الخطر أن يُسمّى الضغط الاقتصادي “اختيارًا”،
وأن يُسمّى الانقسام “حلًا”،
وأن يُسمّى التحريض “فجر شرعية”.
لم تأتِ المرحلة الثانية هذه المرّة على هيئة قذيفةٍ تشقّ الليل،
ولا على هيئة خبرٍ عاجل يلمع ثم ينطفئ.
جاءت كتعليماتٍ إدارية…
كملفٍّ أزرق على طاولة،
كعبارةٍ مصقولة: “انتقال إلى المرحلة الثانية”.
وفي بلادٍ تعبت من الدم،
تبدو الكلمات النظيفة كأنها خلاص.
لكن غزة تعلّمت، من كثرة ما دُفعت إلى حافة الهاوية،
أن أجمل الكلمات قد تكون قفازًا أبيض
على يدٍ تُمسك بالخنجر.
الأميركي قالها بلهجة المالك الذي يوزّع الأدوار:
لجنة تكنوقراط لإدارة الحياة اليومية،
مجلس سلام،
إعادة إعمار،
وترتيبات أمن…
ثم وضع في منتصف الجملة حجرًا ثقيلًا،
لا يُقال بصراحة إلا حين يكون المقصود أن يُقال: نزع السلاح.
وحين تُقال هذه الكلمة على طاولةٍ ليست طاولتك،
تصبح “الإعمار” ليست حقًا… بل شرطًا،
وتصبح “الحياة” ليست حياة…
بل رخصةً قابلة للسحب.
الإسرائيلي، كعادته، لم يرفض ولم يوافق.
لا يحتاج إلى ذلك.
يكفيه أن يضع يده على زرّ الإعاقة:
مرة باسم الرهائن والجثامين،
ومرة باسم “الشكلية”،
ومرة باسم “الأمن”،
ومرة باسم “الضمانات”.
كلها كلمات تُشبه البراغي:
صغيرة في النص،
لكنها تُثبّت مشنقة كاملة فوق رقبة مدينة.
وفي كل مرة يُقال لك: انتظر…
انتظر قليلًا…
انتظر حتى تكتمل الشروط…
بينما التفاصيل وحدها
هي التي تأكل روح الناس ببطء،
كما يأكل الملح جسدًا لا يجد ماءً.
في الوسط، تتحرك دولٌ راعية وتُعلن ترحيبًا،
وتستعجل إدارة الحياة:
مصر، قطر، تركيا،
ومن خلفها دولٌ أخرى تُراقب.
على الورق يبدو الأمر محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن الورق لا يقول كل شيء.
لا يشرح كيف تتحول “الإدارة اليومية” إلى وصاية،
ولا كيف يتحول “التكنوقراط” إلى غطاء،
ولا كيف تُصبح اللجنة جسرًا
لا نعرف إلى أين يأخذنا:
إلى وحدة فلسطينية حقيقية…
أم إلى تفكيك فلسطيني أشدّ نعومة من الانقسام،
لكنه أكثر دوامًا.
أما عندنا…
فهنا يبدأ المشهد الأكثر حساسية.
ليس في غرفة مفاوضات،
بل على شاشات الهواتف،
وفي التعليقات،
وفي المزاج الذي يبدّل جلده بسرعة.
فجأة يحتفل البعض
كأن الوطن عاد بكلمة “الشرعية”،
وكأن غزة كانت خطأً إداريًا
سيُصحَّح بقرار تعيين.
وفجأة يُعلن آخرون الهزيمة أو النصر
قبل أن يتوقف النزف،
وتُفتح مخازن الشتائم الفصائلية
كما لو أنها مخازن قديمة
للملح والبارود.
هنا تحديدًا يظهر خطر المرحلة الثانية.
المرحلة الأولى كانت قاسية وواضحة:
نار فوق رأس الناس.
أما الثانية فناعمة،
تتسلل إلى الداخل
باسم التنظيم والبناء وضبط الأمن.
في الأولى كان العدو واضحًا:
طائرة، دبابة، قصف، حصار.
في الثانية يصبح أكثر تعقيدًا:
قرار مؤجَّل،
معبر يُفتح كمنّة ويُغلق كعقوبة،
مساعدات تُوزَّع كمكافأة،
وإعمار يُدار كمسطرة سياسية.
في المرحلة الأولى تُقتل الأجساد.
في الثانية يُعاد تشكيل الوعي،
وتُعاد صياغة المجتمع،
وتُعاد هندسة المعنى:
من هو “الوطني” ومن هو “الخائن”،
من هو “الشرعي” ومن هو “المليشياوي”،
من هو “ابن الدولة” ومن هو “ابن الفوضى”.
وأخطر ما في هذا كله…
أن الفتنة لا تحتاج إلى قرار رسمي كي تبدأ.
يكفيها خطاب واحد
مكتوب بلغة “حلوة”:
“فجر الشرعية يكسر عتمة الحكم الأسود”.
تُستدعى السنوات الماضية كجريمةٍ واحدة،
وتُختزل غزة في صورة سوداء،
وتُقدَّم “الشرعية” كطوق نجاة بلا ثمن،
وتُرمى الأسماء على الطاولة
كما تُرمى العظام في ساحة جوع.
كأن القضية صارت مسابقة وظائف،
لا شعبًا محاصرًا
يواجه احتلالًا
يملك السماء والبحر والحدود.
هذا النوع من الكتابة ليس بريئًا.
إنه يجهّز المسرح.
يبدأ بتطهيرٍ نفسيّ: “أنتم كنتم في وهم”.
ثم يمنح مخرجًا جاهزًا.
ثم يطلب التصفيق
قبل معرفة الشروط.
وحين يتعثر الواقع
—وسيتعثر —
تكون الفكرة قد زُرعت:
المشكلة ليست الاحتلال…
بل الداخل.
ومن هنا تبدأ الخصومة،
ثم المطاردة،
وربما الاقتتال.
المرحلة الثانية قادرة
على تنفيذ التهجير
دون أن ترفع لافتته.
يكفي أن تُدار الحياة
بضغطٍ محسوب:
اقتصاد لا يتنفس إلا بإذن،
فرص تُفتح لمن يغادر،
علاج مشروط،
تعليم مربوط بالتصاريح.
وحين يصبح البقاء
عذابًا منظّمًا،
سيُقال للناس: خرجتم باختياركم.
بينما الاختيار، في الحقيقة،
كان محاصرًا من كل الجهات.
وهي أخطر أيضًا
لأنها تُعيد إنتاج عبادة الأشخاص.
اسم يلمع…
فيُقدَّس أو يُلعن.
كأن المشكلة كانت دومًا اسمًا،
لا مشروعًا.
كأن غزة تحتاج إلى أبٍ جديد،
لا إلى وعيٍ جماعي.
أنا لا أكتب دفاعًا عن طرفٍ ضد طرف.
ولا أوزّع أحكامًا جاهزة.
أكتب لأن الخطر القادم
ليس قذيفة…
بل انقسام مُدار،
ووعي يُعاد تشكيله،
ومجتمع يُفكَّك
تحت لافتة البناء.
اللجنة — أيًّا كانت —
ليست فجرًا ولا لعنة.
هي أداة.
والأداة قد تكون جسرًا…
وقد تكون سكينًا
تمرّ بهدوء.
لا أحد يمتلك حق
تحويل غزة إلى مختبر
لإعادة ترتيب الفلسطينيين
على مقاس شروط الخارج.
ولا أحد يمتلك حق
تصوير ما يجري
كعودة دولة
بينما الاحتلال
جاثم على المعابر والسماء والبحر.
ولا أحد يمتلك حق
فتح مزاد التخوين والتمجيد
في لحظة
تحتاج إلى عقل بارد
وقلب ثابت.
غزة لا تحتاج إلى فجرٍ مزيف.
تحتاج إلى حماية وحدتها
من التحريض الناعم،
وحماية معنى المقاومة
من الابتزاز،
وحماية معنى الشرعية
من التحول إلى ختمٍ خارجي.
المرحلة الثانية
ليست عودة سلطة،
ولا هزيمة فصيل،
ولا انتصار أسماء…
هي مفترق طريق.
ما يُراد في هذه المرحلة
ليس أن يُسمع صوت القصف،
بل أن يتسرّب الشق من الداخل.
ليس أن نسقط دفعة واحدة،
بل أن نُستنزف
حتى نُخطئ المكان،
فنظن أننا ننجو
من نقاط ماء متفرقة،
لنجد أنفسنا
جالسين تحت تدفّقٍ كامل.
العدو لا يريد فقط أن يقتل،
بل أن يقنع الضحية
بأن الجريمة مسؤوليتها.
أن نقبل روايته،
وشروطه،
وحدود العيش
التي يرسمها لنا.
وحين ينشغل الداخل بنفسه،
يصبح الخارج حرًّا
في إتمام ما بدأه.
من يملك البصيرة
لن يُستدرج.
لن يرفع راية مبكرًا،
ولن يرمي حجرًا
في الاتجاه الخطأ.
سيبقى واقفًا
حيث يجب،
يحرس الاتجاه،
ويترك للمطر أن يسقط…
دون أن يغيّر بوصلته.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
تأتي وهي تبتسم.
تُقدّم نفسها كإعلانٍ إداري:
“لجنة تكنوقراط”، “مجلس سلام”، “مرحلة ثانية”.
كلمات نظيفة كقميصٍ جديد،
لكن تحت القماش القديم ندبةٌ لم تُشفَ بعد:
من يملك الباب؟
من يملك المفتاح؟
ومن يُسمح له أن يعيش داخل البيت دون إذن؟
الأميركي يقول: إدارةٌ جديدة وإعمار…
ويضع على الطاولة كلمة واحدة تُخيف شعبًا عاش طويلًا على حافة الخبز: نزع السلاح.
والإسرائيلي يبتسم ابتسامة
“المُعطِّل المحترف” ويقول: كل شيء شكلي، أعيدوا ما أريد أولًا.
والوسطاء يباركون “التوافق”،
فيما الناس على الشاشات يفتشون عن أسماءٍ ليعبدوها أو ليشتموها،
كأن القضية صارت وظيفةً شاغرة، لا وطنًا تحت الاحتلال.
الخطر ليس أن تعود السلطة أو لا تعود،
ولا أن تُهزم حماس أو لا تُهزم.
الخطر أن تتحول المرحلة الثانية إلى ماكينة:
تُعيد ترتيب الداخل الفلسطيني على مقاس الشروط…
وتترك للاحتلال رفاهية أن يشاهدنا
ونحن نتشاجر على كرسيٍّ في غرفةٍ بلا سقف.
الخطر أن يُسمّى الضغط الاقتصادي “اختيارًا”،
وأن يُسمّى الانقسام “حلًا”،
وأن يُسمّى التحريض “فجر شرعية”.
لم تأتِ المرحلة الثانية هذه المرّة على هيئة قذيفةٍ تشقّ الليل،
ولا على هيئة خبرٍ عاجل يلمع ثم ينطفئ.
جاءت كتعليماتٍ إدارية…
كملفٍّ أزرق على طاولة،
كعبارةٍ مصقولة: “انتقال إلى المرحلة الثانية”.
وفي بلادٍ تعبت من الدم،
تبدو الكلمات النظيفة كأنها خلاص.
لكن غزة تعلّمت، من كثرة ما دُفعت إلى حافة الهاوية،
أن أجمل الكلمات قد تكون قفازًا أبيض
على يدٍ تُمسك بالخنجر.
الأميركي قالها بلهجة المالك الذي يوزّع الأدوار:
لجنة تكنوقراط لإدارة الحياة اليومية،
مجلس سلام،
إعادة إعمار،
وترتيبات أمن…
ثم وضع في منتصف الجملة حجرًا ثقيلًا،
لا يُقال بصراحة إلا حين يكون المقصود أن يُقال: نزع السلاح.
وحين تُقال هذه الكلمة على طاولةٍ ليست طاولتك،
تصبح “الإعمار” ليست حقًا… بل شرطًا،
وتصبح “الحياة” ليست حياة…
بل رخصةً قابلة للسحب.
الإسرائيلي، كعادته، لم يرفض ولم يوافق.
لا يحتاج إلى ذلك.
يكفيه أن يضع يده على زرّ الإعاقة:
مرة باسم الرهائن والجثامين،
ومرة باسم “الشكلية”،
ومرة باسم “الأمن”،
ومرة باسم “الضمانات”.
كلها كلمات تُشبه البراغي:
صغيرة في النص،
لكنها تُثبّت مشنقة كاملة فوق رقبة مدينة.
وفي كل مرة يُقال لك: انتظر…
انتظر قليلًا…
انتظر حتى تكتمل الشروط…
بينما التفاصيل وحدها
هي التي تأكل روح الناس ببطء،
كما يأكل الملح جسدًا لا يجد ماءً.
في الوسط، تتحرك دولٌ راعية وتُعلن ترحيبًا،
وتستعجل إدارة الحياة:
مصر، قطر، تركيا،
ومن خلفها دولٌ أخرى تُراقب.
على الورق يبدو الأمر محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن الورق لا يقول كل شيء.
لا يشرح كيف تتحول “الإدارة اليومية” إلى وصاية،
ولا كيف يتحول “التكنوقراط” إلى غطاء،
ولا كيف تُصبح اللجنة جسرًا
لا نعرف إلى أين يأخذنا:
إلى وحدة فلسطينية حقيقية…
أم إلى تفكيك فلسطيني أشدّ نعومة من الانقسام،
لكنه أكثر دوامًا.
أما عندنا…
فهنا يبدأ المشهد الأكثر حساسية.
ليس في غرفة مفاوضات،
بل على شاشات الهواتف،
وفي التعليقات،
وفي المزاج الذي يبدّل جلده بسرعة.
فجأة يحتفل البعض
كأن الوطن عاد بكلمة “الشرعية”،
وكأن غزة كانت خطأً إداريًا
سيُصحَّح بقرار تعيين.
وفجأة يُعلن آخرون الهزيمة أو النصر
قبل أن يتوقف النزف،
وتُفتح مخازن الشتائم الفصائلية
كما لو أنها مخازن قديمة
للملح والبارود.
هنا تحديدًا يظهر خطر المرحلة الثانية.
المرحلة الأولى كانت قاسية وواضحة:
نار فوق رأس الناس.
أما الثانية فناعمة،
تتسلل إلى الداخل
باسم التنظيم والبناء وضبط الأمن.
في الأولى كان العدو واضحًا:
طائرة، دبابة، قصف، حصار.
في الثانية يصبح أكثر تعقيدًا:
قرار مؤجَّل،
معبر يُفتح كمنّة ويُغلق كعقوبة،
مساعدات تُوزَّع كمكافأة،
وإعمار يُدار كمسطرة سياسية.
في المرحلة الأولى تُقتل الأجساد.
في الثانية يُعاد تشكيل الوعي،
وتُعاد صياغة المجتمع،
وتُعاد هندسة المعنى:
من هو “الوطني” ومن هو “الخائن”،
من هو “الشرعي” ومن هو “المليشياوي”،
من هو “ابن الدولة” ومن هو “ابن الفوضى”.
وأخطر ما في هذا كله…
أن الفتنة لا تحتاج إلى قرار رسمي كي تبدأ.
يكفيها خطاب واحد
مكتوب بلغة “حلوة”:
“فجر الشرعية يكسر عتمة الحكم الأسود”.
تُستدعى السنوات الماضية كجريمةٍ واحدة،
وتُختزل غزة في صورة سوداء،
وتُقدَّم “الشرعية” كطوق نجاة بلا ثمن،
وتُرمى الأسماء على الطاولة
كما تُرمى العظام في ساحة جوع.
كأن القضية صارت مسابقة وظائف،
لا شعبًا محاصرًا
يواجه احتلالًا
يملك السماء والبحر والحدود.
هذا النوع من الكتابة ليس بريئًا.
إنه يجهّز المسرح.
يبدأ بتطهيرٍ نفسيّ: “أنتم كنتم في وهم”.
ثم يمنح مخرجًا جاهزًا.
ثم يطلب التصفيق
قبل معرفة الشروط.
وحين يتعثر الواقع
—وسيتعثر —
تكون الفكرة قد زُرعت:
المشكلة ليست الاحتلال…
بل الداخل.
ومن هنا تبدأ الخصومة،
ثم المطاردة،
وربما الاقتتال.
المرحلة الثانية قادرة
على تنفيذ التهجير
دون أن ترفع لافتته.
يكفي أن تُدار الحياة
بضغطٍ محسوب:
اقتصاد لا يتنفس إلا بإذن،
فرص تُفتح لمن يغادر،
علاج مشروط،
تعليم مربوط بالتصاريح.
وحين يصبح البقاء
عذابًا منظّمًا،
سيُقال للناس: خرجتم باختياركم.
بينما الاختيار، في الحقيقة،
كان محاصرًا من كل الجهات.
وهي أخطر أيضًا
لأنها تُعيد إنتاج عبادة الأشخاص.
اسم يلمع…
فيُقدَّس أو يُلعن.
كأن المشكلة كانت دومًا اسمًا،
لا مشروعًا.
كأن غزة تحتاج إلى أبٍ جديد،
لا إلى وعيٍ جماعي.
أنا لا أكتب دفاعًا عن طرفٍ ضد طرف.
ولا أوزّع أحكامًا جاهزة.
أكتب لأن الخطر القادم
ليس قذيفة…
بل انقسام مُدار،
ووعي يُعاد تشكيله،
ومجتمع يُفكَّك
تحت لافتة البناء.
اللجنة — أيًّا كانت —
ليست فجرًا ولا لعنة.
هي أداة.
والأداة قد تكون جسرًا…
وقد تكون سكينًا
تمرّ بهدوء.
لا أحد يمتلك حق
تحويل غزة إلى مختبر
لإعادة ترتيب الفلسطينيين
على مقاس شروط الخارج.
ولا أحد يمتلك حق
تصوير ما يجري
كعودة دولة
بينما الاحتلال
جاثم على المعابر والسماء والبحر.
ولا أحد يمتلك حق
فتح مزاد التخوين والتمجيد
في لحظة
تحتاج إلى عقل بارد
وقلب ثابت.
غزة لا تحتاج إلى فجرٍ مزيف.
تحتاج إلى حماية وحدتها
من التحريض الناعم،
وحماية معنى المقاومة
من الابتزاز،
وحماية معنى الشرعية
من التحول إلى ختمٍ خارجي.
المرحلة الثانية
ليست عودة سلطة،
ولا هزيمة فصيل،
ولا انتصار أسماء…
هي مفترق طريق.
ما يُراد في هذه المرحلة
ليس أن يُسمع صوت القصف،
بل أن يتسرّب الشق من الداخل.
ليس أن نسقط دفعة واحدة،
بل أن نُستنزف
حتى نُخطئ المكان،
فنظن أننا ننجو
من نقاط ماء متفرقة،
لنجد أنفسنا
جالسين تحت تدفّقٍ كامل.
العدو لا يريد فقط أن يقتل،
بل أن يقنع الضحية
بأن الجريمة مسؤوليتها.
أن نقبل روايته،
وشروطه،
وحدود العيش
التي يرسمها لنا.
وحين ينشغل الداخل بنفسه،
يصبح الخارج حرًّا
في إتمام ما بدأه.
من يملك البصيرة
لن يُستدرج.
لن يرفع راية مبكرًا،
ولن يرمي حجرًا
في الاتجاه الخطأ.
سيبقى واقفًا
حيث يجب،
يحرس الاتجاه،
ويترك للمطر أن يسقط…
دون أن يغيّر بوصلته.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي