سيدة بن جازية - جدتي لا تفارقني..

عيناي ثابتتان بالسقف، أرمق الثبات، حتى لاح طيف جدتي الحبيبة، هاجت بي الأشواق إلى طفولتي الأولى،
ما لم يغب عن ذاكرتي هو تفاصيل جسد جدتي وحنوّ جدتي ورسوم كطلاسم تفكّ شفرة ثقافة جيل جدتي، لم تغب عن ناظري أبجديّة وشمت سحنة جدتي...
كنت قد جاوزت الرابعة من عمري عندما أجبرتني الظروف على العيش في بيت جدتي، حينها تنفّست طعم الحرية اللذيذ، لم أعد أجبر على الانصياع لكل الأوامر، أنام متى أشاء و ألعب على امتداد اليوم دون انقطاع، حتى أنني بنيت عالما بثثت فيه روحا وقيما ومبادئ، كومة ألعابي كانت عائلتي، أحممهم يوميا و أعدّ لهم وجبات الطعام ، أحفّظهم بعض القرآن والأناشيد دون أن أنسى درس الحساب و المنطق ، وقبل النوم أحكي لهم أمتع الحكايا...
في بعض الأحيان تزورني جدتي في عالمي الأوحد لتراقب عائلتي الصغيرة والجميل أنها لم توبّخني قطّ رغم أنني كنت أسرق بعض أشيائها لأصنع منها ملابس دمايا أو أثاثها أو مأكلها....
لا زالت كفّها الحانية تربّت على كتفي و تمسح شعري الحريري و تهمس في أذني،لا تعيديها ثانية،استشيري قبل أخذ أي شيء، وإلا أعدتك إلى عائلتك،كان هذا التهديد يخيفني كثيرا،لأنني لو عدت سأحرم هذا النعيم،سأحرم من عائلة صنعتها بمخيّلتي وإرادتي ولن أقدر على حمل كل الأمتعة إلى بيتنا فأمي سترميها بالقمامة ولن ترحم دموعي،إنني أراها على جهل بحاجتي لعالمي الفسيح هذا عكس جديدتي الحنون كما أن بقية إخوتي الخمسة لن يرحموا عائلتي الخاصة وسيعملون على تدمير كل شيء ...

كيف سأعيد دفء دمايا وسكينتهم إن عدت لذلك العالم الجاف ، تعهّدت لجدتي أن لا أسرق ثانية ويا للروعة لقد أغدقت علي بكل غال و نفيس وزاد دلالها لي على حساب بقية من في البيت حتى صرت الأثيرة.
قرّرتُ أن انطلق في تقديم الدروس لكل دمايا وحملت لهم كل شغفي ومنايا حتى صاروا يعلمون أكثر مما أعلم، و يحفظون كل أسراري .
تمادى لعبي واستمتاعي وصار الجميع يعلم خبايا عالمي الجديد وحديثي للعبي وانهماكي كامل اليوم بتربيتهم
فخشي والدي عليّ من فرط الحرية وقرّر إعادتي إلى المعسكر بكل قوانينه الصارمة و إرهاصاته الكبيرة ...
منذ ذلك العهد اسودّت الدنيا في عيني وبتّ في أسوإ حال، فالنوم له توقيت معيّن والاستيقاظ كذلك كما أجبرت على المساهمة في شؤون البيت ؛ المسح والكنس والغسيل هو شاغل والدتي الوحيد وشيئا فشيئا تدرّبت على الطبخ واستشعرت الألم وأنا أدلف إلى الواقع الصعب في مقابل تخليّ عن عالم البراءة والطفولة والحرية، كنت أتمزّق بؤسا وابكي بحرقة خفية لفقداني عالمي الذي بنيته منذ زمن ببيت جدتي العزيزة.
افتقدت حنانها وعطفها وحرمت حرية اختيار لمجتي و فرصة الذهاب إلى دكان الجار لشراء ما لذ وطاب بتلك المليمات البسيطة فشحب وجهي و غابت عني الضحكة وأصبح البقية يسخرون مني يشمتون و يشتمون فانفصمت بكل وعي و دون وعي عن واقعهم .
سرت همهمة بين إخوتي أنني غير طبيعية وربما بي مسّ، لذا قرّرت التأقلم معهم ومسايرة نظامهم بل تفوّقت عليهم باستمالة حب أبي واهتمامه حتى صرت الأثيرة عنده كذلك وصار يغدقني حبا و حنانا وهدايا خفية عن الآخرين.
عندما طلبت مني المدرسة رسم شيء ما أحبه كنت دائما أرسم وجه جدتي وبعض الدمى وكلما تقدّمت في السن تزداد تلك الصورة وضوحا وكأنني أرسم وجها ثانيا للحرية علني أسترده. فلا استعمل غير اللون الوردي كخلفية لصوري، وفي زاوية خفية أخفي رسم وحش قذر يغتصب البراءة على شكل مربع بداخله عنكبوت خبيث يلتهم أزهارا و فراشات ...
طال مكوثي على حافة الذاكرة و الدمع ينهمر على الخدين، فارتديت عباءتي السوداء وقصدت المقبرة أهدي فاتحة وبعض الدعاء.

سيدة بن جازية
04/05/2022
تونس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى