أحمد عبدالله إسماعيل - استنزاف الروح...

وقفت "هناء" أمام نافذة غرفتها، تتابع خيوط الضوء الأخيرة وهي تنسحب من سماء المساء في انكسارٍ هادئ. ذكرتها لحظات الغروب بأن يومًا آخر من عمرها قد مضى، مجردًا من الدفء، تمامًا كما تتلاشى سنوات شبابها خلف وعود "الرخاء المنتظر". من خلفها، انبعث صوت برنامج تلفزيوني خافت، تخللته ضحكة اصطناعية لابنها "يوسف" وهو يداعب أخته الصغيرة "ليان"، محاولاً تعويضها عن غياب أبٍ لم تعرفه إلا كأيقونة جامدة على شاشة الهاتف، أو صوتًا يأتي عبر الهاتف من بلادٍ بعيدة.
التفتت "هناء" إلى والدها القابع في مقعده الهزاز، عيناه تغوصان في الفراغ وكأنه يقرأ كتابًا غير مرئي. ضجّ صمت الغرفة بنفس السؤال الذي يثقل كاهله: أكانت مباركته لزواجها من "خالد" قبل سبع سنوات ضمانًا لمستقبلها، أم حكمًا عليها بالسجن المؤبد في قفصٍ من ذهب؟
احتفلت "هناء" قبل أيام بعيد ميلادها التاسع والعشرين، لكن نظراتها تفيض بذبولٍ استوطن ملامحها قبل الأوان. تعيش حالة "انتظارٍ معلق"، كمن يقف على رصيف محطة مهجورة بلا جدول مواعيد. أما الزوج "خالد"، فهو مجرد "طيف في إطار"، رجل استبدل دفء العائلة ببرودة العملات الصعبة، وظن أن إيصالات التحويلات الشهرية هي "صكوك الغفران" عن غيابه الروحي والجسدي.
في غرفة الجلوس، ارتفع صوت "ليان" باكية: ماما.. يوسف ضربني!
رد يوسف بنبرة غاضبة متقطعة: أنتِ كاذبة! لم أضربك، فقط قلتُ لكِ اتركي لعبتي! أين أبي ليفهمكِ كل شيء؟!
ساد صمتٌ مفاجئ، قبل أن تهمس الطفلة بنبرةٍ هشّمت ما تبقى من صمود الأم: أين أبي؟ متى يعود؟
اختنقت هناء بمرارة الكلمات. اقتربت من والدها وجثت عند قدميه، وبدأت تبوح بصوتٍ يرتجف بوجعٍ عتيق:
- أبي.. أتذكر يوم تقدم خالد؟ وعدنا جميعًا بسنتين أو ثلاث ثم يعود. مضت سبع سنوات وأنا لا أعيش مع زوج، بل أدير وحشة عمري وحدي. أنا الأب والأم، الممرضة والمعلمة. بدأ يوسف يرفض الحديث معه، يقول: (لا أريد كلامًا.. أريد حضنًا). وليان تخشى الرجال لأنها لا تعرف معنى (الأب) إلا في الصور. ليس هذا ما وعدتني به الحياة.. كنتُ مستعدة للعيش في غرفة فوق السطح شريطة أن أشعر بوقع أنفاسه إلى جواري. المال يا أبي اشترى كل شيء.. إلا الحياة.
في ليلة الوداع الأخيرة، كان "خالد" ينظم حقيبته المكتظة بالهدايا. دخلت هناء الغرفة ووقفت كطيفٍ من الماضي، تنظر بذهول إلى ساعة ثمينة وضعها بجانب جهاز لوحي جديد.
قالت بهدوءٍ حاد كالسكين:
- لن يسألك يوسف عن هذه الساعة، سيسألك لماذا لم تحضر حفلته المدرسية. وليان لن تفرح بهذا الجهاز، بل ستختبئ خلفي حين تحاول حملها.
ارتبك خالد، وحاول الابتسام ببرود مدافعًا:
- هل هذا كل تقديرك؟ أعمل أربعة عشر ساعة يوميًا في اغترابٍ موحش لأضمن لكم حياة كريمة. أؤمن أفضل المدارس وأرقى الملابس.. ماذا تريدين أكثر؟
انفجرت هناء بوجعٍ حقيقي:
- أريدُ زوجًا لا صرافًا آليًا! أريد شريكًا يمرض لمرضي ويضحك لضحكي، لا ضيفًا يزورنا كل عام بضع ليالٍ؛ ليعاملني كمديرة حسابات تنفذ تحويلاته. لقد جربنا طريقتك لسبع سنوات، والنتيجة أننا تحولنا لغرباء تحت سقف واحد. ابقَ معنا.. بجسدك وروحك وإلا، فلنستعد جميعاً لعواقب غيابٍ لا نهاية له.
خيم صمتٌ مطبق، تلاقت فيه نظراتهما لأول مرة بصدقٍ جارح. أطرق خالد رأسه، وبدت عليه لأول مرة علامات الانكسار:
- تعتقدين أن الأمر سهل؟ هناك قروض، التزامات، وخوفٌ يسكنني من الفشل. لكنني.. أتساءل في لياليّ الباردة هناك: لمن أعمل؟ عندما يصمت يوسف أو تنظر لي ليان بشك.. أشعر أنني أخسر المعركة الحقيقية.
في صباح اليوم التالي، وقف خالد أمام الباب والحقيبة في يده، لكن وجدانه لم يكن نحو المطار، بل نحو الأطفال النائمين. همس لهناء بصوتٍ مرهق لكنه واثق:
- سأعود.. ولكن ليس كما كنت. أعطيني مهلة لترتيب أمر عودتي والبحث عن مشروع تجاري هنا، حتى لو بمكسب أقل. قد لا أستطيع البقاء اليوم، لكنني أعدكِ.. غيابي هذا سيكون الأخير.
أغلقت هناء الباب خلفه، وعيناها تفيضان بدموعٍ هي مزيجٌ من مخاض الألم وبشارة الأمل. عادت إلى والدها الذي مسح دمعتها بيده المرتجفة قائلاً:
البيوت يا بنيتي تُبنى بلحظات الحضور، لا بعطايا الغياب. لقد أعطيته الفرصة التي يستحقها كأبٍ ضل الطريق، وأعطيتِ نفسكِ الحق في حياةٍ حقيقية.
في تلك الليلة، عندما اتصل خالد كما اعتاد، التقطت ليان الهاتف قبل الجميع وهمست:
- بابا.. متى تعود؟ لماذا سافرت وتركتني؟!
- آخر مرة.
لكن الإجابة هذه المرة، لم تكن مجرد وعدٍ معلق في الهواء.
قصة جديدة
#أحمدعبدالله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى