أحمد عبدالله إسماعيل - الحمامة...

عقدت أمي أواصر المودة مع حمامتها البيضاء حتى غدت كفردٍ من العائلة، يربطنا بها أنسٌ لا يقطعه انقطاع. صارت تلك الروح الوديعة مستودع أسراري؛ أبثها زفرات حزني فتهدل مواساةً، وأشاركها ترانيم فرحي فترفرف ببهجةٍ تملأ الأرجاء.
ما زلتُ أذكر انحناءتي عليها بالأمس، حين همستُ لها وهي تنقر كفي بخفة: أيتها الصديقة، هل تدركين معنى أن يأتمنكِ إنسان على قلبه؟ فهزت رأسها وكأنها تفقه لغة الأرواح، وأطلقت هديلاً رخيمًا طمأنني أنَّ الوفاء لا يزال بخير.
لكنَّ الأمومة التي منحت الحياة قررت اليوم سلبها.
عدتُ من مدرستي والروح تتوق لذاك الاستقبال المعهود، فصدمتني عتبة الدار وهي "تنزف". رأيت لون الدم على السلم كخيانةٍ غير متوقعة للوفاء. وحين حان موعد الغداء، وُضع الصحنُ أمامي، فإذا بصديقتي التي اعتادت مخاطبة وجداني صباح مساء، قد تحولت إلى جثةٍ صامتة فوق تلال الأرز.
تصلبت يدي، وعجزت ملامحي عن استيعاب "الوليمة". لقد غادرتني الشهية إلى الأبد، واستوطن جوعٌ من نوعٍ آخر في أحشائي؛ ليس جوعًا لزادٍ أو طعام، بل هو سُعارٌ روحي يتضور شوقًا لرؤية ذاك الجناح وهو يرفرف، وذاك الصوت وهو يبعث الطمأنينة في زوايا البيت الذي صار اليوم، في عيني، مقفرًا وموحشًا.



أحمد عبدالله إسماعيل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى