لم يولد معظم شباب الغرب وهم يعرفون فلسطين.
ولدوا داخل رواية جاهزة، محكمة، تبدو أخلاقية بقدر ما تبدو سياسية: دولة صغيرة، ديمقراطية، محاصَرة، تقاتل لتبقى. وحكاية قديمة عن اضطهادٍ أوروبيٍّ كبير جرى تحويله إلى صكّ براءة دائم، وإلى حصانة تتقدم على كل سؤال.
ثم جاءت غزة. لا كخبرٍ عابر، بل كزمنٍ ممتد.
وللمرة الأولى، لم تعد الصورة تأتي بعد الحدث، بل معه. لم يعد القتل يحتاج إلى “من يشرحه”، لأن القتل صار يشرح نفسه بنفسه. هكذا بدأ شيءٌ ما ينكسر في الداخل الغربي: ليس موقفًا سياسيًا فقط، بل الثقة في صورة العالم كما قيل لهم إنها “صورة الحرية والقانون”.
لم يحدث التحول لأن التعاطف ازداد، بل لأن المعرفة استيقظت.
والمعرفة حين تستيقظ لا تصرخ بالضرورة… لكنها تفكك.
كان ما يحتاجه الوهم كي يبقى، هو المسافة: أن تظل فلسطين بعيدة، وأن يبقى العنف هناك “معقدًا”، وأن تظل الكلمات أعلى من الوقائع. لكن غزة أعادت تعريف المسافة: لم يعد “هناك” هناك، صار داخل الشاشة، داخل الوعي، داخل السؤال الذي لا يعود إلى مكانه بعد أن يخرج.
وهنا تبدأ اللحظة التي تتقدم فيها السياسة خطوة إلى الوراء، ويتقدم المعنى خطوة إلى الأمام:
هل يمكن لدولة تدّعي الديمقراطية أن تقوم على نظام فصلٍ دائم؟
هل يمكن للحداثة أن تتعايش مع إبادة تُبثّ في الزمن الحقيقي؟
هل يبقى القانون قانونًا حين لا يعمل إلا على الضعيف؟
لا حاجة إلى خطابات طويلة كي يبدأ الشك.
يكفي أن يتراكم السؤال ببطء… حتى ينهار ما حوله.
1) انكسار الرواية: حين لا تعود الكلمات أعلى من الوقائع
بعد غزة، لم يعد السؤال: “من على حق؟”
صار السؤال: “كيف كنا لا نرى؟”
وهذا التحول، في ذاته، زلزالٌ أخلاقي. لأنه لا يطعن موقفًا سياسيًا، بل يطعن في بنية المعرفة التي تربّى عليها جيلٌ كامل. حين يشعر شابٌ غربي أنه لم يُخدع بفلسطين فقط، بل خُدع بصورة بلاده عن نفسها، يتغير موضعه من العالم: لم يعد متفرجًا على “نزاع”، بل طرفًا في امتحانٍ أخلاقي يمسّه شخصيًا.
في الماضي، كانت الرواية تُنجز وظيفتها بمهارة:
تُعطي للعنف اسمًا يليق به كي يمرّ،
وتمنح للمحتل لغةً تليق به كي لا يُحاسَب.
لكن غزة جاءت لا لتكسر الحكاية فقط، بل لتكسر “آلية الحكاية”: الصورة التي كانت تُؤجَّل إلى ما بعد، جاءت في اللحظة ذاتها؛ والجريمة التي كانت تُمرَّر بالشرح، باتت تفرض نفسها بلا وسيط؛ والضحايا الذين كانوا يُختصرون إلى أرقام، صاروا وجوهًا وأسماء وصرخات خرجت من تحت الركام، ووصلت إلى هواتف العالم كأنها تقف عند باب البيت.
هناك، بدأ الشرخ الحقيقي:
لا شرخ السياسة، بل شرخ الشرعية.
2) الدولة التي لم تنجح في تعريف نفسها
في هذا الشقّ الذي فتحته غزة، يظهر صوتٌ من داخل البيت: إيلان بابيه.
ليس بوصفه شاهدًا “محايدًا”، بل بوصفه من يضع إصبعه على التناقض البنيوي: لا يمكن الجمع بين دولة تُعرّف نفسها على أساس ديني/قومي حصري وبين ديمقراطية فعلية.
هذه ليست جملة غضب. إنها جملة بنية.
الديمقراطية، كي تكون أكثر من صندوق اقتراع، تحتاج مواطنةً لا تُوزَّع على أساس الهوية، وحقوقًا لا تُمنح وفق السلالة، ومساواةً لا تظل معلّقة على شرط “الانتماء الصحيح”. الدولة التي تمنح حقوقها الكاملة على أساس “من أنت” قبل “ما حقك”، يمكنها أن تصنع انتخابات، ويمكنها أن تصنع برلمانًا، ويمكنها أن تصنع إعلامًا متطورًا… لكنها لن تصنع عدالة.
وهنا تصبح “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” ليست وصفًا، بل وظيفة: وظيفة تبريرية تسمح للعنف أن يُمارَس خارج مجال المحاسبة. فالديمقراطية، حين تُمنَح كهوية ثابتة، تُعفي صاحبها من السؤال، وتحوّل النقد إلى شكٍّ في النوايا لا في الوقائع.
لهذا يبدو الدعم الغربي لهذا الكيان ماديًا ونافذًا، لكنه هشّ أخلاقيًا.
وحين تنكسر الشرعية الأخلاقية، يبدأ العدّ العكسي حتى لو بقيت الدبابات في مكانها. التفكك لا يبدأ من الحديد… بل من العجز عن التبرير.
3) “دولة يهودا”: حين ينتقل المركز إلى المستوطنة
حين يتحدث بابيه عن “دولة يهودا”، فهو لا يقترح مصطلحًا لغويًا، بل يصف تحوّلًا داخليًا: الدولة التي نشأت في المستوطنات، بمنطق التفوق الديني والعرقي، باتت تتحكم بالمركز. لم تعد الضفة “هامشًا”، بل مختبرًا أنتج النموذج الذي تمدّد إلى الداخل.
هناك، في مساحة تُدار كأنها خارج القانون، تدرّبت الدولة على شكلها الأكثر صفاءً:
قوةٌ بلا مساءلة،
لغةٌ بلا اعتراف،
وحقٌّ حصري يُترجم على الأرض بخريطة تُبتلع كل يوم.
وحين يعود هذا “المختبر” ليصير هو القاعدة، يحدث ما يشبه الانقلاب الهادئ:
ليس انقلابًا على حكومة، بل انقلاب على فكرة الدولة نفسها.
تصير العلمانية عبئًا.
وتصير المساواة ترفًا.
ويصير السلام خطرًا على هوية تُبنى على الإقصاء.
هنا نفهم لماذا يغادر كثيرون ما يسمى “إسرائيل القديمة”.
ليس خوفًا من الفلسطيني فقط، بل رفضًا للعيش داخل نظام لم يعد يخفي طبيعته. دولة لا تريد مساواة، ولا تريد سلامًا، بل تريد اعترافًا دائمًا بحقها في استخدام القوة بلا قيد.
وهذا التحول الداخلي لا يحتاج إلى دعاية مضادة. يكفي أن يُرى.
4) من “النزاع” إلى “الإدارة”: حين تصبح الحياة ملفًا
لكن غزة، في هذه اللحظة، ليست مشهدًا منفصلًا.
هي ذروة لمسار طويل من التسمية الخاطئة، والتأطير الذي جعل الاحتلال “نزاعًا”، وجعل الجريمة “دفاعًا عن النفس”.
هذا ما يلتقطه تحليل خالد عطية حين يُعيد الحدث إلى مساره البنيوي: ما يجري ليس حربًا بين طرفين متكافئين، بل عنف استعماري يمتلك السيادة الكاملة ضد شعب محكوم بمنطق الاقتلاع والإدارة.
واللغة هنا ليست أداة وصف، بل أداة سيطرة.
في الجزائر كانت فرنسا تسمي الإبادة “عملية أمنية”.
وفي كينيا كان قمع ثورة الماو ماو “إعادة للنظام”.
وفي فلسطين، يُعاد تدوير القاموس ذاته: الاحتلال إدارة، والإبادة “تطهير” للواقع، والضحية “تهديد”.
الخطورة ليست فقط في القتل، بل في جعل القتل طبيعيًا.
وفي تحويل الزمان الفلسطيني إلى جدول خدمات: معبر يُفتح، معبر يُغلق، مساعدات تصل، مساعدات تُمنع… حتى يصبح وجود الإنسان ملفًا إداريًا، لا حقًا أصيلًا.
هنا يظهر المفصل: من السياسة إلى الإدارة.
من التحرر إلى “مرحلة ما بعد الحرب”.
من القضية إلى لجنة.
تتبدل الأسماء كثيرًا، والجوهر واحد: لجنة إدارية، ثم لجنة تنفيذية، ثم لجنة “سلام”. يتغير الغلاف، وتبقى اليد نفسها قريبة من المفتاح. كل فكرة تقول إنها ستُدار “مرحلة انتقالية” تحمل في داخلها خطرًا قديمًا: الوصاية. أن يُفصل القرار السيادي عن الحياة اليومية، وأن يُقال للناس إن المشكلة تقنية لا سياسية، وإن المطلوب كفاءة لا حرية.
في لحظة كهذه، يعود التاريخ على شكل فلاش باك لا يحتاج إلى إعلان.
لا يعود بوصفه سردًا قديمًا، بل بوصفه نسخة مبكرة من الأدوات ذاتها.
5) الفلاش باك الأول: الانتداب بوصفه تدريبًا على الوصاية
الانتداب البريطاني لم يكن مجرد فصلٍ إداري في كتب التاريخ، بل كان تدريبًا طويلًا على فصل الشعب عن قراره: وعد بلفور بوطن قومي، ومندوب سامٍ، وقوانين تُكتب فوق رأس البلاد لا من داخلها.
ومنذ البداية، كانت فلسطين تُدار كما تُدار الممتلكات: خطة تُرسم، ثم يُطلب من أصحاب المكان أن يتكيفوا معها.
هذا هو الخيط الذي لا ينقطع:
حين يُسحب القرار من الناس، لا يعودون شعبًا بالمعنى السياسي، بل “سكانًا” بالمعنى الإداري.
وحين يتحول الشعب إلى “سكان”، يصبح حقه قابلًا للتجزئة، وقابلًا للتأجيل، وقابلًا لأن يُدار كمنحة لا كأصل.
لهذا لا يأتي خطاب “ما بعد الحرب” من فراغ.
إنه امتداد منطقي لمنطق قديم: أن تُدار فلسطين، لا أن تتحرر.
6) الفلاش باك الثاني: حين تتحول اللغة إلى سلاح
ثم يعود الفلاش باك خطوة أخرى: حين تُعاد تعريف الأفعال لا لتتغير، بل لكي تُقبل.
التنظيمات الصهيونية المسلحة في زمن الانتداب نفّذت تفجيرات واغتيالات وأعمال عنف واسعة، من بينها تفجير فندق الملك داود. ما تغير لاحقًا لم يكن السجلّ، بل الاسم: ما كان يُسمّى إرهابًا صار “حرب استقلال”. وحين ينجح المشروع، يكتب هو الرواية. يصبح التفجير “ضرورة تاريخية”، والاغتيال “ثمن ولادة”، والقتل “تفصيلًا مؤسفًا” في طريق الدولة.
وفي الجهة المقابلة، يحدث القلب الأعنف: المقاومة الفلسطينية، بوصفها حقًا تكفله مبادئ تقرير المصير في القانون الدولي، تُعطّل لغويًا، لا نصيًا. لا يُلغى الحق، بل يُجرّم اسمه. يصبح المقاوم “إرهابيًا”، ويصبح المحتل صاحب “حق الدفاع عن النفس”.
هكذا ينقلب القانون إلى أداة ميزان قوة، لا إطار عدالة.
وهذا القلب الأول هو الذي يفسر القلوب اللاحقة.
وغزة ليست استثناءً… بل لحظة لم يعد ممكنًا فيها إخفاء القلب.
7) أوروبا: الجريمة المؤجلة
في هذا المسار، لا يمكن تجاهل الطبقة الأوروبية التي تقف خلف الحكاية.
أوروبا لم تحلّ عنصريتها تجاه اليهود ببناء أوروبا أقل عنصرية، بل نقلت المشكلة خارجها، وبنت “أوروبا أخرى” فوق شعبٍ آخر.
ليس هذا توصيفًا إنشائيًا، بل منطق تأسيسي: ضحايا الاضطهاد في أوروبا أُعيد توجيه مأساة كثير منهم نحو مكانٍ لا علاقة له بجريمة أوروبا الأصلية. ومع الوقت، صار الكيان يُعامل كامتداد للغرب لا ككيان في الشرق: لا تُسمّى الإبادة باسمها في خطاب رسمي، ولا تُدان كما تُدان جرائم في أماكن أخرى، لأن “الاستثناء” لا يُعامل كغيره.
هنا يصبح الكيان “كيانًا غربيًا” لا جغرافيًا، بل أخلاقيًا: يُدافَع عنه لأنه يعكس صورة يريد الغرب أن يراها عن نفسه، لا لأنه يستحق الدفاع.
وهنا تتضح مفارقة إضافية:
الانكشاف لا يحرج الكيان وحده… يحرج داعميه أمام شعوبهم.
الحكومات تبدو منفصلة أخلاقيًا عن مجتمعاتها. الجامعات التي تدرّس حقوق الإنسان تقمع طلابها حين يطالبون بتطبيقه. الإعلام الذي يدّعي المهنية يعيد إنتاج قاموس الاحتلال.
هذه الفجوة، حين تتسع، لا تبقى “نقاشًا” في الصفحات.
تصير سؤالًا يضغط على الدولة من داخلها:
كيف تدافع عن قيمٍ في خطابك، ثم تسحبها عند الامتحان؟
وهنا، تبدأ الحكاية بالانتقال من أوروبا إلى مكانٍ آخر أشد حساسية في تشكيل النظام العالمي: الولايات المتحدة… حيث تتقاطع الدولة مع اللوبي، والجامعة مع المموّل، والإعلام مع السوق، والانتخابات مع الخوف.
لم يعد ممكناً بعد غزة أن تُدار الحكاية بالطريقة القديمة.
الولايات المتحدة، التي اعتادت أن تمسك بالسردية كما تمسك بالميزان، وجدت نفسها هذه المرة في مواجهة شيء لا ينضبط. ليس لأن الوقائع جديدة، بل لأن زمن السيطرة على معناها انتهى.
في واشنطن، لم يكن الارتباك أخلاقيًا بقدر ما كان بنيويًا.
الدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الناعمة على فكرة “النظام الدولي القائم على القواعد”، وجدت نفسها مضطرة لتعليق هذه القواعد بندًا بندًا كي تحمي حليفًا لم يعد قابلاً للحماية الأخلاقية. هنا لا نتحدث عن ازدواجية معايير عابرة، بل عن انكشاف وظيفة القانون ذاته: متى يعمل، ولماذا، ولصالح من.
لم تعد المشكلة في استخدام الفيتو.
المشكلة أن الفيتو صار اعترافًا بالعجز عن الإقناع.
حين تحتاج القوة إلى التعطيل بدل الحُجّة، تكون قد خسرت المعنى حتى لو ربحت الجلسة.
وهنا تحديدًا، يبدأ التحول الأعمق في وعي الداخل الأمريكي.
جيل لم يعش الحرب الباردة، ولم يتربَّ على ثنائية “نحن أو الشيوعية”، ولم يحمل عقدة الخوف من انهيار النظام العالمي، رأى ما جرى في غزة خارج الاصطفاف التقليدي. لم يسأل: هل هذا يخدم مصالحنا؟ بل: ما الذي نخسره حين نبرر هذا الشكل من العنف؟
هذا الجيل لم يتأثر بخطابات البيت الأبيض، بل اصطدم بها.
رأى كيف تُستخدم كلمات مثل “الدفاع عن النفس” لتبرير حصار وتجويع، وكيف تُستدعى “القيم المشتركة” لتغطية قتلٍ ممنهج، وكيف يُطلب منه أن يثق بإعلام يشرح له ما يراه بعينيه على أنه “سياق معقّد”.
وهنا، لم تعد فلسطين قضية خارجية.
تحولت إلى مرآة داخلية تكشف التناقض بين ما يُقال وما يُفعل.
في الجامعات الأمريكية، لم يكن الصدام حول فلسطين فقط.
كان صدامًا حول تعريف المعرفة نفسها:
من يحدد ما هو مسموح قوله؟
من يرسم حدود النقاش؟
ومن يملك الحق في تسمية الجريمة؟
عندما تُتهم كلمة “إبادة” بمعاداة السامية، لا يجري الدفاع عن اليهود، بل يجري تجريم اللغة ذاتها. وعندما يُستدعى الأمن إلى الحرم الجامعي، لا يُحمى النظام، بل يُفضَح.
القمع، كما في كل التجارب التاريخية، لم ينهِ الحركة.
حوّلها من احتجاج إلى تنظيم.
ومن غضب إلى مسار.
لم يعد الطالب يهتف فقط.
صار يقرأ.
يقارن جنوب أفريقيا بفلسطين.
يربط بين الأبارتهايد القديم والأبارتهايد المعاصر.
يفهم أن القانون الدولي ليس نصًا مقدسًا، بل ساحة صراع، وأن استخدامه أو تعطيله قرار سياسي لا أخلاقي.
هنا تحديدًا، يبدأ التفكك الحقيقي للسردية الصهيونية في الغرب:
ليس لأن الجميع صاروا “مع فلسطين”، بل لأن كثيرين لم يعودوا “مع الرواية”.
الفارق جوهري.
الروايات لا تسقط حين تُكذَّب، بل حين تفقد قدرتها على الإقناع.
وهذه الرواية، بعد غزة، باتت ثقيلة حتى على من يحملها.
ثم يأتي الفن، لا بوصفه زينة جانبية، بل بوصفه أداة كشف لا تُجادل.
الفن لا يقول: هذا صحيح وهذا خطأ.
الفن يضعك داخل التجربة، ثم يتركك وحدك مع السؤال.
حين شاهد هذا الجيل قصة ريتشل كوري، لم يشاهد “ناشطة” قُتلت.
شاهد فتاة تشبهه، تقف في المكان الذي يُفترض أن تحميه القيم، فتُسحق بلا تردد.
لم يكن السؤال سياسيًا.
كان إنسانيًا حتى العظم: كيف يحدث هذا؟ وكيف يُبرَّر؟ وكيف يُنسى؟
من هنا، لم يعد التضامن لحظة عاطفية.
صار جزءًا من إعادة تعريف الذات:
من أنا في هذا العالم؟
وأي نظام أدافع عنه حين أصمت؟
وهنا نصل إلى مفصل بالغ الأهمية:
التضامن، مهما اتسع، لا يصنع تغييرًا وحده.
التحول الحقيقي يبدأ حين ينتقل من التعاطف إلى التنظيم، ومن الشارع إلى البنية، ومن الأخلاق إلى السياسة.
وهذا ما بدأ يتشكل ببطء، ولكن بثبات.
شبكات طلابية، حركات ضغط، عمل نقابي، مقاطعات ثقافية، مساءلة إعلامية.
لم يعد السؤال: كيف نُظهر تعاطفنا؟
بل: كيف نُحوّل هذا الوعي إلى كلفة سياسية؟
هنا، يتحول دعم الإبادة من “تحالف استراتيجي” إلى عبء انتخابي.
وتتحول الصهيونية من قضية محمية إلى موقع دفاعي.
وحين يُضطر السياسي إلى الشرح، يكون قد بدأ الخسارة.
لكن هذا المسار، مهما بدا واعدًا، ليس مضمونًا.
الوعي يمكن أن يُحتوى.
والغضب يمكن أن يُستنزف.
واللحظة يمكن أن تمرّ.
هنا تظهر المسؤولية الفلسطينية من جديد، لا كشعار، بل كاختبار تاريخي.
الفلسطيني، في هذه اللحظة، ليس مطالبًا بأن يكون رمزًا، ولا بأن يؤدي دور الضحية النموذجية.
هو مطالب بأن يكون حامل معرفة.
أن يربط، لا أن يستجدي.
أن يقدّم السردية كاملة، لا المبتورة.
أن يفهم أن هذا الجيل لا يريد وصاية، ولا خطابًا جاهزًا، بل شراكة في الفهم والفعل.
هذه ليست لحظة قيادة، بل لحظة علاقة.
والعلاقة، إن لم تُبنَ بعقل بارد ونَفَس طويل، يمكن أن تضيع كما ضاعت لحظات كثيرة قبلها.
في هذا المنعطف، لم تعد المسألة محصورة في إسرائيل بوصفها دولة، ولا في فلسطين بوصفها قضية.
ما انكشف فعليًا هو حدود النظام العالمي نفسه، حين يُوضع أمام اختبار لا يستطيع اجتيازه دون أن يفضح منطقه العميق.
النظام الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية، وتقدّم بوصفه نظامًا لمنع الإبادة، وجد نفسه عاجزًا عن تسمية الإبادة حين تقع أمامه.
ليس لأن الأدوات القانونية غير موجودة، بل لأن استخدامها يهدد البنية التي تحمي مصالح القوة.
هنا يتحول القانون من مرجعية إلى أداة.
ومن وعد أخلاقي إلى تقنية ضبط.
محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجنايات الدولية، لم تُربكا المشهد لأنهما قويتان، بل لأن مجرد حضورهما أعاد طرح السؤال الذي حاولت الدول الكبرى دفنه:
إذا لم يكن هذا إبادة، فماذا تكون الإبادة إذًا؟
وإذا كان القانون لا يُستخدم هنا، فأين يُستخدم؟
لم تتوقف الجريمة بصدور القرارات.
لكن القرارات نزعت عنها شرعية الادعاء.
وهذا فارق حاسم.
لأن التاريخ لا يتحرك فقط بفعل وقف الجريمة، بل أيضًا بفعل سقوط قدرتها على التبرير.
هنا بالضبط، تبدأ مرحلة “ما بعد الإبادة” بوصفها مرحلة سياسية، لا إنسانية.
ليس السؤال: كيف نوقف القتل فقط؟
بل: كيف نُدير نتائجه؟
وكيف نُعيد ترتيب السيطرة بعد أن فشل العنف في تحقيق الحسم؟
من هذا السياق، خرجت كل الأفكار التي تبدو اليوم “تقنية”:
لجان إدارية.
إدارة دولية.
وصاية مؤقتة.
إعادة إعمار بلا سيادة.
كلها تحمل الاسم نفسه، مهما اختلفت العناوين:
فصل الحياة اليومية عن القرار السياسي.
إطعام بلا تحرر.
إدارة بلا حق.
هذا ليس جديدًا في التاريخ.
هكذا أُديرت المستعمرات حين فشل القمع المباشر.
وهكذا صُممت البانتوستانات في جنوب أفريقيا:
حياة تُدار، وشعب يُحاصَر سياسيًا، وسيادة تُمنع باسم “الواقعية”.
الفارق الوحيد أن غزة تُعرض اليوم أمام العالم كله.
وأن الوعي العالمي، خصوصًا لدى الشباب، بات أقدر على قراءة هذا النمط.
هنا يتقدّم سؤال بالغ الخطورة:
هل المطلوب إنهاء الإبادة، أم تثبيت نتائجها بصيغة أكثر نعومة؟
هذا السؤال لا يُطرح في المؤتمرات الرسمية.
يُطرح في الشارع.
في الجامعة.
في دوائر المعرفة البديلة التي تشكّلت خارج المؤسسات التقليدية.
ومن هنا، يبدأ التداخل الحقيقي بين القضية الفلسطينية والأسئلة الكبرى للقرن الحادي والعشرين:
من يملك القرار؟
من يُعرّف الإنسانية؟
ومن يُحدّد متى تكون الحياة جديرة بالحماية؟
لهذا، لم يكن غريبًا أن ترتبط فلسطين بحركات أوسع:
حركات مناهضة العنصرية.
حركات العدالة المناخية.
حركات تفكيك الاستعمار المعاصر.
ليس لأن القضايا متطابقة، بل لأن المنطق واحد:
نظام عالمي يوزّع الحق في الحياة بشكل غير متساوٍ، ثم يطلب من الضحايا أن يتكيّفوا.
في هذا المشهد، لم يعد الفلسطيني وحده في موقع السؤال.
العالم كله صار في موقع المساءلة.
لكن هذا الانكشاف، مهما كان عميقًا، لا يضمن نتيجة تلقائية.
التاريخ لا يعمل بالنية الحسنة.
ولا تتحول الحقيقة إلى قوة ما لم تجد حاملًا سياسيًا وتنظيميًا.
وهنا، يعود السؤال المؤجَّل داخل الحالة الفلسطينية نفسها.
ليس سؤال “من يدير غزة”،
بل سؤال: من يحمل المشروع؟
لأن الفراغ لا يبقى فراغًا.
إما أن يُملأ بتحرر،
أو يُملأ بإدارة.
وما يُطرح اليوم باسم “الواقعية السياسية” ليس إلا محاولة لتجميد الصراع عند مستوى الحياة البيولوجية، وإفراغه من معناه التحرري.
أن يعيش الفلسطيني، نعم.
لكن بلا حق.
بلا سيادة.
بلا أفق.
هذا هو أخطر ما في مرحلة ما بعد الإبادة.
ليس القتل وحده،
بل تحويل النجاة إلى بديل عن الحرية.
في مواجهة هذا المنطق، لا يكفي أن نقول “لا”.
بل يجب إعادة وصل ما قُطع:
السياسة بالتحرر.
والحياة بالحق.
والإعمار بالسيادة.
وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة مفتوحة على احتمالين متناقضين:
إما أن تُستثمر حالة الانكشاف العالمي لتحويل الحقيقة الأخلاقية إلى قوة سياسية منظمة،
أو أن يُعاد احتواؤها داخل لغة إنسانية تُفرغها من أي أثر تغييري.
الفرق بين الاحتمالين ليس في حجم التعاطف،
بل في طبيعة العلاقة التي ستُبنى مع هذا الوعي العالمي الجديد.
وهنا، مرة أخرى، لا يُطلب من الفلسطيني أن يكون بطلًا رمزيًا،
بل شريكًا تاريخيًا.
أن يعرف متى يتقدم،
ومتى يصمت،
ومتى يشرح،
ومتى يترك الصورة تتكلم.
العلاقة مع هذا الجيل الغربي ليست علاقة تبشير،
بل علاقة معرفة متبادلة.
هم لا ينتظرون خطابًا،
بل يبحثون عن معنى يعيد لهم ثقتهم بالعالم.
وفلسطين، بكل ثقلها التاريخي،
لم تعد فقط قضية شعب،
بل صارت مرآة زمن.
في المرآة التي صارتها فلسطين، لا ينعكس وجه الكيان وحده،
بل وجه العالم وهو يختبر نفسه أمام حقيقة لم يعد ممكنًا تدويرها.
هنا، لا تعود الأسئلة نظرية، ولا الأخلاق زينة لغوية،
بل تتحول إلى اختياراتٍ تُقاس بقدرتها على الصمود أمام الوقائع،
لا أمام الخطاب.
ما بعد الانكشاف ليس زمنًا نظيفًا.
إنه زمن الالتفاف:
تُعاد فيه صياغة السيطرة بأدوات أهدأ،
وتُستبدل لغة القمع المباشر بقاموس الإدارة،
وتُعرض “النجاة” بوصفها مكافأة مشروطة
بالتخلي عن الحق،
وبالقبول بإدارة الحياة بدل امتلاك معناها.
لهذا، فإن أخطر ما يواجه هذه اللحظة
ليس إنكار الإبادة — وقد صار مستحيلًا —
بل تحويل الاعتراف بها إلى إجراء بلا أثر،
إلى حزنٍ عام لا يغيّر ميزانًا،
وإلى تعاطفٍ يُستهلك ثم يُطوى
دون أن يقترب من جوهر السؤال.
في هذا السياق، تُختبر القدرة على الفعل.
لا فعل الصراخ، بل فعل البناء.
ولا بناء الشعارات، بل بناء المعنى القادر على تحمّل الزمن
من دون أن يتحوّل إلى سلعة أخلاقية.
الوعي العالمي الذي تشكّل — خصوصًا بين الشباب —
لا يبحث عن خلاص جاهز،
ولا عن بطولات لفظية،
ولا عن قيادة تُلقي الخطب من فوق.
إنه يبحث عن اتساق:
بين ما يُقال وما يُفعل،
بين القيم التي تُدرّس والسياسات التي تُمارَس،
بين صورة الديمقراطية وواقعها حين تُختبَر بفلسطين.
هنا، تتحول فلسطين من موضوع تضامن
إلى عقدة مركزية في أخلاق النظام العالمي.
ليست قضية تُضاف إلى قائمة،
بل معيار يُعاد عبره قياس كل شيء:
القانون، الإعلام، الجامعة، الفن، والتمثيل السياسي.
ومن هذا المعيار، تتفرّع مسؤولية مضاعفة.
مسؤولية على من ادّعى الحياد،
ومسؤولية على من حمل المعنى.
الفلسطيني، في هذه اللحظة،
ليس مطالبًا بأن يثبت مظلوميته — فهي مرئية —
ولا بأن يستجدي اعترافًا — فقد فُرض الاعتراف —
بل بأن يمنع اختطاف الحقيقة بعد ظهورها.
أن يحمي المعنى من التحويل إلى طقس،
والذاكرة من التحنيط،
والعدالة من أن تُختزل إلى تعويض
أو إلى إدارة محسّنة للكارثة.
وهذا يتطلب خطابًا لا يُجامل ولا يستعرض،
خطابًا يربط بين الحرية والسيادة،
بين الإعمار والقرار،
بين الحياة اليومية والحق السياسي،
ويفهم أن النجاة بلا أفق
هي شكل آخر من أشكال الإخضاع.
في المقابل، العالم الذي رأى
لم يعد قادرًا على الادعاء بأنه لم يفهم.
وقد لا يتحول هذا الفهم فورًا إلى سياسة،
لكن التاريخ لا يعمل بالقفزات وحدها.
إنه يتقدم حين تتراكم الكلفة الأخلاقية
حتى تصبح أثقل من كلفة التغيير.
ومن هنا، لا يمكن فصل ما يُطرح اليوم
تحت عناوين “السلام” و“الإدارة الدولية”
عن هذا الاختبار الأخلاقي العميق.
فحين يُدعى مرتكبو الإبادة
للجلوس على طاولة تُسمّى “مجلس سلام”،
وحين يُعاد تأهيل الجريمة
بوصفها شريكًا في الحل لا موضوعًا للمساءلة،
يصبح “السلام” نفسه أداة لتدوير العنف،
لا لإنهائه،
وتتحول اللغة إلى قناع جديد
لمنطق القوة ذاته.
في هذه المفارقة الفاضحة،
لا يُختبر الكيان وحده،
بل يُختبر العالم الذي يقبل
أن يجلس الجلاد في موقع المُنقذ،
وأن يُستبدل القانون بالأمر الواقع،
والمساءلة بالدعوة،
والعدالة بإدارة ما بعد الجريمة.
وهنا يعود السؤال الأخير —
لا بوصفه خاتمة، بل عتبة مفتوحة:
ليس: هل سيتفكك هذا الكيان؟
بل: كيف سيُدار العالم
بعد أن رآه الجميع كما هو؟
لأن التفكك الحقيقي
لا يبدأ بسقوط الجدران،
بل بسقوط القدرة على التبرير.
ولا يكتمل بالهزيمة العسكرية،
بل بالعزلة الأخلاقية
التي تجعل الاستمرار عبئًا
حتى على من يدّعي حمايته.
ما بعد الانكشاف
ليس وعدًا،
ولا خلاصًا جاهزًا،
بل مسؤولية مفتوحة:
مسؤولية أن لا نُدار بدل أن نُحرَّر،
وأن لا نُعَمَّر بدل أن نُسَوَّد على قرارنا،
وأن لا يتحوّل الدم
إلى هامش في نصٍّ أنيق.
لهذا، لا يُغلَق هذا الفصل باستنتاج،
ولا يُختَتم بحكم نهائي.
لأن ما بدأ هنا
لم يعد نصًا يُقرأ،
بل مسارًا يُستكمَل.
الجواب، كما كان دائمًا،
لا يُمنَح؛
يُنتَج بالفعل.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي