الحياة حب والحب حياة

بين صرخة البداية وعويل النهاية -إن وُجِد-، بين أول إطلالة على الدنيا وفراقها، وعبر مسيرة العمر الطويل أو القصير، تتوالى تضاربات المشاعر تبَعا لما نلِجه من ردهات الحياة، فمن خلق النور خلق العتمة، ومن خلق القوة خلق الضعف، ومن خلق البسمة خلق الدمعة، لعلها تناقضات القدر التي لا تمنحك الاختيار المطلق، حتى تتجنب مسالك الانكسار دائما، وإنما تجعل منك ذلك المخلوق الذي لن يكون سعيدا في كل لحظات العمر مهما اجتهد، لتصير الحياة بذلك ساحة نتصيد فيها لحظات نسعد فيها وبها ومنها، خاصة وأننا نعيش زمنا صار فيه الارتياح والفرح وكل المعاني الجميلة صيدا ثمينا قلما نظفر به، لا أريدها رؤية سوداوية للوجود، كما لا أريد أن أتديَّن برؤية "أرتور شوبنهاور" فيلسوف التشاؤم، أو "بالتاسار جراثيان" في روايته "الناقد" التي يرمز من خلالها إلى خيبة أمل الإنسان في نهاية بحثه عن السعادة، ليس الأمر كذلك فلكل منا قناعاته، لكن من الطبيعي أن يتفاعل هذا الإنسان مع الواقع، خصوصا لما يدرك ضعفه رغم ما أوتي من آليات التمكين في هذه الأرض، فما جدوى تلك الآليات إذا كان الداخل هشا أو بتعبير أكثر بلاغة منكسرا؟ أظن أن الخطورة تكمن فيما نحمله في دواخلنا، بغض النظر عن تربيتنا، فليس الشر وحده من يُؤذي بل كذلك الخير قد يكون مؤذيا، وأول ضحاياه حامله. لعله تفكير ساذج لا يقبله المنطق، وقد يرفضه دعاة التحليل العقلاني للأشياء، لكن ليس كل شيء يخضع لمعادلات رياضية صرفة أو يمكن تشريحه في المختبر، فالمشاعر والأحاسيس والمواجيد أكبر من كل ذلك، فكسر العظام يجبره الطبيب لكن من يجبر كسر الخواطر؟، جراح الجسد سهلة الالتئام، لكن جرح الروح أنى له بالمداوي؟ لذلك كثيرا ما يحصل التيه والانهيار مهما بذلت من جهد لتبدو شامخا أو بتعبير ثوري "صامدا"، فكأن الأمر يتعلق بمواجهة طاحنة بين الحياة واللا حياة، بين الحلم والكابوس، بين ما تريده وما يُراد لك، فمن الصعب نشر ظلال تخفف من لهيب وقساوة "الزمن" بدلالة هذا اللفظ في المورث الشعبي المغربي والذي يحيلنا على كل ما هو صعب، كل هذا لا ندري أيأكل من العمر؟، باعتبار أن الحياة الحقيقية للمرء هي لحظات سعادته، أم يأكل من الجسد؟ أم يأكل من الروح؟ ليس مهما، المهم أن هناك جريمة تحدث على رأي "دوستويفسكي"، وهي جريمة تعزلك عن العالم الذي يضج بالملايير من البشر، لكنها ملايير لا تبالي، وتبقى غير ذات قيمة مادامت لا تستطيع نزع ما يؤلمك، مما يُشعِرك بالوحدة حقيقة، فالوحدة ليست أن تبقى وحيدا بل أن ترى كل من حولك لا يشبهك.

كل من سيقرأ هاته الأسطر أو هاته الأحاسيس سيراها سوداء كالمداد الذي كُتبت به، لكنها أكثر بياضا من الورقة التي تحملها، لأنها ليست أدبا ولا فنا ولا عرضا مسرحيا ولا ولا ولا...مما يخضع لتعقيدات الإبداع الأكاديمي، بل هي صدى الدواخل، دواخل الناس جميعهم، أو على الأقل الأنقياء منهم، فلو ذهبنا إلى "سوق الأحوال" كما سمته إحدى الأساطير لَحَاول كل منا بيع حاله واستبداله، فقمَّة البياض ونصاعته ما تمليه القلوب في لحظات البوح التي غدت مؤسورة زمن التسارع المادي في غياب الضمير النظيف. فوسط بشاعة الصورة نتيجة انعدام الصفاء محتاجون اليوم لا إلى عمليات تجميل للجسد أو حتى للروح، فالأول صنع الله الذي أتقن كل شيء والثانية جميلة بفطرتها، بل نحن محتاجون إلى أن نترك هاته الروح على سجيتها تونِع وتملأ الأرض آسا وفلا، وشهدا ووردا، وفي كلمة واحدة "جمالا" يُجاوز حدود المتعة واللذة إلى التعظيم والإجلال الذي يقودنا إلى الحب... "الحب" كلمة عظيمة تتجلى فيها إنسانية الإنسان، إذ بدونها يتردى إلى مستوى البهَمية أو ربما إلى مستويات أكثر انحطاطا، فهي الكلمة المفتاح التي تتفجر عند عتباتها ينابيع الخير وتُزهر بساتين الأمل المشرق حاملة ألوية التفاؤل رغم أنف "شوبنهاور وجراثيان " ومن سار على دربهما...كم يعجبني محمود درويش وهو يقول: الحياة ليست مجرد انتظار العاصفة، بل تُعلَِّم كيف ترقص تحت المطر. فكما أن الحياة مليئة بالتحديات فهي كذلك مليئة بالفرص، فالليل مهما بلغت عتمته ينجب صُبحا عندما يكتمل، والغصن المقطوع المكسور يُنبت غصنا آخر، في توافق رائع مع مبدأ استمرارية الحياة.

إن الأرواح خُلقت لتحِب وتحَب، وتلك هي الوصفة الراقية والرائقة واللائقة لكل معضلات الزمن، أحبَّ نفسك بالقدر الذي لا يجعلك طاغية تتربع على عرش نرجسيتك، أحب الآخر بالقدر الذي يجعلك مأمنا ومكمن صدق بعيدا عن النفعية الضيقة، أحب والديك بالقدر الذي يليق بقدرهما وجلالهما وجمالهما، أحب الناس بالقدر الذي يسمح بأن لا ترى فيهم إلا المحاسن، أحب من وضعك في قلبه ووضعته في قلبك بالقدر الذي يضمن لكما نفس القبر، "ادفنوا عمر بن الجموح وعبد الله بن حرام في قبر واحد فإنهما كانا متحابين" مقالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند دفن شهداء أُحد تحمل ما تحمله من الرسائل مؤكدة أن الحب حياة لا تنقطع ولا يرهقها الموت أبدا، إنها فلسفة فوق كل الفلسفات، وأُفق لا تحُدُّه المسافات...فكيف بالدنيا تضيق بنا ونضيق بها !!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى