د. عبدالجبار العلمي قَصيدَة "الْعِيد" للشَّاعر الْمَغْرِبي مُحَمَّد عَلي الربَّاوي (الجُزْءُ الثاني مِنْ دِراسَة الْقَصيدَة) البنية العروضية

(الجُزْءُ الثاني مِنْ دِراسَة الْقَصيدَة)

البنية العروضية
الوزن والإيقاع :
إن أغلب الدراسات والأبحاث العربية التي تناولت الإيقاع في الشعر درساً وتحليلاً، كانت تتجه إلى دراسة الوزن والقافية، بينما تغفل إغفالاً يكاد يكون تاماً مكون الإيقاع، الذي يمكن رصده انطلاقاً من مستويات أخرى كالمستوى الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي. ويعود الأمر إلى كون أصحابها يعتبرون الوزن والإيقاع مترادفين، فـ"كثير ممن كتبوا عن الوزن في العربية يجعلون الإيقاع مرادفاً للوزن، أو يجعلون الوزن صورة من صور الإيقاع" (علي يونس نظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي).
ويحاول شكري محمد عياد التمييز بين المصطلحين في أحد هوامش كتابه «موسيقى الشعر العربي»، فقد اعتبرَ الوزنَ أخصَّ من الإيقاع الشعري، لذلك نراه أكثر شموليةً واتساعاً، فنحنُ نجدُهُ في جرسِ الحروف وفي تكرار الكلمات وفي الموازنات الصوتية وغيرها من أنواع الجناس والبديع. وهذا هو الباب الذي يمكن أن ندخل في إطاره " الإيقاع ".
الوزن :
يقوم البناء العروضي في نص "العيد " على أساسين : أ ـ المزج بين البحور / ب ـ المزاوجة بين الشكل العمودي والشكل القائم على التفعيلة أو ( الشعر الحر) / ج ـ تنويع الأضرب.
أ ـ استخدم الشاعر محمد علي الرباوي في قصيدته تفعيلتين متقاربتين هما : فاعلن وفعولن من بحري المتدارك والمتقارب من دائرة المتفق. فقد قام المقطع الأول والسادس والجزء الأخير من المقطع السابع ( بالتحديد : " فأبْصرُ كف الرياح اللواقح" إلى نهاية القصيدة )، على أساس تفعيلة المتقارب ( فعولن )؛ وقام المقطع الثاني والثالث والرابع والجزء الأول من المقطع السابع على أساس تفعيلة المتدارك ( فاعلن)؛ بينما تأسس المقطع الخامس على البحر الطويل ( فعولن مفاعيلنْ فعولن مفاعلن )؛ وقام الجزء الثاني من المقطع السابع على الرجز ضربُه مخبون مقطوع أو مقطوع فحسب: ( مستفعلن مستفعلن متفعلن أو مفعولن : " إني امرؤٌ عاهدني خليلي "
" ألا أقوم الدهرَ في الكيولِ "
ب ـ نلاحظ في نصّ "العيد" كذلك ، طريقة المزاوجة بين الشكلين : التفعيلي والعمودي. وهذه الطريقة سبق أن سلكها بعضُ رواد الشعر المعاصر أمثال بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وأدونيس، غير أن الرباوي قد نحا منحى آخر في التعامل معَ هذه الطريقة. فإذا كان السياب مثلاً يزاوج بين الشكلين في قصيدته " بور سعيد "، مستخدماً بحراً واحداً هو البسيط في كليهما ( الشكلين ) ،فإِنَّ الرباوي يستخدم إلى جانب استخدامه هذين الشكلين في قصيدته ( العيد) بحوراً متنوعة هي : ثلاثة بحور صافية ( المتقارب ـ المتدارك ـ الرجز ) ، وبحراً مركباً هو الطويل.
ويبدو أنَّ الرباوي سواء في مزجه بين بحور شعرية متنوعة أو استخدامه للشكلين العمودي والتفعيلي في قصيدة واحدة، كان يبحثُ عن آفاق جديدة أكثر حرية وتنوعاً في مجال الإيقاع من شأنها أن تتسعَ لاستيعاب تجربته الشعرية في أطوارها المتنوعة.
د ـ تنويع الأضرب في القصيدة: نمثل لهذه الظاهرة الوزنية بالمقطع الخامس وجزء من المقطع السابع من مقاطع القصيدة . بالنسبة للمقطع الخامس الذي على بحر الطويل ، نلاحظ أن الضربَ في البيت الأول ورد مقبوضاً : جديدُها : مفاعلن . أما في الأبيات الثاني والثالث والرابع ، فقد جاء سالماً صحيحاً (مفاعيلن ): مَرِ الْعالِي ـ بِلا آلي ـ وأوصالي ، ثم يصير الطرب في البيت الأخير من المقطع مقبوضاً مثل العروض أي: مفاعلن، كما هو واضح في المقطع المذكور الذي نورده هنا لمزيد من التوضيح:
خَلِيلَيَّ مَا لِلْحُـزْنِ يَــزْدَادُ جِــدَّةً
عَلَى الدَّهْـرِ وَالأَيَّـامُ يَبْـلَى جَدِيدُهَا؟
أُقَــدِّمُ قَلْـبِـي لِلْقَبِيلَـةِ نَخْـلَــةً
لَعَلِّـي بِهَا أَدْنُـو مِنَ القَمَـرِ الْعَالِي،
وَلَكِنْ تَخَطَّانِــي مَطَـايَـا أحِبَّتِـي،
فَأبْـقَى بِـلاَ قَلْبٍ، وَأَبْقَـى بِـلاَ آلِ،
فَتَعْوِي الذِّئَابُ الزُّرْقُ مَا بَيْنَ أضْلُعِي،
وَتَزْحَفُ سِيقَانُ الصَّدَى نَحْوَ أَوْصَالِي
أَلاَ مَــا لِـهذَا الحُـزْنِ يَزْدَادُ جِدَّةً؟
وَمَا لِـرِيَاحِ الْخَـوْفِ جَاءَ بَرِيـدُهَا؟
بخصوص الجزء القائم على بحر الرجز الذي ورد في المقطع السابع التالي:
إِنِّي امْرؤٌ عَاهَدَنِي خَلِيلِي
ألاَّ أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الكَيُّولِ
إنِّي امرُؤٌ بِحُبِّيَ المَسْلُولِ
أنْفُخُ فِي الرَّمَادِ والطُّلُولِ
فَيُزْهِرُ النُّوَّارُ فِي الحُقُولِ
وَيَمْتَطِي حِصانَهُ خَلِيلي
نلاحظ أن الضرب يأتي على نوعين، النوع الأول: مقطوع، وزنه مَفْعُولُن: كيُّولِ ـ مَسْلُولِ. أما النَّوع الثاني ، فهو مقطوع أصابهُ خبنٌ، ووزنه: مُتَفْعلْ وتنقلُ إلى فَعُولُنْ: خَليلي ـ طلولِ ـ حٌقٌولِ . وغير خفي أن الشاعر في تنويع أضربه في قصيدة واحدة ينزاح عن القاعدة العروضية التي لا تسمح بتنويع الأضرب، وذلك نشداناَ للتحرر من بعض القيود التي يعتبرها العروض عيباَ من عيوب القافية، وهكذا غدا ما كان عيباَ وسيلة تُوفر للشَّاعر الحديث في قصيدته تنويعاً في الإيقاع ينأى بشعره عن الرتابة والإملال، ويضفي عليها أنغاماَ جديدة. يقول أحمد المجاطي في دراسته لتطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث: " إن الشاعر الحديث كما رأينا ، لم يُقِمْ وزناً لهذا الذي عدُّوه عيباً، بل لقد استأنس بما يوفره لأبياته من تنويع في الإيقاع، وتلوين في النغم. " ( ) وفي إطار التحرر مما اعتبره الأقدمون عيباً شعرياً توصل المجاطي إلى أن الشاعر الحديث، فضلاً عن التقنينات العروضية التي حاول الخروج عنها ، لم يكتف بما هو مقبول عروضياً من مشتقات التفعيلة نفسها .. بل تجاوز ذلك إلى اللجوء إلى ما لم يقل به العروضيون كاستخدام مُسْتَفْعِلانْ في ضرب الرجز .
هـ ـ القافية: يمكن أن نقسم أنواعَ القافية التي استخدمها الشاعر في نص " العيد " كما يلي: 1 ـ من حيث الشكل ـ / 2 ـ من حيث الصوت / 3 من حيث حركة الروي.
1 ـ من حيث الشكل ، ترد في القصيدة مرسلةً ومتتابعةً ومركبةً وموحدة ، والجدير بالذكر أننا نتبنى تعريف الخليل بن أحمد الفراهيدي( ت.175 هـ ) ، وهو كما ورد في عبارة ابن جني في مختصر القوافي : " القافية عند الخليل من آخر البيت إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن " ( ) وبالوافي للتبريزي ، وباللسان لابن منظور ، حيث ورد بنفس العبارة.
أ ـ القافية المرسلة : وهي التي تخلو من حرف الروي ، ويستخدمها الشاعرُ في بعض مقاطع القصيدة، ثم ما يلبثُ أن يتركها إلى نوعٍ آخر كالقافية الموحدة مثلاً. كما ورد في المقطع الأول:
لِماذا بِسَوْسَنَةِ الْفْجْر نَحْلُمُ
منْ أينَ يَأْتي الضِّياءُ إلَيْنا ؟
أَحِبَّايَ مِنْ أَيْنَ يَاْتي الْحَمامْ
وها الشَّامُ تَكْرَهُ أَهْلَ الْعِراقِ..
ب ـ القافيةُ المتتابعة: ونجدُ لها أمثلةً في المقطع السادس كما يلي:
نموذج 1 ـ هوَ الْعيدُ في الطُّرُقاتِ
" يُوَزِّعُ جَمْراً عَلى الشُّعَراءِ
وخمراً على الأمراءِ
فَمَاذا يُخَبِّىْ للفُقراءِ ؟ "
ن. 2 ـ هُوَ الْعيدُ عيدُ
بِأيَّةِ حَالٍ يعُودُ
بما مضى أمْ بأمرٍ جديدُ ؟
ن. 3 ـ طارَدُوا في الْحُقُولِ الطُّيُورَا
ما لَقيتُ السُّرُورَا
والصَّحْبُ ليْسوا حُضُورا
ج ـ القافية المركبة: يرى الأستاذ أحمد المجاطي ( المعداوي )، أن هذه القافية " هي أنجح أنواع التقفية في الشعر الحديث، حيثُ يبدأُ الشاعر بقافية ثم يتركها ، ثمَّ تظلُّ تَتَردَّدُ هنا وهناكَ إلى أن يجعلَ منها خاتمةَ القصيدة" ( )، ويمثلُ لهذا النوع من التقفية بكلمة ( مطر ) في قصيدة " أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب تتردد عبر جسد القصيدة لتشكلَ في النهاية خاتمتها. كما يذكر لنا أن هذا النوع من التقفية يوجد في شعر البند في قصيدة تسير على نفس هذا المنوال مع بعض الفروق للشاعر نصر الله الحائري من شعراء القرن الثاني عشر الهجري. وهي في قصيدة الرباوي القوافي التي رويها حرف القاف: العراق ـ أحترقْ ( المقطع 3 )؛ أنطلق (م. 3 ) ؛ تحترق ـ أحترق ـ أنطلق ـ سأنطلق ـ ينطلق ( م. 7 )
د ـ القافية الموحدة: ونجدها في ثلاثةِ مواضع من القصيدة:
في المقطع الأول : وذلك إذا ما قمنا بإعادة كتابة الأبيات الثلاثة التالية الموزعة على الأسطر : ( 9 و10 و11 و 12 و13 و14 ) على الشكل العمودي ( بحر المتقارب )
وهَا الشَّامُ تَكْرَهُ أهْلَ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ لَهُمْ كارِهونَـــا
وَكُلٌّ لِصــاحِبِــــهِ مُبْغـــضٌ يَرَى كُلَّ ما كان من ذاكَ دِينَا
فَيـاطَلَقَاتِ الْبَنَـــــادِقِ رُشِّي صُدُورَ الأَحِبَّةِ، رُشِّي الْعُيُونَا
في المقطعِ الخامس الذي بنيَ على وزن الطويل، وردت القافية فيه مطلقة وخاتمتها موصولة بهاء الوصل ومنتهية بألفِ الخروج : جَدِيدُهَا ـ بَريدُهَا ، بينما وردت القافيةُ في وسطه مُردفةٌ بالألف موصولة بالياء : عالي ـ آلِ ـ أوصالي .
لامطلقة مردفة موصولة بالياء رويها اللام : ( خليلي ـ كيُّولِ ـ مَسْلُولِ ـ الطُّلُولِ ـ الحُقُولِ )
2 ـ من حيثُ الصوت: من الجدير بالملاحظة أن القافية المهيمنة على النص هي قافية الصوائت وليس قافية الصوامت، وأن النوع الغالب على قافية الصوائت هو على سبيل المثال: القافية المُردفة بصائتِ مد هو إما الألف أو الواو أو الياء: الألف : (أحباءُ ـ الحمامْ ـ العراق ـ ذاتي ـ مرارا ـ العالي ـ آلِ ـ أوصالي ) / الواو : الصُّدورا ـ كارهونا ـ حضورا ـ الطلولِ ...) / الياء : (دينا ـ أسيرا ـ عيدُ ـ جديدُ )
3 ـ من حيث حركةُ حرف الروي: من الجدير بالملاحظة أنَّ القافية المهيمنة على القصيدة هي القافية المطلقة ، فقد بلغ عددها ستّاً وخمسين قافية ، بنسبة 58.94 % ، بينما لم يتجاوز عدد القافية المقيدة خمسَ عشرةَ قافية بنسبة 15.78 % .وهذا ما يؤكِّد ما أجمعَ عليه الدارسون، ومفاده "أن الشعر العربي ينزعُ إلى القافية المطلقة أكثر من نزوعه إلى القافية المقيدة." ( ) ، وقد بنوا حكمهم هذا على دراسات إحصائية أجريت على عينات من قصائد الشعر العربي، جاهلي وعباسي وحديث، حيثُ انتهوا إلى النتائج التالية:
ـ إبْراهيم أنيس : نسبة القافية المقيدة عنده لا تكاد تجاوز 1 % () / ـ جمال الدين بن الشيخ نسبتها
لا تتجاوز 4 % () / محمد حماسة عبداللطيف: نسبتها 9 % عند ثمانية من الشعراء الجاهليين. ()
ويذكر الدكتور حماسة عبداللطيف أن نسبة القافية المقيدة عند المتنب لا تتجاوز 4) % نفس المرجع، ص: 106 ). وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشاعر محمد علي الرباوي نفسَه في دراسته لقصيدة "أوراق مهربة من زمن الحصار " ( ) للشاعر حسن الأمراني ، لاحظ أن القافية المطلقة أكثر حضوراً في الشعر العربي القديم ، بل حتى في الشعر المعاصر الذي يعتمد على ركائز تراثية مثل القصيدة المنوه إليها أعلاه، حيث وردت القافية المطلقة فيها بنسبة 66% وقصيدة " العيد " نفسها المهيمن فيها هو القافية المطلقة وقد ساعد على ورودها بنسبة عالية عاملان حسب ما بدا لي هما :
أ ـ استخدام الشاعر الشكل العمودي الموحد القافية في بعض مقاطع قصيدته: الأول والخامس والسابع.
ب ـ مضمون النص وجوه العام المشحون بالحزن والألم وتقلب الأحوال والتحسر على واقع الأمة وصراع الذات الشاعرة بين المادة والروح، كل ذلك كان يتطلب استخدام حركاتِ المد الطويلة بمثابة آهات توجع وتألم . فقد وظف الشاعر في التعبير عن هذه الدِّلالات: إطلاق القوافي الحاملة للمد واستخدام القوافي المردفة ( الصدورا ـ العيونا ـ كارهونا ). يرى الدكتور محمد حماسة عبداللطيف : " أن كل قافية مطلقة لابد أن تكون منتهية بحركة طويلة، فإذا كانتِ القافيةُ مردفة أو مؤسسة ، فقد اجتمعَ لها حركتان طويلتان. " ( )
وهكذا تتضافر حركات الإطلاق مع حروف القافية المردفة على الإيحاء بمعاناة الذات الشاعرة وأحاسيسها المشحونة بالمرارة والتوجع، وكل زيادة في المبنى زيادة في المعنى.


الهوامش:



بقلم : عبدالجبار العلمي
( من ديوان " الوَلَد الْمُرّ "، ص: 16 إلى ص: 26

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى