يحيى بركات - الحرب التي تُكتَب قبل أن تقع

الحرب التي تُكتَب قبل أن تقع
كيف يفكّر البنتاغون وتل أبيب
بمنطق “السحق”…
قبل أن يُسمَع الصوت
ليس منطق الحشد الأميركي الحالي في الإقليم من النوع الذي يُبنى كي يُقال: “ربما”.
ولا من النوع الذي يُنشر كي يُنتزع به تصريحٌ في مؤتمر، أو تنازلٌ في غرفة تفاوض، ثم يعود كل شيء إلى مكانه.
حشدٌ بهذا الحجم، وبهذا الامتداد، وبهذا الإيقاع، يشبه شيئًا واحدًا:
الاستعداد لفعلٍ يريد أصحابه أن يكون نهائيًا… أو شبه نهائي.
لأن الأميركيين يعرفون، من خبرة طويلة مع إيران، أن التنازل الممكن محدود.
يعرفون أن إيران لن تضع برنامجها النووي في محرقة “الإلغاء”، حتى لو سمّته سلميًا.
ويعرفون أن الصواريخ ليست تفصيلًا يمكن إسقاطه بالمساومة، بل عمود ردع، ووسيلة نجاة، وسلاح بقاء.
وحين تكون هذه المسلّمات واضحة للطرف الآخر، يصبح السؤال:
لماذا إذن هذا الحشد؟
هنا تبدأ قراءة “العقلية”،
لا قراءة “الخبر”.
قراءة المدرسة التي ترى الحرب كعملية هندسية:
إذا أردت أن تنتصر، فلا تترك للعدو زمنًا كي يفكر…
ولا مساحة كي يرد…
ولا جبهة كي تتنفس.
هذه ليست نظرية جديدة.
هذه هي العقيدة الأميركية–الإسرائيلية في شكلها الأكثر صراحة:
السحق قبل أن تبدأ الحرب،
بحيث تصبح الحرب—إن وقعت—مجرد إعلانٍ متأخر عمّا نُفِّذ فعليًا.
في منطق البنتاغون والقيادة الإسرائيلية، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس ضربة على إيران،
بل ما بعد الضربة.
الأسوأ عليهم ليس أن يضربوا…
بل أن يضربوا ثم يُفتح عليهم الباب:
إيران ترد.
حزب الله يتحرك.
العراق يشتعل.
اليمن يعيد البحر إلى فم النار.
ثم تتحول “الضربة” إلى طريق طويل بلا نهاية،
وتتحول صورة القوة إلى استنزاف،
وتتحول العملية إلى مستنقعٍ تتبدل فيه الأهداف يومًا بعد يوم.
لهذا، حين يفكرون بجدية، لا يفكرون بضربة واحدة.
يفكرون بما يشبه “العاصفة” التي تهبط على عدة ساحات في الوقت نفسه:
ليس انتقامًا، بل قطع شرايين الردّ قبل أن تضخ الدم.
الفكرة الأساسية في هذه المدرسة هي:
إذا كان الردّ هو الخطر…
فاقتُل الردّ قبل أن يولد.
ولذلك نرى دعمًا متسارعًا لإسرائيل، ليس فقط بوصفها “حليفًا”،
بل بوصفها رأس حربة جاهزًا لتلقي الضربة الأولى…
ثم توزيع الصدمة على بقية الجبهات.
ونرى منظومات دفاع،
وصواريخ اعتراض،
وتحديثات نوعية،
لأن العقيدة هنا لا تقول: “سنضرب ونرى”،
بل تقول: “سنضرب ونمنع رؤية الردّ أصلًا”.
في هذا السيناريو، تُقرأ الأهداف هكذا:
في إيران: القيادة والسيطرة، مخازن الصواريخ، الدفاع الجوي، ومفاتيح الإطلاق.
في لبنان: شلّ القوة التي تستطيع فتح الجبهة الثقيلة من اللحظة الأولى.
في اليمن: تعطيل اليد التي تمسك البحر وتعرف كيف تخنقه.
في العراق: ضرب المخازن والعُقَد قبل أن تتحول الساحة إلى منصة مفتوحة.
ضربة واسعة لا تهدف فقط إلى الإيذاء… بل إلى “الشلّ”.
شلّ الوعي، شلّ القرار، شلّ الحركة، شلّ القدرة على الرد قبل أن تصل إلى مرحلة “رد فعل”.
لكن أخطر جزء في هذا المنطق ليس الصواريخ، بل
“الرهان النفسي–الاستخباراتي”.
ذلك الرهان الذي تحبه تل أبيب وتبني عليه حلمها القديم:
الاختراق.
أن تقول لنفسها:
نحن نعرف داخل إيران أكثر مما يعرفون عن أنفسهم.
أن تتخيل أن في الداخل الإيراني مفاتيح جاهزة: اضطراب، ضغط، تصدّع، غضب اقتصادي، تعب شعبي،
وأن الصدمة العسكرية السريعة يمكن أن تدفع كل ذلك إلى نقطة الانهيار.
هذا رهان مغرٍ جدًا لإسرائيل،
لأنه يعدها بانتصارٍ من دون كلفةٍ طويلة.
ويغري العسكريين لأنه يبدو كاختصار عبقري:
اضرب بضربة تخلخل الداخل…
ثم دع الداخل يكمل المهمة.
لكن في الوقت نفسه، هذا الرهان إذا فشل، يتحول إلى لعنة.
لأنه يعني أن الضربة لم تُسقط النظام،
وأن الردّ سيأتي من دولة مجروحة لا من دولة مذعورة،
وأن المنطقة ستدخل حربًا تُدار على مراحل، لا على دفعة واحدة.
ومن هنا تتضح حقيقة بسيطة:
الضربة الشاملة ليست دليل قوة فقط… بل دليل خوف من اليوم التالي.
ثم يأتي السؤال الذي يضع ترامب في قلب الإطار، لا على حافته:
لماذا قد يقتنع بهذا المسار رغم كلفته؟
الذي يغري ترامب ليس الحرب ذاتها، بل “صورة الحرب”:
صورة الضربة الكبيرة التي تُباع داخليًا كنصر،
وتُقدَّم كإعادة هيبة،
وتُستخدم لإغلاق أفواه الخصوم.
وفوق ذلك: إرضاء إسرائيل واللوبي الداعم،
ومحاولة كسر العمود الإقليمي الذي تعتمد عليه الصين في الطاقة والنفوذ.
لكن الذي يخيف ترامب في المقابل ليس إيران فقط،
بل أن تخرج الضربة من يده.
أن تصبح سلسلة لا قرارًا.
أن تقفز أسعار الطاقة.
أن يُغلق مضيق هرمز أو تُرتبك الملاحة.
أن تُضرب قواعد أميركية في المنطقة.
أن يُفتح البحر والبر والجو في آنٍ واحد.
أن يتحول “نصر سريع” إلى عنوان فضيحة سياسية،
قد تلتهم ما تبقى من رصيده
—بل وربما كرسيه.
ولهذا تبدو شخصيته كما لو أنها تتردد…
لكنها في العمق تُفاضل:
هل الربح السياسي من الضربة أكبر من الخسارة المحتملة؟
وهل يمكن ضمان “الشلّ” الكامل؟
أم أننا أمام خصم قد يختار أن يتألم… لكنه لا ينكسر؟
العقدة الحقيقية إذن ليست في القدرة على الضرب.
القدرة الأميركية معروفة.
والتفوق الإسرائيلي في الضربات النوعية معروف.
لكن السؤال الذي ينام في قلب كل غرفة عمليات هو:
هل نستطيع أن نتحكم بما بعد الضربة؟
ماذا لو لم تُشلّ إيران؟
ماذا لو بقي حزب الله واقفًا؟
ماذا لو فتح اليمن البحر؟
ماذا لو اشتعل العراق؟
ماذا لو صار الإقليم كله شاشة واحدة،
تتحرك فيها الجبهات على طريقة “المونتاج المتوازي”،
بحيث لا تنتهي الحرب في مكان لأنها تبدأ في مكان آخر؟
هنا بالضبط يتبدل معنى القوة.
القوة لا تعود مجرد قاذفات وحاملات،
بل القدرة على التحكم في السرد، وفي السقف، وفي النهاية.
ومن يضرب من دون أن يملك النهاية…
قد يملك البداية فقط.
لهذا أقرأ هذا الحشد بوصفه إشارة إلى تفكيرٍ يتجاوز
“التفاوض”.
تفكير يريد أن يسحق قبل أن يتيح للخصم فرصة الرد.
تفكير يريد أن يجعل الحرب قصيرة بالقوة،
وأن يجعل الرد مستحيلًا بالسرعة،
وأن يجعل المفاجأة جزءًا من التصميم،
لا من المصادفة.
لكن في المقابل، نحن نعيش لحظةً لا تشبه حروب الأمس.
لأن “الضربة السهلة”
ولّت.
ولأن الخصم—حتى لو كان أضعف في الميزان التقليدي
—قد يملك ما يكفي لإيلام العين…
كما يقال:
البعوضة قد تُدمي مقلة الأسد.
ولهذا نحن في المنطقة الرمادية التي يخاف منها الجميع:
الاستعداد حقيقي.
الخداع حاضر.
النية ليست محسومة علنًا.
والخطأ وارد…
وربما قاتل.
السؤال لم يعد:
هل سيضربون؟
بل: هل يجرؤون
على يومٍ لا يعرفون كيف ينتهي؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



1769849545018.png 1769849582262.png 1769849647564.png 1769849682400.png 1769849752074.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى