كان يظن بأن رأى ـ صديقه ـ سوف يغير وجه الحياة .
كان يظن ذلك حتى وقت قريب ، إلى أن اكتشف بأن القردة وحدها تلتقط أصابع الموز تباعا دون جهد ،
بل ينالون التصفيق ، حين يتقافزون بين الأفرع .
لذلك رمى أكوام القمامة فى الشارع بنظرة بائسة، ومضى ذاهبا إلى صديقه الألمعى الذى نجا من الموت بأعجوبة، إثر سقوط أقفاص الموز فى الطريق العام ـ فجأة ـ أمام العربة السرفيس التى كان يستقلها صباحا ؛
إلى هذا الحد ما كان يثق بأرائه .
وقرأ عليه ما جادت به الذاكرة فى وصف القردة والدجالين ، وأرباب الحرف .
فقال له الألمعى وكان يكبره بعشرين عاما :يا ولدى .. يا ولدى .. أنت لا تنفع لكتابة القصة .
إكتب نقدا ..
أخذ يتتبع التفاصيل الواهية ،
ومـسَّد فى الليل سيفه ، وانبرى ينتقد ؛
قال سوف أبدأ بالأصدقاء، ربما رحابة صدورهم تحتمل مهاتراتى .
كان يحاول الوصول لشئ خفى مرتكن فى ركن مظلم ، شئ لا يعلم كنهه ، غير أنه كان يرى الموز والقردة ولاعبى السيرك والحواة ، يتشممون كل يوم الشوارع كالكلاب الضالة ،باحثين عن فريسة ؛ تحاوطه فى الليل ملامحا ، ورؤى غائمة ، تقترب من عالمه وتهزه هزا ، فينهض لكى يلاحقها بقلمه ، بيد أنها كانت تستحيل سرابا ، بمجرد اقتراب يده من زر المصباح ، كانت تنفلت منه الصور وتميع الملامح ،
وفى كل مرة يحاول إرضاء الألمعى الذى صارحه بهذه الفجاجة التى لاقت إلى حد ما هوى ـ مؤقتا ـ فى قلبه ، ربما لأنه أحس باقترابه من مزارع الموز ، لكنه ....
( ليس لكل تلك التفاصيل علاقة بموضوع القصة ـ الآن ـ كان يقول ذلك لنفسه ؛)
.... هكذا تنفتح الدروب أمامه على بعضها ، وتبتلعه كل ليلة تلك المدينة الضباب ،
فى المرة الأخيرة ، وجد أنه ينتقد نفسه ، بعدما خاصمه الأصدقاء ،
أحس بوحشة ، وبرودة تحاصره فى الليل ، كان يختنق وهو يحاول الوصول للبرواز المذهب الذى رسمه له الألمعى ، ظل يحاول .. إرضاءه .
ويحاول ..
ولم تخاصمه الرؤى ، ولم تفارقه الأشباح فى ليل غرفته ،فكان يلاحقها فى الظلام ، بلا مصباح
يقول : ربما فى المرة القادمة أدخل البرواز
وفى المرة الواحدة بعد الألف تهشم البرواز الصدئ ، وتهاوت شظاياه فى أرجاء الغرفة ووجد ملامح شائهة لواحد لم يعرفه .
كأنه هناك فى الركن القصى من العالم يرقب القردة وهى تلتقط أصابع الموز ،
بحزن بالغ ،
بلا إرادة منه يصفق لمهارتها فى التقافز..
ويبكى فى الليل إنسانا غريبا ...