العربي عبدالوهاب ـ قصة قصيرة ـ من أجل قفص من الموز



كان يظن بأن رأى ـ صديقه ـ سوف يغير وجه الحياة .

كان يظن ذلك حتى وقت قريب ، إلى أن اكتشف بأن القردة وحدها تلتقط أصابع الموز تباعا دون جهد ،

بل ينالون التصفيق ، حين يتقافزون بين الأفرع .

لذلك رمى أكوام القمامة فى الشارع بنظرة بائسة، ومضى ذاهبا إلى صديقه الألمعى الذى نجا من الموت بأعجوبة، إثر سقوط أقفاص الموز فى الطريق العام ـ فجأة ـ أمام العربة السرفيس التى كان يستقلها صباحا ؛

إلى هذا الحد ما كان يثق بأرائه .

وقرأ عليه ما جادت به الذاكرة فى وصف القردة والدجالين ، وأرباب الحرف .

فقال له الألمعى وكان يكبره بعشرين عاما :يا ولدى .. يا ولدى .. أنت لا تنفع لكتابة القصة .

إكتب نقدا ..

أخذ يتتبع التفاصيل الواهية ،

ومـسَّد فى الليل سيفه ، وانبرى ينتقد ؛

قال سوف أبدأ بالأصدقاء، ربما رحابة صدورهم تحتمل مهاتراتى .

كان يحاول الوصول لشئ خفى مرتكن فى ركن مظلم ، شئ لا يعلم كنهه ، غير أنه كان يرى الموز والقردة ولاعبى السيرك والحواة ، يتشممون كل يوم الشوارع كالكلاب الضالة ،باحثين عن فريسة ؛ تحاوطه فى الليل ملامحا ، ورؤى غائمة ، تقترب من عالمه وتهزه هزا ، فينهض لكى يلاحقها بقلمه ، بيد أنها كانت تستحيل سرابا ، بمجرد اقتراب يده من زر المصباح ، كانت تنفلت منه الصور وتميع الملامح ،

وفى كل مرة يحاول إرضاء الألمعى الذى صارحه بهذه الفجاجة التى لاقت إلى حد ما هوى ـ مؤقتا ـ فى قلبه ، ربما لأنه أحس باقترابه من مزارع الموز ، لكنه ....

( ليس لكل تلك التفاصيل علاقة بموضوع القصة ـ الآن ـ كان يقول ذلك لنفسه ؛)

.... هكذا تنفتح الدروب أمامه على بعضها ، وتبتلعه كل ليلة تلك المدينة الضباب ،



فى المرة الأخيرة ، وجد أنه ينتقد نفسه ، بعدما خاصمه الأصدقاء ،

أحس بوحشة ، وبرودة تحاصره فى الليل ، كان يختنق وهو يحاول الوصول للبرواز المذهب الذى رسمه له الألمعى ، ظل يحاول .. إرضاءه .

ويحاول ..

ولم تخاصمه الرؤى ، ولم تفارقه الأشباح فى ليل غرفته ،فكان يلاحقها فى الظلام ، بلا مصباح

يقول : ربما فى المرة القادمة أدخل البرواز

وفى المرة الواحدة بعد الألف تهشم البرواز الصدئ ، وتهاوت شظاياه فى أرجاء الغرفة ووجد ملامح شائهة لواحد لم يعرفه .

كأنه هناك فى الركن القصى من العالم يرقب القردة وهى تلتقط أصابع الموز ،

بحزن بالغ ،

بلا إرادة منه يصفق لمهارتها فى التقافز..

ويبكى فى الليل إنسانا غريبا ...



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى