جلس الأب على المقعد المقابل للطبيبة النفسية.
كفّاه منطبقتان فوق ركبتيه، ظهره مستقيم، عيناه ثابتتان لا تطرفان.
إلى جواره جلست الأم، متحفظة، تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع.
الطفلة في المنتصف، رأسها منكس، تحدّق في البلاط.
أما الأخت الكبرى فكانت تراقب الوجوه جميعًا، كأنها تفهم أكثر مما ينبغي لعمرها.
قال الأب بنبرة هادئة، لكنها مشدودة كوترٍ على وشك القطع:
— ليس معنى أنني جئت بابنتي لضبط سلوكها، أن يُسمح لكِ بالحديث معنا بهذه الطريقة.
مالت الطبيبة إلى الخلف، شبكت ساقيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة:
— أنا طبيبة نفسية، وأعرف جيدًا كيف أتحدث مع المرضى.
رفع الأب رأسه ببطء:
— وهل قلتُ إننا مرضى؟
تقدّمت الأم بصوت خافت:
— نحن جئنا من أجل البنت فقط…
قاطعتها الطبيبة بإشارة حادة من يدها:
— الأسرة وحدة واحدة. من ينكر ذلك لا يفهم شيئًا في العلاج.
ضحك الأب ضحكة قصيرة جافة:
— لا تكلّميني وكأنكِ اكتشفتِ الإنسان هذا الصباح.
انحنت الطبيبة إلى الأمام، وعيناها تلمعان بحدّة غير مطمئنة:
— هنا، أنا التي أقرر من المريض ومن السليم، من السوي ومن غير السوي، من العاقل ومن المجنون.
شدّت الأخت الكبرى على يد أختها.
ارتعشت الطفلة.
أشار الأب إليهما:
— هل هذا جزء من العلاج أيضًا؟
لوّحت الطبيبة بيدها بازدراء:
— التمثيل العاطفي لا يخدعني.
نهض الأب فجأة، وصاح:
— أنتِ لا تعالجين، أنتِ تستعرضين.
تتعاملين معنا وكأننا مجانين،
بينما الجنون الحقيقي أن تظني نفسكِ فوق البشر
لمجرد أنكِ تحفظين بعض المصطلحات.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة واسعة غير مناسبة:
— هذا عملي. ولو لم أكن ماهرة لما جئتم إليّ ودفعتم قيمة هذا الكشف.
قال الأب بهدوء أشد إيلامًا:
— كشفكِ غالٍ فعلًا، ولكن هل تسمحين بسؤال؟
رفعت حاجبًا واحدًا:
— باختصار.
قال:
— منذ متى لم تجلسي أنتِ على هذا المقعد؟
مقعد المريض؟
حبست الأم أنفاسها.
رفعت الأخت الكبرى رأسها لأول مرة.
ضحكت الطبيبة ضحكة حادة:
— سؤال غير مهني.
قال الأب:
— بل مهني جدًا.
من لا يراجع نفسه، لا يحق له أن يفتّش في الآخرين.
انحنت الطبيبة فجأة وقالت بحدة:
— أنا لا أحتاج علاجًا. أنا العلاج.
ارتعشت الطفلة.
قال الأب:
— الخوف لا يُعالَج بالخوف.
والعلم بلا رحمة قسوة.
والمهنة بلا أخلاق أذى.
ارتفع صوت الطبيبة:
— أنت تتجاوز حدودك!
اقترب الأب خطوة، وصوته لا يعلو لكنه يصيب:
— أنتِ لا تتحدثين كطبيبة، بل كابنةٍ لم يُسمَح لها يومًا بالخطأ.
تصلّبت الطبيبة، واهتزت ابتسامتها:
— هذا إسقاط رخيص.
هزّ الأب رأسه:
— بل قراءة واضحة.
أبٌ قاسٍ علّمكِ أن الطاعة نجاة،
وأن الحب مشروط بالخضوع.
ثم زوجٌ أعاد الدرس نفسه،
فتعلّمتِ أن السيطرة هي الشكل الوحيد للأمان.
ضحكت بعصبية:
— أنت لا تعرف عني شيئًا!
قال بهدوء:
— أعرف أنكِ حين يضعف الآخرون تشعرين بالقوة،
وحين يقاومون تغضبين.
أعرف أنكِ بعتِ الوهم،
واستغللتِ حقيقة أن البشر جميعًا جرحى بدرجات مختلفة.
حوّلتِ العيادة إلى مسرح،
تفرغين فيه غضبكِ
وعُقدك المؤجلة
على مرضى جاؤوا يبحثون عن طمأنينة.
ضربت الطبيبة المكتب:
— كفاية!
ثم صرخت:
— من قال لك هذا؟
هل تتجسّس عليّ؟
كيف عرفت؟
قال الأب:
— لا أحد.
انكسر صوتها:
— أنت ساحر؟ عرّاف؟
أنت لا تعرفني!
سكت الأب. نظر إليها طويلًا.
التفتت إلى الأم:
— قولي له يجيب!
سألت الزوجة زوجها بصوت مرتجف:
— أنت أول مرة تشوفها، صح؟
قال:
— نعم.
— إذًا كيف عرفت؟
من أخبرك؟
تنفّس الأب بعمق:
— هي.
نهضت الطبيبة بعصبية، تسارعت أنفاسها:
— هذا دجل!
تعارض صارخ مع العلم!
قالت الأم بصوت ثابت:
— ابنتي ليست حقل تجارب.
أمسك الأب بيدي ابنتيه،
وقبل أن يفتح الباب قال:
— العلاج يبدأ حين يعترف صاحبه أنه يحتاجه.
خرجوا.
وبقيت الطبيبة وحدها.
الكرسي المقابل فارغ.
القلم يدور بين أصابعها بعصبية.
لأول مرة،
نظرت إلى المقعد
ولم تبتسم.
-
كفّاه منطبقتان فوق ركبتيه، ظهره مستقيم، عيناه ثابتتان لا تطرفان.
إلى جواره جلست الأم، متحفظة، تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع.
الطفلة في المنتصف، رأسها منكس، تحدّق في البلاط.
أما الأخت الكبرى فكانت تراقب الوجوه جميعًا، كأنها تفهم أكثر مما ينبغي لعمرها.
قال الأب بنبرة هادئة، لكنها مشدودة كوترٍ على وشك القطع:
— ليس معنى أنني جئت بابنتي لضبط سلوكها، أن يُسمح لكِ بالحديث معنا بهذه الطريقة.
مالت الطبيبة إلى الخلف، شبكت ساقيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة:
— أنا طبيبة نفسية، وأعرف جيدًا كيف أتحدث مع المرضى.
رفع الأب رأسه ببطء:
— وهل قلتُ إننا مرضى؟
تقدّمت الأم بصوت خافت:
— نحن جئنا من أجل البنت فقط…
قاطعتها الطبيبة بإشارة حادة من يدها:
— الأسرة وحدة واحدة. من ينكر ذلك لا يفهم شيئًا في العلاج.
ضحك الأب ضحكة قصيرة جافة:
— لا تكلّميني وكأنكِ اكتشفتِ الإنسان هذا الصباح.
انحنت الطبيبة إلى الأمام، وعيناها تلمعان بحدّة غير مطمئنة:
— هنا، أنا التي أقرر من المريض ومن السليم، من السوي ومن غير السوي، من العاقل ومن المجنون.
شدّت الأخت الكبرى على يد أختها.
ارتعشت الطفلة.
أشار الأب إليهما:
— هل هذا جزء من العلاج أيضًا؟
لوّحت الطبيبة بيدها بازدراء:
— التمثيل العاطفي لا يخدعني.
نهض الأب فجأة، وصاح:
— أنتِ لا تعالجين، أنتِ تستعرضين.
تتعاملين معنا وكأننا مجانين،
بينما الجنون الحقيقي أن تظني نفسكِ فوق البشر
لمجرد أنكِ تحفظين بعض المصطلحات.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة واسعة غير مناسبة:
— هذا عملي. ولو لم أكن ماهرة لما جئتم إليّ ودفعتم قيمة هذا الكشف.
قال الأب بهدوء أشد إيلامًا:
— كشفكِ غالٍ فعلًا، ولكن هل تسمحين بسؤال؟
رفعت حاجبًا واحدًا:
— باختصار.
قال:
— منذ متى لم تجلسي أنتِ على هذا المقعد؟
مقعد المريض؟
حبست الأم أنفاسها.
رفعت الأخت الكبرى رأسها لأول مرة.
ضحكت الطبيبة ضحكة حادة:
— سؤال غير مهني.
قال الأب:
— بل مهني جدًا.
من لا يراجع نفسه، لا يحق له أن يفتّش في الآخرين.
انحنت الطبيبة فجأة وقالت بحدة:
— أنا لا أحتاج علاجًا. أنا العلاج.
ارتعشت الطفلة.
قال الأب:
— الخوف لا يُعالَج بالخوف.
والعلم بلا رحمة قسوة.
والمهنة بلا أخلاق أذى.
ارتفع صوت الطبيبة:
— أنت تتجاوز حدودك!
اقترب الأب خطوة، وصوته لا يعلو لكنه يصيب:
— أنتِ لا تتحدثين كطبيبة، بل كابنةٍ لم يُسمَح لها يومًا بالخطأ.
تصلّبت الطبيبة، واهتزت ابتسامتها:
— هذا إسقاط رخيص.
هزّ الأب رأسه:
— بل قراءة واضحة.
أبٌ قاسٍ علّمكِ أن الطاعة نجاة،
وأن الحب مشروط بالخضوع.
ثم زوجٌ أعاد الدرس نفسه،
فتعلّمتِ أن السيطرة هي الشكل الوحيد للأمان.
ضحكت بعصبية:
— أنت لا تعرف عني شيئًا!
قال بهدوء:
— أعرف أنكِ حين يضعف الآخرون تشعرين بالقوة،
وحين يقاومون تغضبين.
أعرف أنكِ بعتِ الوهم،
واستغللتِ حقيقة أن البشر جميعًا جرحى بدرجات مختلفة.
حوّلتِ العيادة إلى مسرح،
تفرغين فيه غضبكِ
وعُقدك المؤجلة
على مرضى جاؤوا يبحثون عن طمأنينة.
ضربت الطبيبة المكتب:
— كفاية!
ثم صرخت:
— من قال لك هذا؟
هل تتجسّس عليّ؟
كيف عرفت؟
قال الأب:
— لا أحد.
انكسر صوتها:
— أنت ساحر؟ عرّاف؟
أنت لا تعرفني!
سكت الأب. نظر إليها طويلًا.
التفتت إلى الأم:
— قولي له يجيب!
سألت الزوجة زوجها بصوت مرتجف:
— أنت أول مرة تشوفها، صح؟
قال:
— نعم.
— إذًا كيف عرفت؟
من أخبرك؟
تنفّس الأب بعمق:
— هي.
نهضت الطبيبة بعصبية، تسارعت أنفاسها:
— هذا دجل!
تعارض صارخ مع العلم!
قالت الأم بصوت ثابت:
— ابنتي ليست حقل تجارب.
أمسك الأب بيدي ابنتيه،
وقبل أن يفتح الباب قال:
— العلاج يبدأ حين يعترف صاحبه أنه يحتاجه.
خرجوا.
وبقيت الطبيبة وحدها.
الكرسي المقابل فارغ.
القلم يدور بين أصابعها بعصبية.
لأول مرة،
نظرت إلى المقعد
ولم تبتسم.
-