أحمد عبدالله إسماعيل - قانون جديد...

في مدينة اللامبالاة، استيقظ آدم صباح اليوم وهو يشعر أن قلبه أُنهك من التجاهل. تذكّر عدد المرات التي مدّ فيها يده أولًا، وعدد المرات التي عادت فارغة. لم يكن غاضبًا فحسب، بل متعبًا أيضًا. جلس على حافة السرير، وابتسم ابتسامة باهتة، كمن وجد أخيرًا معادلة تُنهي الفوضى.
أعلنها في قرارة نفسه ثورةً باردة: "من الآن فصاعدًا، لن أهبَ عاطفةً بغير ثمن؛ فلكل فعلٍ ميزان، ولكلِ ودٍّ مقابل".
فتح هاتفه، وبسبابة يده اليمنى قلّب صورًا تثير في نفسه مشاعر متباينة: ضحكات، أخبار نجاح، شكاوى مبطنة، تهانٍ جماعية تشبه القوالب الجاهزة. توقّف أصبعه فوق منشور لصديق احتفل بزفافه. تذكّر صورته الأخيرة التي مرّت دون تعليق. أغلق الشاشة.
مرّ على خبر حزين، ثم آخر مفرح، ولم يترك أثرًا.
تحوّلت صفحته من ساحة ضجيج إلى مساحة صامتة، كغرفة أُطفئت أنوارها فجأة. للمرة الأولى، أدرك بيقينٍ موحش أن ضجيج الحياة الذي كان يحيط به، لم يكن إلا صدىً لندائه هو، فلما صمت، خيّم السكون على كونه بأكمله.
في المكتب، صار الصباح مشروطًا. من قال له: صباح الخير، ردّ عليه. من مرّ صامتًا، تركه يمر.
جلس على مكتبه، الكرسي المقابل فارغ، وكوب القهوة يبرد ببطء. غاب أحد الزملاء، ولم يسأل عنه. تذكّر جيدًا كيف غاب هو أمس، ولم يسأل أحد.
مع نهاية اليوم، أدرك شيئًا بلا مقدمات: الناس لا يتجاهلونك دائمًا عن قصد، لكن إذا انتظر الجميع أن يبدأ الآخر، سيتحوّل المكان إلى قاعة انتظار بلا نداء.
لم يعد آدم يُرى كما كان. خفتت ملامحه في ذاكرة الآخرين، وصار حضوره محايدًا، بلا حرارة ولا أثر.
إذا ابتسموا، ابتسم بالقدر نفسه. وإذا عبسوا، انعكس العبوس على وجهه فورًا، كمرآة لا تعرف الاختيار.
في المساء، عاد إلى شقته، فاستقبله صمت أثقل من المعتاد. طبق صغير في الزاوية، لعبة قماشية مهملة، حتى قطته لم تعد هناك، رحلت بعدما طبق عليها آدم قانونه.
جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط. مدّ يده إلى الهاتف، ثم توقّف. قلّب سجل المكالمات: هذا لم يتصل منذ عصور، ذاك نسي العيد، وآخر اكتفى بإعجاب في عيد ميلاده الماضي.
كاد أن يحذف جهات الاتصال، لكنه تراجع فجأة ثم أغلق الهاتف. في تلك الليلة، فهم أن المعاملة بالمثل قد تكون منصفة… لكنها أحيانًا وحدة مرتّبة بعناية. أدرك آدم أن العلاقات ليست تبادلًا دقيقًا، بل رهانًا إنسانيًا هشًا.
العالم أشبه بحديقة: إن سقيت فقط الزهرة التي تتفتح وتفوح بعطرها فورًا، ستستيقظ يومًا لتجد كل شيء قد ذبل. قد تمتلك حينها حقك كاملًا، لكنك ستقف وحدك، في صحراء صامتة، لا صدى فيها لخطواتك.
في الصباح، سقى آدم زهرةً في أول أيامها، لا يرجو منها شكرًا ولا ينتظر منها عبيرًا، ومضى يمشي في الأرض هونا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى