غانية ملحيس - الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الثالث)

غانية ملحيس
5/2/2026

من نزع السياسة إلى نيكروسياسة (سياسة الإماتة)
في الجزأين السابقين ناقشنا، كيف تُصبح الإبادة الحديثة ممكنة من الناحية البنيوية، وكيف يؤدي نزع السياسة إلى تحويل الحياة إلى مادة إدارة. في الجزء الثالث، ننتقل من الهيكل السياسي إلى لغة السلطة والإنسانية، ونرى كيف تُستكمل عملية التفريغ السياسي عبر الخطاب.
أولا: الإبادة واللغة: نزع السياسة كلغة
لا تُمارَس الإبادة في العالم الحديث بوصفها فعل قتل مباشر فحسب، بل بوصفها نظاما لغويا - سياسيا يعيد تعريف ما يُرى، وما يُقال، وما يُحسب جديرا بالحياة أو قابلا للمحو⁹¹. فالإبادة، في صيغتها المعاصرة، لا تبدأ بالرصاص ولا تنتهي به، بل تبدأ حين تُفصل الحياة عن اللغة التي تمنحها معنى سياسيا وأخلاقيا، وحين تُعاد صياغة الإنسان بوصفه كائنا بيولوجيا محضا، قابلا للإدارة، لا ذاتا سياسية تمتلك حق الظهور والمطالبة⁹².
من هذا المنظور، لا يمكن فهم الإبادة الحديثة خارج المسار الطويل الذي حلّله كل من فرانتز فانون⁹³، وجورجيو أغامبين⁹⁴، وأشيل مبمبي⁹⁵، كلٌّ من موقعه، حول نزع السياسة عن الحياة وتحويلها إلى مادة حكم. فالإبادة ليست انحرافا عن العقلانية الحديثة، بل إحدى ذراها القصوى حين تبلغ قدرتها على الفصل بين الفعل واللغة، بين القتل والمسؤولية، وبين العنف والمعنى⁹⁶.

ثانيا: اللغة ليست مرآة الواقع، بل شرط ظهوره
تنطلق الحداثة السياسية الغربية من افتراض مضمر مفاده أن اللغة أداة توصيف محايدة، وأن العنف يظهر أولا في الواقع ثم يُسمّى لاحقا 97. غير أن التجربة الاستعمارية، كما كشف فانون مبكرا ⁹⁸، تقلب هذا الترتيب رأسا على عقب: اللغة تسبق العنف، وتُعدّه، وتُعيد إنتاجه بوصفه ضرورة. فالاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل نظام التسمية ذاته، يحدّد من هو الإنسان، ومن هم «السكّان»، من هو «المدني»، ومن هو «التهديد»⁹⁹.
في هذا الإطار، تصبح اللغة شرطا لإمكان الإبادة لا مجرد وصف لها. فحين يُنزَع عن جماعة بشرية وصفها السياسي، ويُعاد تعريفها عبر معجم إنساني - تقني (أزمة، وضع إنساني، احتياجات، مخاطر)، فإنها تُنقل من مجال الصراع السياسي إلى مجال الإدارة. هنا بالضبط يبدأ التحول من القتل كجريمة إلى القتل كإجراء¹⁰⁰.
ما أجادل به هنا ليس فقط أن اللغة تُمهّد للإبادة أو تبررها، كما بين فانون وأغامبين ومبمبي كلٌ من زاويته، بل أن نزع السياسة عن اللغة ذاتها هو الآلية المركزية التي تجعل الإبادة ممكنة دون أن تُرى بوصفها جريمة. حين تُفرغ اللغة من مفردات الفعل والمسؤولية والحق، لا يعود القتل بحاجة إلى تبرير، بل يصبح نتيجة إدارية طبيعية لمسار تقني “محايد”. في هذا المعنى، لا تكون الإبادة حدثا استثنائيا، بل وظيفة لغوية - سياسية تعمل بهدوء داخل الخطاب الإنساني ذاته.
ثالثا: أغامبين والحياة العارية: السياسة المعلقة كشرط للإبادة
يقدّم أغامبين¹⁰¹. مفهوم الحياة العارية (Bare Life) ليس بوصفه حالة استثنائية نادرة، بل بوصفه البنية الخفية التي يقوم عليها النظام السياسي الحديث. فحين تُعلّق السياسة باسم القانون، وحين يُستدعى الاستثناء بوصفه ضرورة أمنية أو إنسانية، تتحول الحياة إلى مادة سيادية خاضعة للتقدير، لا إلى حق غير قابل للمساس102
غير أن أهمية أغامبين في سياق الإبادة لا تكمن فقط في تشخيصه لمعسكر الاعتقال بوصفه النموذج السياسي الخفي للحداثة، بل في كشفه أن تعليق السياسة لا يحتاج دائما إلى طغيان صريح، يكفي تعليق اللغة السياسية ذاتها 103، حين تُلغى مفردات الحق، والمسؤولية، والفاعل، وتُستبدل بمفردات التقنية والضرورة، يصبح القتل ممكنا دون أن يُسمّى قتلا 104.
رابعا: مبمبي وسياسة الإماتة (نيكروسياسة)
إذا كان أغامبين قد كشف آلية نزع السياسة، فإن أشيل مبمبي 105 يذهب خطوة أبعد حين يبيّن أن الحداثة المتأخرة لا تكتفي بإدارة الحياة، بل تُنظّم الموت ذاته. سياسة الإماتة (النيكروسياسة) ليست فقط سلطة القتل، بل سلطة توزيع القابلية للموت، وتحديد من يُترك ليموت، ومن يُنقَذ، ومن يُحاط بخطاب الأسف دون أن يُحمى 106.
في هذا السياق، تصبح الإبادة عملية تدريجية، موزّعة زمنيا ولغويا، تُنفَّذ عبر الحصار، التجويع، تدمير البنى، وإغراق الفضاء العام بخطاب «الأسف الإنساني» الذي لا يترجم إلى مساءلة أو وقف فعلي للعنف 107 لا يُلغى الإنسان جسديا فقط، بل يُلغى بوصفه مخاطبا سياسيا.
خامسا: فانون: الاستعمار كلغة قبل السلاح
ما يجعل فانون حاضرًا بقوة في هذا الجزء هو إدراكه المبكر أن الاستعمار لا يعمل فقط عبر القهر المادي، بل عبر تشويه بنية الإدراك ذاتها. فاللغة الاستعمارية لا تصف المستعمَر، بل تعيد تكوينه في وعيه ووعي العالم به 108 من هنا، لا تكون الإبادة حدثا مفاجئا، بل ذروة مسار طويل من نزع الاعتراف.
في فلسطين، يتجلّى هذا المنطق بوضوح فادح: الفلسطيني لا يُقتل لأنه عدو فحسب، بل لأنه مُفرغ لغويا من صفته السياسية. يُعاد تعريفه كـ «سكان»، «حالة إنسانية»، «مشكلة أمنية»، بينما تُحذف كلمة استعمار، وتُعلّق كلمة احتلال، ويُعاد تدوير العنف بوصفه دفاعا عن النفس، أو إدارة صراع109.
سادسا: الإنسانية كقناع للإبادة
الطرح الذي أقترحه هنا يتجاوز فهم الخطاب الإنساني بوصفه فشلا أخلاقيا أو نفاقا سياسيا، ليراه بوصفه بنية اشتغال كاملة داخل النظام العالمي المعاصر. الإنسانية ليست قناعا يُلبس بعد وقوع العنف، بل لغة تُنتج نمطا خاصا من العنف: عنفا منزوع الفاعل، منزوع السياسة، قابلا للإدارة لا للمساءلة.
من هنا، لا تكون الإغاثة نقيض الإبادة، بل أحد أشكال تنظيمها حين تُفصل عن سؤال السلطة والقرار.
هنا نصل إلى المفارقة المركزية: كلما تصاعدت الإبادة، تصاعد خطاب الإنسانية. لكن هذه الإنسانية، في صيغتها المعاصرة، لا تعمل نقيضا للإبادة، بل شرطا لتمريرها 110، فهي تنقل النقاش من سؤال العدالة إلى سؤال المعاناة، ومن سؤال الفاعل إلى سؤال الاحتياجات، ومن السياسة إلى الإغاثة.
حين تُقصف مدينة، ويُقال إن «الوضع الإنساني كارثي»، دون أن يُسمّى الفعل إبادة، أو يُسمّى الفاعل، تكون اللغة قد أنجزت مهمتها: تحويل الجريمة إلى ظرف. في هذا المستوى، لا تعود الإنسانية أخلاقا، بل تقنية إدارة للصدمة، تضمن استمرار النظام القاتل دون انهيار شرعيته الخطابية 111.
سابعا: غزة: لحظة انكشاف اللغة الإنسانية
غزة لا تُستدعى هنا بوصفها حالة استثنائية أو مثالا منفصلا، بل بوصفها لحظة انكشاف قصوى، تتكثف فيها آليات اشتغلت طويلا في أماكن وسياقات أخرى، لكنها تظهر هنا بأعلى درجات وضوحها وعنفها.
غزة ليست «حالة قصوى» فحسب، بل لحظة انهيار للغة ذاتها. فكل المفردات الجاهزة – القانون الدولي، حقوق الإنسان، الحماية، الإنسانية - تُستعمل بكثافة غير مسبوقة، وفي الوقت ذاته تفشل بالكامل في إيقاف الإبادة 112، هذا الفشل ليس عرضيا، بل كاشفا: اللغة لم تُصمَّم للحماية، بل للإدارة.
في غزة، نرى سياسة الإماتة (النيكروسياسة) عارية: حياة تُدار حتى الموت، موت يُحاط بخطاب الأسف، وإبادة تُقدَّم بوصفها مأساة بلا فاعل. هنا تتجلى الحقيقة القاسية: حين تنفصل اللغة عن الواقع، تصبح شريكة في القتل.
ثامنا: من اللغة الإنسانية إلى الوصاية الدولية
ما يحدث في غزة يظهر بوضوح أن اللغة الإنسانية لم تعد مجرد وصف أو توصيف للمعاناة، بل أداة لإدارة العنف والتحكم في الفضاء السياسي. فالخطاب الإنساني يُستدعى لتنظيم البقاء، وتوزيع الموارد، وتخفيف الفضيحة دون المساس بالهيكل البنيوي للإبادة، بهذا الشكل تتحول الإنسانية إلى قناع ينقل النقاش من المسؤولية السياسية المباشرة إلى الإدارة التقنية للحياة والموت. حيث يصبح القرار مركزيا ويخضع للتقدير الإداري أكثر من كونه حقا سياسيا.
هذا المنطق يفسر أيضا دور الوصاية الدولية ومجالس النخب، التي تتدخل باسم الحماية والسلام، لكنها عمليا تعلّق السياسة وتحوّل الإنسان إلى موضوع قابل للإدارة. إن تدخلات هذه المؤسسات ليست استثناءات عن النظام، بل امتداد طبيعي للفكرة نفسها التي كشف عنها فانون في الاستعمار كلغة، وأغامبين بمفهوم الحياة العارية، ومبمبي من خلال سياسة الإماتة: تحييد الفعل السياسي المباشر، وتفكيك إمكانية المساءلة، وتحويل البشر إلى وحدات خاضعة للإدارة تحت غطاء أخلاقي.
من هذا المنظور، يمكن قراءة تدخلات الوصاية الدولية ومجالس السلام واللجان التكنوقراطية النخبوية، ليس كاستثناءات، بل امتداد منطقي لنفس المنطق البنيوي للغة الإنسانية، حيث تُستعمل الأخلاق كقناع لإدامة العنف، وتظل السياسة معلقة، والقرار يُدار بشكل مركزي وتقني، بعيدا عن أي مساءلة فعلية.
تاسعا: لماذا يفشل القانون الدولي؟
من هذا المنظور، يصبح واضحا أن فشل القانون الدولي في حماية الفلسطينيين ليس مجرد إخفاق تشريعي أو سياسي، بل هو فشل بنيوي ناتج عن طبيعة اللغة والمفاهيم التي يقوم عليها. القانون الدولي يفترض دولة، سيادة، حربا متكافئة، وأطرافا واضحة للمساءلة، بينما تُمارَس الإبادة عبر تفكيك هذه الافتراضات نفسها، وتحويل الفعل السياسي إلى إدارة تقنية للحياة والموت.
القانون الدولي هنا لا يُخرق فقط، بل يُستَخدم داخل نفس المعجم اللغوي الذي يسمح بالإبادة دون أن يُسمّى الفعل قتلاً، ودون تحديد الفاعل¹¹¹. الإطار القانوني يتحول إلى ديكور أخلاقي يضفي على الصراع شكلا من الشرعية الشكلية، بينما يظل جوهر العنف والسيطرة على السكان غير محل مساءلة.
بهذه الطريقة، تتضح المفارقة: كلما صعدت الإبادة، ازداد استعمال القانون الدولي واللغة الإنسانية، ليس لوقفها، بل لإدارتها وتقنينها. القانون لا يكون حماية، بل أداة ضمن نفس الآليات البنيوية التي تحوّل الحياة السياسية إلى مادة قابلة للإدارة والتصفية، بينما يُخفي المسؤولية ويُغلف القتل بخطاب شكلي عن العدالة.
في هذا الجزء، توضّح كيف تُصبح الإبادة الحديثة ممكنة ليس فقط عبر العنف المادي المباشر، بل عبر تفريغ اللغة من المعنى السياسي، وتحويل الإنسان إلى مادة قابلة للإدارة. نزع السياسة عن الحياة، وتحويل الفعل إلى إدارة تقنية، وإحلال خطاب الإنسانية مكان الحقوق والمسؤولية، جميعها آليات مركزية تجعل الإبادة ممكنة دون أن تُسمّى جريمة. من فانون إلى أغامبين، ومن مبمبي إلى الفقه الدولي المعاصر، يتضح أن هذه العمليات ليست استثناءات، بل بنية منهجية للحداثة السياسية.
الجزء الرابع سينتقل من التحليل النظري للغة والسياسة والإبادة إلى تطبيق هذه المفاهيم على الواقع الفلسطيني، لفهم كيف تتجسد هذه الآليات البنيوية على الأرض، وكيف تؤثر على حياة الناس اليومية وصراعهم من أجل البقاء والاعتراف السياسي. هنا، تصبح النظرية شاهدة على الواقع، والواقع معلما لا يُمكن تجاهله.

الحواشي
91. فرانتز فانون، معذبو الأرض، ص. 95.
92. جورجيو أغامبين، الحياة العارية، ص. 72.
93. فرانتز فانون، معذبو الأرض، ص. 101.
94. جورجيو أغامبين، الحياة العارية، ص. 72.
95. أشيل مبمبي، نيكروسياسة، ص. 81.
96. ميشيل رو، الحداثة والإبادة، ص. 123.
97. ديدييه فاسان، العقل الإنساني: تاريخ أخلاقي للحاضر ص. 74.
98. تقرير اللجنة الثلاثية، أزمة الديمقراطية (1975)، ص. 89.
99. تقرير اللجنة الثلاثية، أزمة الديمقراطية (1975)، ص. 94.
100. مايكل مان، مصادر السلطة الاجتماعية، المجلد الأول: تاريخ السلطة من البدايات حتى 1760، ص. 61.
101. ماكس فيبر، السياسة بوصفها مهنة، ص. 79.
102. كارل شميت، اللاهوت السياسي، ص. 71.
103. حنّة آرندت، أصول الشمولية، ص. 171.
104. إيمانويل والرشتاين، تحليل النظم-العالمية: مدخل، ص. 109.
105. فرانتز فانون، معذبو الأرض، ص. 95.
106. جورجيو أغامبين، الحياة العارية، ص. 72.
107. أشيل مبمبي، نيكروسياسة، ص. 81.
108. ميشيل رو، الحداثة والإبادة، ص. 123.
109. مايكل فوكو، الرقابة والانضباط، ص. 103.
110. جيمس سكوت، سيطرة الدولة وفشلها، ص. 65.
111. توماس بالارد، العقلانية الإدارية والسلطة الحديثة، ص. 81.
112. تقرير اللجنة الثلاثية، أزمة الديمقراطية (1975)، ص. 101.

تعليقات

خالد عطية


الدكتورة العزيزة غانية،
هذا الجهد الفكري يُحسب لكِ بلا تردّد. ليس فقط لعمقه النظري واتساع اشتباكه، بل لجرأته في فضح وتعرية بنية كاملة من اللغة والسلطة اعتدنا المرور فوقها أو التواطؤ معها دون تسمية. ما تكتبينه هنا ليس شائعًا في سياقنا العربي، لا من حيث الصرامة المفهومية، ولا من حيث الجرأة على مساءلة “الإنساني” ذاته بوصفه أداة حكم لا خطاب تعاطف. هذه كتابة تخرج من منطق الشرح إلى فعل الكشف، ومن التحليل إلى التفكيك العاري، وهذا بحد ذاته موقف معرفي وأخلاقي نادر.
ما يقدّمه هذا الجزء لا يكتفي بتفكيك اللغة بوصفها أداة تبرير، بل يذهب أبعد: يكشف أن اللغة ذاتها أصبحت ساحة الإبادة الأولى. ليس لأن الكلمات تخون الواقع، بل لأن الواقع لا يُسمح له أن يظهر إلا عبر كلمات صُمِّمت مسبقًا لتفريغه من السياسة. هنا لا تعود الإبادة حدثًا يقع ثم يُوصف، بل مسارًا لغويًا طويلًا يجعل القتل ممكنًا قبل أن يحدث، ومقبولًا حين يحدث، وغير قابل للمساءلة بعد حدوثه.
القيمة الحقيقية لهذا الجزء أنه يُخرج النقاش من الثنائية السطحية بين “نفاق إنساني” و”فشل أخلاقي”، ليضعنا أمام منطق أخطر: الإنسانية بوصفها تكنولوجيا حكم. فاللغة الإنسانية لا تعمل هنا كقناع يُلبس بعد الجريمة، بل كبنية تشغيلية تُحوِّل العنف إلى “ظرف”، والفاعل إلى “غياب”، والحق إلى “احتياج”. بهذا المعنى، لا تكون الإغاثة نقيض الإبادة، بل أحد أشكال استقرارها اللغوي.
الاشتباك مع أغامبين ومبمبي وفانون لا يأتي بوصفه استدعاءً نظريًا، بل بوصفه كشفًا لتكامل مسار: من تعليق السياسة، إلى إنتاج الحياة العارية، إلى توزيع القابلية للموت. غير أن الإضافة النوعية هنا هي إظهار أن تعليق السياسة لا يتم فقط عبر القانون أو الاستثناء، بل عبر اللغة نفسها: حين تختفي مفردات المسؤولية، والفاعل، والعدالة، لا يعود القتل بحاجة إلى قرار سيادي فجّ؛ يكفي أن يُدار.
غزة، في هذا السياق، لا تظهر كـ”فضيحة أخلاقية” للنظام الدولي، بل كاختباره الأكثر صفاءً. فكلما ازدادت كثافة المفردات الإنسانية، ازداد وضوح أن هذه اللغة لم تُبنَ للحماية، بل للضبط. ليس فشل القانون الدولي هو ما ينكشف، بل حدوده البنيوية: قانون صُمِّم للتعامل مع دول وسيادات متقابلة، لا مع استعمار يُحوِّل شعبًا كاملًا إلى حالة إدارية طويلة الأمد.
الأثر الأكثر إزعاجًا في هذا النص أنه لا يترك للقارئ موقع البراءة. فاللغة التي تُدان ليست فقط لغة المؤسسات الدولية، بل اللغة التي نتداولها يوميًا حين نقبل، دون مساءلة، بتحويل الإبادة إلى “أزمة”، والقتل إلى “تعقيد”، والمحو إلى “سياق”. هنا يصبح السؤال غير المريح: إلى أي حدّ نحن أنفسنا نعيش داخل هذه اللغة، ونفكّر بها، ونُعيد إنتاجها؟
هذا الجزء لا يمنح عزاءً، ولا يَعِد بإمكانية خلاص لغوي سريع. لكنه ينجح في ما هو أخطر وأصدق: إعادة السياسة إلى اللغة عبر فضح غيابها. وفي لحظة يُراد فيها تحويل الإبادة إلى وضع طبيعي، يصبح هذا الفضح فعلًا سياسيًا بحد ذاته، لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال المقاومة.
 
غانية ملجيس

العزيز خالد
لا أكتب لك ردا على تعليقك، بل امتدادا لحوار نعرف أنه أوسع من مقال، وأطول من لحظة. ما فعلته في قراءتك هو أنك دفعت الفكرة إلى تخومها القصوى: حيث لا تعود اللغة غطاء أخلاقيا للعنف، بل بنيته التحتية. هنا يصبح السؤال أقل عن “تشويه الإنساني”، وأكثر عن اكتماله كنظام حكم قادر على إدارة الموت بضمير مطمئن.
توصيفك للغة كساحة الإبادة الأولى يفتح مسارا فلسفيا مقلقا: نحن لا نعيش فقط في عالم تُبرَّر فيه الجرائم بالكلمات، بل في عالم تُصمَّم فيه الكلمات بحيث تسبق الجريمة، وتؤسس قابليتها، ثم تُغلق أفق مساءلتها. اللغة، بهذا المعنى، لا تمثّل الواقع ولا تخونه، بل تُنتجه ضمن شروط ضبط دقيقة تُقصي السياسة من حيث تدّعي تحييدها.
حين نفكّر في “الإنسانية” كتكنولوجيا حكم، يتبدّى أن ما يجري ليس انهيارا أخلاقيا ولا نفاقا عابرا، بل عقلانية كاملة تحوّل الفعل العنيف إلى إجراء، والفاعل إلى وظيفة غائبة، والحق إلى احتياج قابل للإدارة. هنا لا تكون الإغاثة نقيض الإبادة، بل أحد أشكال استقرارها اللغوي، كما أشرت بدقة.
غزة، في هذا السياق، ليست استثناء ولا فضيحة، بل لحظة صفاء قصوى: حيث تبلغ اللغة الإنسانية ذروة كثافتها في اللحظة نفسها التي يُسحب فيها الظهور السياسي. ليس القانون الدولي هو ما يفشل، بل منطقه البنيوي حين يواجه استعمارا إحلاليا يريد إبقاء من ينجو من الشعب من الإبادة داخل حالة إدارية دائمة، قابلة للقياس والضبط والتقنين.
وأكثر ما يربكني - وأجدك تلمسه بوضوح - أن هذه اللغة لا تعمل من فوقنا فقط، بل من داخلنا. نحن نفكّر بها، نعيد إنتاجها، ونتواطأ معها أحيانا حين نقبل بتحويل الإبادة إلى “أزمة”، والقتل إلى “تعقيد”، والمحو إلى “سياق”. هنا لا يعود السؤال أخلاقيا بقدر ما هو وجودي: كيف نخرج من لغة نعيش داخلها دون أن نفقد القدرة على الكلام؟
ربما لا يكون الرهان في اختراع لغة بديلة مكتملة، بل في إحداث شقوق داخل اللغة السائدة: إعادة إدخال الفاعل إلى الجملة، وإعادة السياسة إلى المفردة، والتاريخ إلى الحدث، حتى لو بدا ذلك نشازا أو “غير مهني”. التفكير نفسه، في هذه اللحظة، يصبح ممارسة مقاومة، لا وصفا لما يجري.
أرى المقال بأجزائه، وتعليقاتك عليها، كتمرين مشترك على هذا الشقّ: محاولة عنيدة لاستعادة المعنى من قبضة اللغة التي تريد كل شيء قابلا للإدارة. الحوار هنا ليس إضافة على المقال، بل أحد شروط اكتماله… وربما أحد أشكال الحلم بأن التفكير ما يزال ممكنا، وضروريا، رغم كل شيء.
غانية ملحيس
6/2/2026
 
* يحيى بركات


الدكتورة العزيزة غانية،
عدتُ إلى مقالك بأجزائه الثلاثة لا بوصفه سلسلة نصوص، بل بوصفه عملاً فكريًا واحدًا لا تُرى صورته إلا حين يُقرأ كاملًا، كما يُعاد مشاهدة فيلم بعد اكتمال مشاهده الأولى والثانية والثالثة. قراءة كل جزء على حدة تُظهر عمقه، لكن قراءته مجتمعة تكشف بنيته الحقيقية، وتُظهر أن ما كتبته ليس تحليلًا عابرًا للإبادة، بل محاولة جادّة لتفكيك النظام الذي جعلها ممكنة، قابلة للإدارة، ومستقرة داخل خطاب الحداثة السياسية.
ما ينجزه هذا العمل، منذ الجزء الأول، هو نقل السؤال من مستوى الإدانة الأخلاقية إلى مستوى الشروط البنيوية. الإبادة هنا لا تُقدَّم كخلل في النظام الدولي، بل كإحدى إمكاناته الكامنة حين تُنزع السياسة من معناها، ويُعاد تعريف الإنسان خارج صفته كفاعل سياسي. هذا التحويل ليس تفصيلاً نظريًا، بل المفتاح الذي يفسّر كيف يمكن لعنف بهذا الحجم أن يستمر دون أن يهتز النظام الذي يدّعي حماية الإنسان.
في الجزء الثاني، تتضح آلية التشغيل: نزع السياسة لا بوصفه قمعًا فجًا، بل بوصفه عقلانية إدارية هادئة، تحوّل الديمقراطية نفسها من فضاء صراع وتمثيل إلى منظومة حوكمة واستقرار. هنا يصبح المجتمع “مشكلة”، والمطالب “عبئًا”، والمشاركة “فائضًا”، وتُعاد صياغة الحكم بلغة الكفاءة والضرورة. إدخالك لتقرير اللجنة الثلاثية لا يأتي بوصفه مرجعًا تفسيريًا، بل كنص كاشف لعقلٍ سياسيّ قرّر منذ السبعينيات أن الاستقرار أولى من العدالة، وأن السياسة خطر يجب تحييده، لا مجالًا يجب توسيعه.
لكن الذروة الحقيقية للعمل تظهر في الجزء الثالث، حيث تنتقل الإبادة من مستوى البنية والإدارة إلى مستوى اللغة. هنا لا تعود اللغة وسيطًا يصف ما يجري، بل شرطًا لما يمكن أن يُرى ويُسمّى ويُحاسَب. الإبادة، في هذا المستوى، لا تبدأ بالرصاصة ولا تنتهي بها، بل تبدأ حين تُفرَّغ اللغة من مفردات الفعل والمسؤولية والحق، وحين يُعاد تعريف الإنسان بوصفه حالة إنسانية، أو رقمًا، أو احتياجًا، لا ذاتًا سياسية قادرة على المطالبة. بهذا المعنى، تصبح الإنسانية نفسها—في صيغتها المعاصرة—تكنولوجيا حكم، لا نقيضًا للإبادة، بل إحدى آليات إدارتها.
غزة، كما تظهر في هذا العمل، ليست “فضيحة أخلاقية” للنظام الدولي، بل لحظة انكشافه الصافي. فكلما ازدادت كثافة مفردات القانون الدولي وحقوق الإنسان واللغة الإنسانية، ازداد وضوح أن هذه اللغة لم تُصمَّم للحماية، بل للضبط والتنظيم وتخفيف الفضيحة دون المساس بالبنية التي تُنتج الموت. هنا لا نفهم فشل القانون الدولي بوصفه عجزًا عرضيًا، بل بوصفه حدًا بنيويًا لقانون صُمِّم للتعامل مع دول وسيادات متقابلة، لا مع استعمار إحلالي طويل الأمد يُحوِّل شعبًا كاملًا إلى حالة إدارية.
الأهمية الخاصة لهذا العمل، في تقديري، لا تكمن فقط فيما قاله صراحة، بل فيما لم يقله بعد وتركه مفتوحًا. المقال يُفكك نزع السياسة من الخارج بدقة عالية، لكنه يلمّح - من دون أن يدخل بعد- إلى سؤال أخطر: ماذا يحدث حين يُستبطَن هذا النزع داخليًا؟ حين تتحول لغة “الواقعية” و” التعقيد”
و” المرحلية” إلى خطاب فلسطيني يعيد إنتاج الإقصاء السياسي باسم الضرورة؟ هذا ليس نقصًا في النص، بل أفقه الطبيعي، ودليل على أنه عمل مفتوح لا يدّعي الاكتمال.
ما يجعل هذا الجهد ضروريًا اليوم، أنه لا يمنح القارئ موقع البراءة. اللغة التي تُفكَّك هنا ليست لغة المؤسسات الدولية فقط، بل اللغة التي نتداولها نحن أيضًا حين نقبل، دون مساءلة، بتحويل الإبادة إلى “أزمة”، والقتل إلى “سياق”، والمحو إلى “تعقيد”. بهذا المعنى، لا يعيد المقال السياسة إلى النص فقط، بل يعيدها إلى الوعي، ويفرض على القارئ سؤالًا غير مريح: أين نقف نحن داخل هذا النظام، لغويًا وسياسيًا؟
هذا عمل فكري جاد وعميق، نحن بأمسّ الحاجة إليه، لا كتمرين نظري، بل كأداة رؤية. رؤية تساعدنا على فهم أين نحن مما يجري، وما الذي يُحضَّر لنا كشعب، ولفلسطين كوطن محتل، داخل نظام لا ينهار أمام الإبادة، بل يعمل من خلالها. وما يميّز هذا النص أنه لا يُغلق النقاش، بل يفتحه على اتساعه، ويضعنا أمام مسؤولية التفكير، لا الاكتفاء بالتعاطف أو الإدانة.
هذا ليس مقالًا يُقرأ ثم يُطوى، بل مسار تفكير يجب أن يُستكمل.
يحيى بركات
6/2/2026



/////////////

* غانية ملحيس


العزيز يحيى
قراءتك للعمل بوصفه بنية واحدة، لا سلسلة مقالات، تلتقط بدقة ما حاولتُ الاشتغال عليه منذ البداية: أن الإبادة لا تُفهم بوصفها حدثا منفصلا، بل كنتاج منطق سياسي ولغوي متكامل لا تظهر صورته إلا حين يُقرأ في استمراريته. ما أشرتَ إليه من أن النص يحاول تفكيك النظام الذي جعل الإبادة ممكنة ومستقرة هو، في تقديري، المدخل الأكثر حسما للخروج من منطق الإدانة إلى منطق الفهم النقدي.
نقلُك السؤال من مستوى الأخلاق إلى مستوى الشروط البنيوية يضع الإصبع على جوهر الإشكال: ما نواجهه ليس خللا في تطبيق القيم، بل انسجاما مخيفا بين بنية النظام الدولي وتعريفه للسياسة والإنسان. حين يُنزع عن الإنسان موقعه كفاعل سياسي، لا تعود الإبادة نقيضا للنظام، بل إحدى إمكاناته القصوى. وهذا ما يجعل الاستمرار في التعامل معها بوصفها “استثناء” شكلا من أشكال سوء الفهم العميق.
ملاحظتك حول الجزء الثاني، بوصفه كشفا لعقلانية نزع السياسة لا لقمعها الفجّ، تفتح مسارا شديد الأهمية: الديمقراطية هنا لا تُلغى، بل تُفرَّغ، وتُعاد صياغتها كلغة إدارة واستقرار. إدراج تقرير اللجنة الثلاثية لم يكن استشهادا تاريخيا بقدر ما كان محاولة لتتبع اللحظة التي قررت فيها الحداثة السياسية أن السياسة نفسها باتت عبئا. من هنا، يصبح الاستقرار أولوية، لا بوصفه نتيجة للعدالة، بل بديلا عنها.
أما انتقالك إلى الجزء الثالث، حيث تتحول اللغة من أداة وصف إلى شرط رؤية، فيقودنا إلى أخطر مستويات التحليل. حين تُجرَّد اللغة من مفردات الفعل والمسؤولية والحق، لا يعود العنف بحاجة إلى تبرير أيديولوجي صريح. الإنسانية، كما أشرت بدقة، لا تعمل هنا كقناع، بل كتكنولوجيا حكم تُحوّل الإنسان إلى حالة، والقتل إلى إدارة، والسياسة إلى فائض غير مرغوب فيه.
وتوصيفك لغزة كلحظة انكشاف صافي للنظام، لا كفضيحة أخلاقية له، بالغ الدقة: فتكثيف اللغة القانونية والإنسانية لا يدل على قوتها، بل على وظيفتها الضبطية. هنا لا نفهم عجز القانون الدولي بوصفه فشلا تقنيا، بل حدا بنيويا لقانون لا يعرف كيف يتعامل مع استعمار إحلالي لا ينتهي بحسم سيادي، بل باستدامة إخضاع الناجين.
النقطة التي أجدها شديدة الأهمية في تعليقك - وأراها أفقا مفتوحا للعمل أكثر من كونها ثغرة - هي سؤالك الضمني حول استبطان نزع السياسة. ماذا يحدث حين لا يعود هذا النزع مفروضا من الخارج فقط، بل يُعاد إنتاجه داخل خطابنا نحن، باسم الواقعية أو الضرورة أو إدارة الممكن؟ هذا سؤال لا يمكن لأي جهد فردي أن يجيب عنه دفعة واحدة، لكنه سؤال لا يمكن القفز فوقه إذا أردنا التفكير في السياسة بوصفها فعلا تحرريا، لا مجرد خطاب احتجاج.
أتفق معك أن قيمة هذا البحث لا تكمن فقط فيما قاله، بل في كونه لا يمنح القارئ موقع البراءة. تفكيك اللغة هنا لا يستهدف المؤسسات وحدها، بل يمسّ لغتنا اليومية، ومفرداتنا، وطريقة تفكيرنا في أنفسنا وفيما يجري.
بهذا المعنى، لا يعيد البحث السياسة إلى التحليل فقط، بل يضعها في صلب الوعي والمسؤولية.
أتعامل مع هذا العمل، ومع القراءات العميقة له، بوصفهما جزءا من مسار تفكير جماعي لم يكتمل، ولا ينبغي له أن يكتمل بسرعة. فالسؤال الذي يتوجب علينا، كشركاء فكر وهمّ وحلم في هذا المسار الطويل، هو: كيف يمكن خوض معركة استعادة السياسة دون الوقوع في فخ الرومانسية أو الخطاب الجاهز؟ وأين يمكن فتح شقّ حقيقي: في إعادة تعريف المفاهيم؟ أم في تفكيك اللغة اليومية؟ أم في إعادة مساءلة موقعنا نحن كمتكلمين داخل هذا النظام؟ أم في كل ذلك معا، بوصفه مسارا واحدا لا يتجزأ؟
غانية ملحيس
6/2/2026
 
البشير عبيد



دام الإبداع والتالق والإشعاع صديقتي الغالية دكتورة غانية ملحيس الباحثة الفلسطينية المميًزة......
حقيقة كل مقالاتك ودراساتك السياسية التحليلية غاية في العمق والإمتياز...إلى الأمام...
البشير عبيد
6/2/2026

/////////////////////


//////////////////////////




* غانية ملحيس

الكاتب الصحفي والصديق العزيز البشير عبيد
أشكرك كثيرا على كلماتك الدافئة والكرم الذي تقرأ به ما أكتب. هذا التشجيع يعني لي الكثير، ليس بوصفه ثناء شخصيا، بل لأنه يأتي في لحظة يحتاج فيها التفكير النقدي إلى سند أخلاقي ووجداني، لا إلى الإعجاب فقط. ما أحاول الاشتغال عليه هو أن تبقى الكتابة مساحة مساءلة مفتوحة، لا يقينا مكتملا، وأن يظل التحليل مرتبطا بالهمّ الفلسطيني والعربي بوصفه قضية سياسية قبل أي توصيف آخر.
الامتياز الحقيقي، في تقديري، لا يكون في المقال نفسه، بل في الحوار الذي يفتحه، وفي القراءات التي تدفعه إلى أبعد مما يحتمله وحده. سعيدة بأن يكون هذا المسار مشتركا، وبأن يبقى التفكير فعلا جماعيا يتقدّم بالنقاش
شكرا لرفقتك ودعمك الدائم
غانية ملحيس
6/2/2026
 
أعلى