عبد علي حسن - ذاكرة المحو... رواية (البسطال الأخير) انموذجا

فن الرواية هو استعادة الماضي دون الدخول في منطقة التوثيق والأرخنة ، بل وفق صيغة يتم فيها إعادة إنتاج ذلك الماضي ، ولعل الوسيط بين ذلك الماضي وإعادة إنتاجها هو الذاكرة بوصفها القدرة على خزن المعلومات والوقائع واستعادتها عند الحاجة ، ويندرج في هذا التوصيف الحوادث التأريخية البعيدة التي ينتمي لها الفرد أو الجماعة من دون معايشتها ، إلّا أنها تعدّ تأريخاً ومرجعاً لتشكّل الحاضر ، ومنها أيضاً تلك الأحداث التي عاشها الفرد أو الجماعة في حقبة زمنية سابقة وتم تجاوزها في الوقت الحاضر ، إلّا أنها تجارب مؤثرة في كينونة الفرد والجماعة ، ومن هذه الأحداث ماهو مؤشر لإنكسارالهوية أو هزيمة أو خذلان لايمكن تجاوزه بسهولة ، كما في رواية ( البسطال الأخير) اصدار دار السرد / بغداد ط اولى 2025 ، للروائي العراقي عامر حميو وهي الرواية العاشرة والأخيرة منذ صدور الرواية الأولى (بهار) 2016 ، إذ استعاد الروائي واحدا من الأحداث المهمة التي مرّ بها المجتمع العراقي المعاصر ، وهي الإنسحاب المذلّ من ارض الكويت بعد احتلالها عسكرياً عام 1991، حين شنّت قوى التحالف الدولي هجوماً لإجبار الجيش العراقي على الإنسحاب من الكويت وتعرض القطعات والٱليات المنسحبة للتدمير في الأنفس والمعدات ، ولأن المهمة الفنية للرواية تتجاوز حيثيات الأرخنة الصرفة والتوثيق فقد تمثٌلت الرواية ماحدث عبر تفعيل التخييل في تخليق الأحداث والشخصيات التي تحتمل الحصول و الوجود في تلك الواقعة للتوصل إلى وجهة نظر أو رؤية فنية قد تتجاوز النقل الحرفي والتوثيقي للواقعة .
تنهض رواية (البسطال الأخير) على بنية سردية تستعيد مأساة الإنسان في مواجهة آلة الحرب، تلك التي لا تكتفي بقتل الجسد، بل تمتد إلى محو الذاكرة وتشويه الهوية ، في هذا الفضاء المأزوم، يتقدّم البدوي ( حمدان هجرس الغضبان) بوصفه الشخصية المركزية التي تحمل إرث الصحراء ، لتجد نفسها منخرطة قسرًا في حربٍ خاسرة تمحو كل ما تبقى من المعنى الإنساني ، بسبب ماتعرّض له من عوامل القهر والإذلال لمحو هويته وذاكرته على حد سواء ، ومن هنا تتأسس دلالة عنوان مقاربتنا «ذاكرة المحو» بوصفها مفارقةً مأساوية تجمع بين الاستحضار والغياب، بين تذكّر الكينونة ونسيانها في آن واحد ، فالذاكرة التي يُفترض أن تحفظ الوجود تتحوّل إلى سجلّ للمحو ذاته، لتغدو شاهدة على الفقد والانكسار ، إذ تتيح هذه الرواية قراءة تتجاوز الحكاية الواقعية للحرب نحو تمثيل رمزي للصراع بين الهوية والمحو، فتصبح الصحراء فضاءً يختبر فيه الإنسان حدود وعيه، وتتحوّل قصة البدوي (حمدان هجرس الغضبان ) التي يرويها صاحبه ( طايف طفر ) إلى رحلة في الوعي الجمعي العراقي الذي وُضع في مواجهة قوى الإلغاء والتهميش من قبل النظام البائد ،
وبهذا المعنى، لا تروي الرواية حكاية فردٍ فقط، بل تكتب سيرة الجماعة في لحظة انهيارها القيمي والمعنوي، حيث تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الوطنية في مشهدٍ يختلط فيه الرمل بالدم، والصمت بالحكمة، والمحو بالكتابة .
وتسعى هذه المقاربة النقدية إلى الكشف عن آليات تمثيل الحرب والهوية في الرواية، من خلال تحليل مستويات السرد والصوت الراوي، والبنية الرمزية لشخصية البدوي، بوصفه حاملًا لخطاب الحكمة في مواجهة العبث، وممثلًا لذاكرة تُمحى كلّما حاولت أن تتذكّر ، كما ترصد الكيفية التي تتجلى فيها جمالية المحو في النص، ليس فقط كفقدٍ، بل كفعلٍ إبداعيٍّ يعيد تشكيل الذاكرة عبر اللغة .
يتمحور الحدث المركزي في الرواية حول محاولة الهرب التي يقوم بها البدوي (حمدان) مع رئيس عرفاء الوحدة ( طايف) الراوي المشارك الذي يتولّى السرد ، أثناء انسحاب الجيش من الكويت ، ويتخذ هذا الحدث في ظاهره شكل رحلة نجاة من الموت في ظل القصف الذي يستهدف الجنود على الطريق العام، غير أن جوهره الأعمق يتمثل في رحلة استعادة الهوية عبر الصحراء التي يقودها حمدان
فحين يقترح حمدان — ابن الصحراء — أن يسلكا الطريق الصحراوي بعيدًا عن الطرق المعبدة المعرّضة لقصف قوى التحالف الدولي ، لا يكون قراره مجرد خيار تكتيكي لتجنب القصف، بل عودة رمزية إلى الذاكرة الأولى، إلى المجال الطبيعي الذي ينتمي إليه ويعرف تضاريسه ومخاطره.
إنه في لحظة المحو الجماعي، يستدعي الصحراء كذاكرة مضادة للفناء كفضاءٍ يحتضن الإنسان حين تنقلب المدن عليه والتي يصفها دائماً ب( الطابوق المضروب)
وتتجلى في هذا الحدث جدلية المحو والذاكرة بأوضح صورها ،
فالمسار العسكري الذي يمثل النظام والسلطة والمدينة، ينتهي إلى الدمار والموت، بينما تفتح الصحراء — بوصفها الهامش الوجودي — أفقًا جديدًا للحياة وللسرد معًا ،
ليصبح الهروب إلى الصحراء خروجًا من التاريخ الملطخ بالدم إلى الجغرافيا الأولى للإنسان، حيث يمكن إعادة تعريف الذات بعيدًا عن قهر الحرب ومحو الكرامة ، إن قرار حمدان بالعودة إلى الصحراء بعد قرار الانسحاب من الكويت وتجنب الطريق العام يُظهره بوصفه حامل الذاكرة الأصلية التي ترفض المحو ، فهو يدرك أن النجاة لا تتحقق في المسار الجماعي المنظم (الطريق العام) بل في الطريق الهامشي، في ذلك الفضاء المفتوح الذي تبتلعه الرمال.
وبذلك تتحول رحلة الهرب إلى رحلة بحث عن الذات، وتغدو الصحراء نصًّا آخر موازياً للنص الروائي .
واذ تقوم الرواية على مجال روائي محدود الامتداد مكثّف الدلالة، وتمركزها حول حدثٍ جوهري هو محاولة الهرب التي يقوم بها البدوي حمدان ورفيقه طايف ..
غير أننا نفتقد وجود الأحداث الجانبية المستقلة التي تتأثر وتؤثر في الحدث المركزي ، فالرواية لا تنفتح على خطوط سردية فرعية، بل تنكمش داخل المجال الذي يولّده هذا الحدث المركزي، وتغذّيه الاسترجاعات الزمنية المتصلة بماضي البطل في وحدته العسكرية، وما رافقها من إهانات وإذلال مارسها ضباط وجنود حضيرة الأمن وخاصة الجندي (ابو سمرة) ضد حمدان الذي يبحث عن فرصة الثأر من ابو سمرة والنائب الضابط جواد وٱمر الوحدة الذين كانوا السبب في وضع حمدان في ذلك الوضع المذل الذي بلغ ذروته وقسوته حين مرّغ بسطال (ابو سمره ) رأس حمدان في التراب ، إذ ظلّ هاجس الأخذ بالثأر ماثلاً أمامه في كل حين (لكن ملحوقة ، كرامة ابن هجرس الغضبان ما تضيع ...ص49) ، لقد ظلّت تلك الاسترجاعات كأحداث تندرج ضمن ما انتجته عملية انسحاب الجيش وماسبقها من ممارسات اختصت بها الوحدة العسكرية التي ينتمي إليها حمدان وطايف ،
وبهذا المعنى، يتجلى “المجال الروائي” هنا لا من خلال تشعّب الأحداث والشخصيات، بل من خلال تراكم الدلالات التي تدور جميعها في فلك حدثٍ واحد تتفرع منه الذاكرة لتعيد تأويله.
فحمدان في رحلته عبر الصحراء لا يهرب من الموت فحسب، بل من ذاكرة الإهانة والانكسار التي لاحقته منذ لحظة التحاقه بالوحدة العسكرية، وهو ما يجعل الاسترجاع السردي جزءًا بنيويًا من المجال الروائي، لا انحرافًا عنه.
وبذلك يصبح “المجال الروائي” في (البسطال الأخير)مجالًا أحاديًا-ذاكريًا أكثر من كونه مجالًا مكانيًا متشعبًا ،مجالٌ يتكاثف فيه زمن الحرب وزمن الذاكرة، وتتقاطع فيه الصحراء الواقعية مع صحراء داخلية تمثل حالة الاغتراب والبحث عن الخلاص، وحين نُخضع الرواية لمنظور "المجال الروائي" الذي يحدّد المنطقة المتفاعلة بين الحدث المركزي وبقية العناصر السردية، نلحظ أن النص يتضمن وحدات سردية تتجاوز هذا المجال دون أن تُحدث فيه أي فعل أو استجابة، وهو ما يمكن تصنيفه ضمن ما أسميه بـ (الفائض السردي)
فالعلاقة العاطفية التي تربط طايف بزميلته في الجامعة مثلًا، ورغم ما تحمله من شجن إنساني، لا تمتلك وظيفة بنائية في تطوير الحدث المركزي المتصل بالهروب والحرب والمحو ولاتنفاعل معه ، فهي وحدة سردية مغلقة على ذاتها، لا تؤثر في حركة الصراع ولا في وعي الشخصية الأساسي، بل تبدو استطرادًا خارج المجال، أقرب إلى استدعاءٍ عارض لا يتفاعل مع بنية الحدث أو مجاله الدلالي.
وكذلك الحال مع بعض المقاطع التي تتخذ شكل تقريرٍ سردي مباشر أو خطابٍ ذي طبيعة الموقف من الحرب والسياسة وتحديدا من القرار باحتلال الكويت كما ورد في ص 183 و 184 ، فهي وحدات تُخِلّ بتوازن المجال، لأنها تغادر منطق الحكاية إلى منطق القول، فانكسرت بذلك دينامية السرد ، ويُظهر هذا التداخل بين الفاعل والمُهمل في البناء السردي أن الرواية تعاني من عدم تماسك المجال الروائي، إذ لم تُضبط العلاقة بين ما يُسهم في الفعل السردي وما يُضاف خارجه.
ووفق مفهوم "المجال الروائي"، يمكن القول إن المجال المنتج في (البسطال الأخير) ينحصر في المسار الذي يجمع حمدان وطايف في رحلتهما عبر الصحراء، وما يستتبعه من استرجاعات تمتح من ذاكرة الحرب وما تعرّض له حمدان الهجرس وبقية الجنود من هدر للكرامة ومحاولات محو الهوية الإنسانية ، ومن هنا يتحدد حدّ المجال الروائي ،فكل وحدة سردية لا تُسهم في تطوّر الحدث المركزي أو في كشف البنية الدلالية للحرب والهوية تُعدّ فائضًا سرديًا،
وهو ما يجعل من ( البسطال الأخير) نصًا يمتلك نواة دلالية صلبة، لكنّه يوزّع حولها مواد حكائية ثانوية تضعف التوتر الفني وتشتت مسار القراءة .
غير أن هذا المجال، على تماسّه بالهوية والذاكرة، يظل ناقص التمثيل من حيث العمق الوجودي للصحراء، إذ انشغل الراوي المشارك ــ عبر منظوره المحدود ــ بتوصيف المظاهر المادية للحياة الصحراوية الرمل، العطش، المسير، وهجير النهار... دون أن ينفذ إلى الطبقة الروحية والصفاء الصوفي للصحراء ، فقد نقل الراوي المشارك (طايف) قصة البدوي حمدان بوصفها معايشة حسية للعناء والنجاة، لكنه لم يستثمر ما تحمله الصحراء من رموز تتجاوز المادي إلى الكوني، فغابت بذلك الحكمة الوجودية التي يمكن أن تمنح النص بعده التأويلي العميق.
ولعل هذا القصور يفسّر جزئيًا محدودية المجال الروائي في النص، لأنه بقي محصورًا في أفق التجربة المادية، ولم يتسع ليحتوي مستويات الوعي الروحي ،
وهكذا يتجلى المجال الروائي، في نهاية المطاف، كمجال ناقص الوعي بالذات، محكوم بحدود الراوي الذي يرى الصحراء بعين الجسد لا بعين الروح،
ليتحول النص كله إلى شهادة على غياب الحكمة في زمن الاندثار،
حيث لم تعد الصحراء ملاذًا للصفاء، بل مرآةً لمحو الذاكرة والهوية معًا ، وفي محاولة من قبل الروائي لإحداث مفارقة تتكفل بها نهاية الرواية التي تم فيها الكشف عن دلالة العنوان المؤجلة ، فبعد أن إجتاز حمدان وطايف الصحراء ودخلا الحدود العراقية وصولاً إلى (ساحة سعد) التي اكتظّت بالمنتفظين الذين احدثوا الشرارة الأولى للانتفاضة الشعبانية ، يجد حمدان نفسه مندفعا للمساهمة مع المنتفظين ، وعلى الرغم من محاولة طايف لثني حمدان عن فعله هذا محرّضاً إياه على الذهاب صوب صحراء السماوة حيث أهله ، فإن حمدان يعتبر هذه المساهمة أخذاً للثأر وليكن البسطال الذي مرّغ رأسه بالتراب هو ٱخر بسطال يمتهن كرامة الإنسان (صار لازم اطلع الحين مع خلق الله هذا الي تشوف ، حتى مايدوس رأسي (بسطال) ابو سمره ، ولاينفج راس هجرس الغضبان ، بسطال ابو سمره أتمناه يصير البسطال الأخير إلّي يدوس راس بشر ....ص188)
وبذا فقد اقترح النص مساهمة حمدان في الانتفاضة بعدّها أخذاً تعويضياً للثأر الذي كان حمدان يحرص على ٱخذه من الذين تسببوا في اذلاله واهانته ، فقد أسهمت هذه المفارقة في تحوّل ذاكرة المحو من وضعها المجرد إلى ذاكرة مقاومة لذاكرة السلطة التي تحاول تكريس نسيان الخذلان .
لقد ظلّت رواية (البسطال الأخير) تدور في منطقة واقعية تمثلّت الإنكسار والخذلان الذي لحق بالقوات المنسحبة اضطراراً من ارض الكويت ، وتبدّي انعكاس ذلك على الوضع النفسي والمادي للجنود المنسحبين دون أن تبلغ عمق التحولات الفلسفية والوجودية ودون طرح الأسئلة المتجاوزة قشرة الواقع المادي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى