د. عيد صالح - ٤٠ ألف كلمة... رواية محسن يونس وفانتازيا ما وراء القص والخيال

بداية

لاننا بصدد عمل روائي ملحمي غير تقليدي. فسوف أتجاوز القراءة التقليدية من العنوان كعتبة للنص مع أهميته في هذه الرواية بالذات لغرابة التسمية - التي جاءت على لسان الراوى. وجاءت لتأكيدها في الغلاف الأخير - ثم التقدمة للفيلسوف البولندي رومان انغارد عن الشخصيات الروائية غير المحققة تماما كالشخصيات الحقيقية ، ثم الملاحظة المهمة التي يحترز بها أغلب الكتاب ، عن تماس الشخصيات الروائية مع الواقع وأنها تكون من صنع وخيال القارئ لا المؤلف ، وأخير عتبة الإهداء إلي راكبي القطار الأربعة ولكل من ركب معهم وكأن عتبات النص جميعها بما فيها العنوان المختلف عليه للتأكيد علي ألا شيء حقيقي وأننا كنا نقرأ عن عرائس ماريونيت وتلك سمة أدب ما بعد الحداثة في ثورته على الواقع والعقل والمنطق بالكتابة برؤية وطريقة وأسلوب وأنساق غير مألوفة لأنها تعتمد على السحر والأسطورة والماورائيات وماوراء القص والميتاسرد وعوالم الجن والاحلام...!!
وبعيدا عن التسميات ، وفى القلب منها يفاجئنا محسن يونس دائما بالجديد المدهش المثير لخيال القارئ ويشركه في الأحداث ، يصول ويجول مع الشخصيأت حتى النهاية التي غالبا ما تكون غير متوقعة - تنفتح على الأسئلة والرموز والدلالات يجانب المتعة والإثارة والجمال ..!!
وإذا كنا رغم التراث الإبداعي والروائي الإنساني. الهائل لا زلنا نبحث عن الجديد ، والموضوعات كما قيل ثابتة لا تتغير فنحن أمام شراك التناص وإغواءاته ، لابد أن نأتي بالجديد والمغاير في طرائق التعبير ومدخلات السرد ، والأنساق البنيوية ومن ثم يظل عالم الابداع المغاير مفتوحا ، وآفاق الخيال مشرعة للمواهب الاستثنائية تغترف وتنهل بالأسلوب تارة - والأحداث والوقائع تارة ، و بالتنقل ما بين الواقع والخيال فى سبيكة سحربة عجائبية غرائبية مبهرة
نعود للإهداء " إلى ركاب القطار الأربعة ومن ركب معهم " وفيه يؤكد أن القطار وهو أحد المواصلات العامة الأهم على الإطلاق لاتساعه وقدرته علي استيعاب أعداد هائلة من البشر كما أنه المعادل الموضوعي كصورة مصغرة للحياة بل حياة بأكملها تموج بكل أصناف البشر والتصرفات - والأفعال وردود الأفعال الخ إلخ .. من القطار إلى الكوبرى إلى النهر والقارب وصاحب القارب.الذي تخيلهم أسماكا من نوع سمك البياض بأشناب تطول وتقصر حسب خیال صاحب القارب
أما تصورهم لصاحب القارب : الأول تخيله جدى ماعر ...
الثاني تصوره أحد المساجين ويعمل هو به شاويشا مسئولا عن عدة عنابر. الثالث تصوره في صحراء يكاد يموت عطشا
الرابع كان حياديا تركه لقدره .

تمة رواة كثيرون ،
ثمة تداخل روائى قصی / حکائی / عجائي / غرائبی ما بين القاص/ الراوي والقصة ما بين الأبطال الأربعة والساحر والرجل ذو العمة والصول والرجل ذو المظلة . والعجوز الساحر والعجوز مسجل التاريخ -هذا التداخل ليس تعدد الرواة على ألسنة . الشخصيات - التقليدي ( ميرامار ) مثالا ، وليس الميتاسرد الذي شاع أخيراً - بتدخل الكاتب على لسان السارد العليم ليقول أنا هنا أحرك الأحداث - ولكنه هنا في ٤٠ ألف كلمة لمحس يونس التداخل العابر للأنواع .. هل نقول ما بين كل السير الشعبية الأسطورية السحرية الماورائية حتى العبثية ، ذلك التداخل بين الواقعي / الخيالي / الحداثي /ما بعد حداثى والمابعد بعد حداثي - حتى الكلاسيكي هنا له مكان إنها الخلطة السردية السحرية التي تميز محسن يونس ليست ثابتة ، ومراوغة ، ومتجددة ودائما مغايرة - لا لمجرد المغايرة ولكن لخدمة النص / بمستوياته المتعددة الدلالات لا يمعناها التقليدي الرؤيوى - ولكن بمعناها -الكونى الوجودي والإنساني.
إنه الإنسان في مهب الحياة، في القطار ، فى الكاتدرائية ، في ملعب الاستاد ، في محضر الشرطة ، في حفلات التعذيب المتعددة ، في الدخول والخروج الروائي / حين لا تعرف ما إذا كنت بطلا من لحم ودم معايشا أو متفرجا ، حين يأخذك بالوقائع والأحداث الطبيعية ، والحوارات العادية ويدخل بك الرواية - فتشاهد البشر خرفانا ، والخروف إنسانا - أو طيورا ذهبية ، أو طيورا من لحم - أو حتى عرائس ماريونيت ...!!

انها المتاهة / الحياة / التي تدور فيها القصة التي تتعدد كلماتها حسب رواتها من أربعين ألفا ، إلى خمسين ألفا وقد تصل لستين ألفا ، هنا التعدد قد يكون إشارة إلى نظرية رولان بارت الذي أعطي القارئ ملكية النص بموت المؤلف بمجرد انتهائه من كتابة النص ، وحيث يتعدد انتاج الرواية بنعدد القراء والذي يقودنا بدوره لللتناصات الروائية منذ فجر التاريخ فالنص قديم يتجدد بالتبادل بين المؤلف والقارئ في جدلية لامنتهية ، قد تضيع فيها البصمات الجينية للكاتب الأصلي ويتفرق دم النص بين القا،ئ /الناقد الذي سيلفظ أنفاسه في صورتها العاجية وساعات الدرس الأكاديمية كما يقول رونان ماكدونالد
محسن يونس ، تدخل كناقد في العنوان وعتبة النص وأدلي بدلوه بل لم يترك لنا فرصة التأويل هاهو يقول :
" -- أعتقد أن قصة الواحد منا يلزمها أربعون ألفا وبضع مئات من . الكلمات وهي وافية جدا ، هذه هي النسخة الأولى ، بينما تتعدد نسخها في خمسين ألفا وستين ألفا أومائة ألف حسب طول نفس الذي يحكى وقدرته علي الكتابة .." ..!!
نعود إلى العنوان / عتبة النص والذى نوقش كما أسلفت فى المرقومة ٤ وبالتفصيل کما ورد في ظهر غلاف الرواية وفي الداخل ص١٩
أنت هنا في نص کونی / عابر لكل أساليب القص ، تجد فيه الطرفة /، الحدوثة / السحر /، الحلم الذى تدخله وتخرج منه في الأم التي أرادت أن تعرف ما الذي حدث لابنها ولوى لسانه ،بعد أن عاد من حادثة الكاتدرائية ، كل شيء سهل وساحر ومعجز . إنها الحياة / القطار/ الأصدقاء الأربعة / المصلحة التي يعملون بها / النهر/ القارب / الكوبرى / الاستاد / مبني التاريخ / الشوارع الركاب المتدافعون / الكمساري / التحول والصيرورة الدائمة للأشخاص وللأحداث في سيولة وسهولة ويسر ...!!
أنت هنا مع محسن يونس الساحر حقا فيما بعد بعد الحداثة - في خلطته الغرائبية / الواقعية السحرية / الأسطورية / العابرة للأنواع ...!! حيث تتجلي - المشهدية بلقطاتها البارعة وتسليط الكاميرا - عين ساحرة / عين مدهشة / عين تجمع الأضاد ، وتؤلف بين المتناقضات ، عين تريك الصورة بأبعادها ، تجسدها وتنفخ فيها روح الحياة مهما كانت موغلة في التخييل والتجريد ، الكاميرا التي تجعل عربة القطار مسرحا للأحداث ، وتزيل الحائط الرابع - ويتداخل الراوى المؤلف والقارئ المشاهد والأبطال والكمسري المحصل والركاب ، والمندفعون من النافذة ، والساقطون في حجر أحدهم ، ودلالات كل ذلك وإسقاطات المشاهد والحوارات والرؤى والأحلام ، والنقلات السردية السريعة بدون فلاش باك وبدون تمهيد أو انذار أو حتى. ميتاسردية كحاشية لالتقاط الأنفاس لتجد نفسك القارئ / المشاهد البطل الحكاء - أى موتيفة سردية سحرية.تجسد لك
الكادر بطاقم المصور والممثل الضخم والمخرج والممثلة والمونتيرة ، في اليخت ، في البحر، بحر الحياة وخضمها المتلاطم ، ويخت البلاتوه والسهرة والسيناريست ، حتي الكاتب الشعبي والقصة داخل القصة ، لتتشابه مع الأبطال الممثلة التي تجاوزها الزمن ، ولاتزال في حكاية مماثلة ،حفلة الصفعات ، السكر - ليسقط أحد الركاب الأريعة ما بداخله على الثرى ، الغول الدب . ومن خلال السكر تخرج الشتائم للطبقة الثرية المستغلة والتي من خلال تلك الرحلة المقدمة كرشوة للاستيلاء على. قطعة أرض ،تم ضرب الرحل / الكبير بحيلة السكر الفنية بحيث لا تحدث. ردة فعل أي حرفية تلك التي تقنعك بالأحداث التي هي واقع / الخيال ، و خيال الواقع ، الحلم والحقيقة احلام الصحو وصحو الأحلام والحلم جنين الواقع و مرادفه ومعايشه في الأب الذي - يحدث محمود المليحي وجمال عبد الناصر ويطلب من المليجي أن يضرب فريد شوقي ليرد عليه بأن ذلك خديعة المخرج وأنه حقيقة يضرب فريد شوقي . ولكنها لعبة المونتاج
وهل يتصور ان رئيس العصابة القوى طوال أغلب الفيلم يستطيع أي واحد أن يغلبه ، ولم لا وقد غلب أحد الركاب الأربعة الثري بالمفاجأة ، و جمال عبد الناصر في قصة الوالد الذي شجعه واشاد بضربه رجاله وطلب من متولى بأن يطلب شيئا فطلب حكم السودان ، فقال له للأسف أعطيناه استقلاله أنت مش عايش في الدنيا يا متولى ...؟؟
- قصص كثيرة ، وحكايات داخل حكايات - تتوالى وتتعدد في سرد عجائبی غرائبي مدهش ،تلك البراعة في الدخول والخروج فى الحلم ، الأسطورة في ألف ليلة وليلة ، المقصورة ، السحرة / الرجل ذو العمامة / بساط الريح / العفاريت في الرحلة إلى حيث بلاد السعد والهنا .. وغرائبية وسحر وجمال الأحداث ..!!

ماذا يريد أن يقول لنا محسن يونس من خلال تلك الرحلة عبر قطار الحياة ، من خلال الزملاء الأربعة في العمل ، من خلال ما يحدث في القطار واليخث والكاتدرائية والمدينة ،والتحولات الأسطورية السحرية والموتيفات الشعبية وهو يهز كتفيه ساخرا من لعبة الوجود مخرجا لسانه وحكمته بأننا في هذه الحياة مجرد عرائس ماريونت ملعوب بنا ، وان قهرية قدرية تحرك العالم - وأن علينا ان نستعين على ذلك بالحلم والسحر والأسطورة ، علينا أن نعيشها حتى لو كانت وهما . حتى لو كانت محطة قطار دمياط كما تخيلتها والكوبري والقارب كلنا عشنا ذلك. ومارستاه ، ليتحول في لحظة إلى فانتازيا عاصفة ويسقطون فى النهر ويعومون ويرجعون إلى القارب ويدخلون المدينة ويختفون ..!!
عشرات القصص والحكايات تتداخل لتصنع نصا مبهرا في الصياغة وتطور الاحداث و دراميتها وتماهيها مع الماضي /الحاضر في نص ما بعد حداثي بتناصاته وثورته علي الواقع وتطويعه كنص ممتلئ بذاته وأدواته وكينونته التي تتخطي الأطر والأساليب إلي نص اللعبة والعتبة واللغز لا الإلغاز ، لغز الحياة البسيطة المتفلتة لا تكاد تتلمسها حتي تتفلت كجنية البحر أو عروس السماء
إشارات
١ --- القص الماورائي والذي يتجلي في هذا العمل الطليعي الساحر وهو تخيل فوق التخيل الأصلي ، وتعليق القص على نفسه وطريقة سرده وهويته.أي أن النص يمتلك وعيا ذاتيا يكسر من خلاله الحاجز بين الواقع والخيال ، مثلاً عندما يقطع الكاتب حبكة النص ليشرح شيئا معينا أو عندما تطلق أحكاما علي النص أو طريقة صياغته أو التقنيات السردية الأدبية ويتمظهر القص الماورانى بلسان الشخصيات وهو في هذه الرواية أوضح ما يكون.. مثال دون كيخوته لميجيل سرفانتس " مفهوم الميتاسرد والميتاحكي - لندا هتشون ١٩٨٠م
٢ -- عندما كان أحد الأربعة يقص عليهم قصة والده التي كان يقصها عليه طوال تسعة عشر عاما عن بلدين متجاورين . واحدة منهما مؤمنة بالحكمة تبحث عنها ولها القدرة علي صياغة الكلمات لتكون حكمة ص ١٤٩ ..إلخ إلخ
والبلدة الثانية على خلاف معهم لا يشغلهم وجود الحكمة من عدم وجودها علي ألسنتهم فهم يحبذون من الكلام ما قل ودل و " ما قل ودل " حكمة أيضا ، وأهل هذه البلدة لا يهمهم أن يعرفوا ، وتصادف عند هذه الجملة مرورهم علي جزار يقف أمامه خمس أو ستة رجال سمعوا الكلمة فاستل الجزار الساطور متصورا أنهم يقولون ذلك عن بلدهم ،ولما حاولوا مجتمعين أن يوضحوا له قالوا لزميلهم يحكي لهم القصة فرفض متعللا أنهم اتفقوا من قبل على عدم تطابق رواية حكاية واحدة عند أكثر من راو،، وحتى عند نفس الراوي فيما لو أعاد روايتها وكأنه يشير إلي رولان بارت بتعدد انتاج النص بتعدد قراءته حسب نظرية موت المؤلف
وفي مواقع كثيرة يتعرض الكاتب لنظريات. نقدية فيما أسميناه الميتاسرد والميتانقد وماوراء القص وما وراء الخيال كما ذكر ألف ليلة وليلة وبساط الريح والعفاريت وحكاية الطيران التي تتناص مع كثير من الأعمال الما بعد جداثية الفانتازية وطيران الركاب بالمقاعد في آيات شيطانية لسلمان رشدي والتناص كما قلنا قد يعني النفي لا النقل ، وفي نهاية الرواية طيرت.الريح الركاب الأ ربعة أثنان في البداية واثنان مع الصول ، وبدا الجميع كما لو كانوا في فيلم عالم مجنون مجنون لسبنسر تراسي

هنا كما قال محسن يونس الذى لم يترك لنا شيئا ،في صفحة 151 " ضاقت الحدود بين الواقعى و اللاواقعي وقد خبروا تلك الحالة من قبل .حين قال لهم الرجل الساحر إنه سيسبقهم إلى تلك المدينة -وقال إنه رتب كل شىء وأن كل المأمورية من تدبيره ،كما ورد على لسانه وجود بساط الريح والعفريت وسائل نقبل مجانية وهذا يطبع القصة بطابع تراثي . وقد رأيت وعاينت. ولعكم بكل ما هو تراثي " ص .١٤٠
أيها الأربعة ، موظفى مصلحة الأملاك الأميرية. إنها أمثولة خرافيه كانت تلبي حاجة القدماء . لا متلاك قوى تجعلهم قوق واقعهم. وهذا غير مستحب الإنسان عصركم بل تثير تهكمه .. مع أنه من جواه. تجد العقاريت والغيلان والجن . والأشباح يعيشون معززين مكرمين .. "

٣ -- الاهتمام بالتفاصيل الواقعية الصغيرة رغم التداخل بسهوله ويسر بين الخيالى والواقعى وبين الحلم والحقيقة وبين القص والميتاقص.

٤ -- الحس الفكاهى الذى تفجره الأحداث والمتناقضات والغرائبيات - حتى الأسلوب السردي وبعض الكلمات المغرقة في المحلية مثل الشاي سكر برا " و " حتى لو كانت فسا كلاب " ضحكت من أعماقي في مواقف كثيرة بل علي مدار الرواية وذلك العقد بين الكاتب والقارئ علي أن السردية حكي علي حكي والحكاية علي المكشوف في لعبة الدهشة والإلغاز والحكمة والعبث والطيران والعفاريت وألف ليلة وليلة وبيت التاريخ والتناص الذي قد يكن النفي لا التلاص وقد يكون التلبس الذي يعلو بالتاريخ والأسطورة للرمز والحكمة وحتي عبثية الوجود وأسئلته ، والمفاجأة بعرائس الأصحاب الأربعة والصول ملقاة علي الأرض والخوف من دهسها حين يفتح الطريق المغلق بسبب اللعاصفة " انه الإنسان هو ملك النهايات ينشغل بها ويجاهد ، تدفعه طبيعته نحوها ولا يهدأ الا إذا وصل اليها " حتي لو كانت قبض الريح ...!!
ان محسن يونس كاتب التجريب الطليعي المعلم الجاد لا تحده أطر ولا أقانيم ،ذلك المبدع الفذ العظيم ...!!

د عيد صالح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى