أبو همام عبداللطيف عبدالحليم - العقاد والأدب المقارن

نزعم – ونتحمل تبعة هذا الزعم – أن العقاد لم يُقرأ قراءة صحيحة حتى الآن- إلا لدى نفر صابر قليل – وإلا لما كان هذا حالنا – شعراً ونقداً وفكراً إسلامياً، وتربية سياسية وغير ذلك من شعاب الحياة.
العقاد قارئ من طراز نادر، وكاتب من طراز نادر، وقراءاته في اللغات الأجنبية، قراءة خرّيت، منذ غصن الصبا ريان أملود. ومحاولة تقصي هذه الظاهرة فوق الذرع، وربما ينخدع الأغرار الآن ببعض الكتاب الذين يطرزون ما يكتبون بطائفة من الأسماء الأعجمية دالة منهم بما يعرفون، وغالباً ما تكون معرفة لا تتجاوز القشور وترديد الببغاوات، ووشيكاً ما ينكشف المخبوء عن غير شيء.
وقد حاول بعضهم أن يحصي الأسماء الأجنبية في كتابات العقاد، توضيحاً لمدى إلمامه، إلا أنه نية حسنة إن لم يشفعها صاحبها ببيان الأثر، وتعمق المعرفة، وإبانة الأصالة.
والوقوف لدى معرفة العقاد باللغة الأجنبية إنما هو لبيان استحصاد ملكاته، واكتمال أدواته باحثاً في النقد والأدب المقارن، وسائر الفنون التي تناولها العقاد. ولأن الأدب المقارن حقل عسير وغامض، وربما كان تحديده – حتى الآن – غير متفق عليه بصورة نهائية؛ كان لإبراز دور العقاد في هذا الميدان، وفى اللغة العربية أهمية قصوى – في نظرنا – لدى باحثي هذا العلم ومؤرخيه، وكلهم لم يلتفت إلى دور العقاد في هذا الميدان في بواكير حياته الأدبية، وموالاته الكتابة.
ولن يكون من خطة هذا المقال أن يعكف على مناهج الأدب المقارن، وأن يتقصى ظواهره في البلدان المختلفة، إلا بمقدار ما تسمح به المناسبة، وما نحسبه يلقي ضوءاً على دور العقاد.
تتوزع مدرستان معروفتان في دراسة الأدب المقارن، إذا أردنا الإجمال، هما : المدرسة الفرنسية أو التاريخية، والمدرسة الأمريكية أو النقدية. إلا أن ظاهرة المقارنة سابقة على هاتين المدرستين, فالكلام – مثلاً – سابق قواعد اللغة, وربما كانت الموازنات التي كانت تتم قديماً في الأدب العربي بين شاعرين، وفي الأدب الأجنبي أيضاً بين كاتبين هي البدايات الحقيقية الساذجة لهذا العلم، لكن هذه المسائل ما لبثت أن آضت علماً يقف عليه الباحثون جهودهم.
ولب الدراسة المقارنة عند الفرنسين – في أغلبها – يتجه إلى التأثير والتأثر، والوسائط، وأنواع العلائق، وربما كان تعريف جويار لهذا العلم بأنه (دراسة تاريخ العلائق الأدبية الدولية) يوجز حدود هذه المدرسة، وصادف ذيوعاً شديداً حتى بين الدارسين العرب الذين تلقوا دراساتهم في فرنسا.
لكن المدرسة الأمريكية ورائدها رينيه ويللك ترى أن اقتصار الدراسة المقارنة على مسائل تأثر أدب ما بأدب غيره، أو تأثيره ، تضييق لا مسوغ له، وأن الاهتمام بالوسائط والتاريخ يكون على حساب جماليات النص ونقده، وفيه أيضاً شبهة اهتمام بالأدب القومي، وشبهة استعلاء، ولذا رأوا أن الظروف المشابهة في بلدين، وتشابه القرائح حين تتجه إلى معالجة موضوع واحد يمكن أن تقوم بها دراسة مقارنة، بصرف النظر عن الالتقاء التاريخي، وتأثير أدب في أدب آخر، بل وسّعوا الحظيرة بعض الشيء لدراسة التشابه بين أديبين من لغة واحدة، ولعل دافعهم في ذلك هو اللغة الإنجليزية الموحدة بينهم وبين الجزر البريطانية.
لكن التاريخ لهذا العلم بخع دور العقاد، وكأنه لم يترك أثراً يذكر، والحق مجانف لهذا التاريخ من ألفه إلى يائه، لأن رجلاً طلعة مثل العقاد لابد أن يضرب بسهم هذا الحقل البكر، وطارقوه يمضون في وعثاء.
في سنة 1908، وفي جريدة الدستور، نشر العقاد طائفة من المقالات عن فارس: شعرها وشعرائها، قارن في إحداها بين الخيام والمعري، والعقاد كان في التاسعة عشرة من عمره. ويرى أنهما اتفقا في كثير من العادات والطباع, «ولا يبعد أن يكون الرجل قد استقى فلسفته من أبي العلاء، فإن الشواهد تؤيد ذلك، وقد كان الخيام يحسن العربية فلا يعقل أنه لم يطلع على مصنفات المعري... كما أنه لا يعقل أن يبلغ بينهما توارد الخواطر إلى حد أنهما يتفقان في التعابير والمعاني والمذاهب ذلك الاتفاق الغريب».
ثم يستطرد العقاد بإيراد أمثلة تؤكد نظرته هذه من أقوال الشاعرين الحكيمين، وهو كلام يتسق ورأي المدرسة الفرنسية التي تبحث عن الوسائط والتأثر، والعلاقات التاريخية.
وفكرة المقارنة بين الآداب ليست فكرة عارضة لدى العقاد، بل أنها ظلت تساوره والعقاد – عندنا – من ذلك الطراز من الأدباء الذين يقعون منذ طراءة السن على حقيقة مذهبهم، ثم تزيده الأيام رسوخاً وتمكناً.
بيد أن الذى نريد أن نؤكده قبل إيراد نماذج من الدرس المقارن حسب وجهة النظر الفرنسية، وهي حاشدة عنده، نود التلبث أمام حقيقة غفل عنها الباحثون جميعاً، وهي من الوضوح بحيث لا تعوز نظراً يرى. هذه الحقيقة هي سبق العقاد للمدرسة الأمريكية بأكثر من ثلاثة عقود:
فى سنة 1916 نشر العقاد مقالين في مجلة المقتطف - سبتمبر ونوفمبر- عن أبى العلاء المعري، مقارناً بينه وبين دارون وشوبنهور. وبيّن أن شيخ المعرة تحدث عن مذهب النشوء وتنازع البقاء حديثاً غير عابر - كما تحدث عنه دارون. مدللاً على ذلك بنماذج من شعر أبي العلاء، وأقوال دارون، ثم عرض العقاد لتشاؤم الشاعر العربي – وكان العقاد في أوج تشاؤمه وعشقه للمعري آنذاك- والفيلسوف الألماني شوبنهور، مستشهداً بنماذج من كليهما. وانتهى العقاد قائلاً فإذا قيل إن دارون واضع المذهب في عالم العلم، ساغ لنا أن نقول: والمعري واضعه في عالم الأدب والشعر، وارتأى أن المزاج وراء تشاؤمهما وأنهما يتلاقيان في حبهما للحيوان ورأفتهما به، وفي وفائهما لوالديهما مع أنهما سبب وجودهما في الحياة التي يفركانها.
وعاود الحديث عن المعري وشوبنهور مرة أخرى في كتابه (رجعة أبي العلاء)، مما يشي بإلحاح الفكرة عليه.
وفي مقال له بجريدة البلاغ 7 يناير 1924 يقارن بين المتنبي والفيلسوف الألماني نيتشه في فلسفة القوة. ويعجب العقاد لهذا التشابه فيقول: «إن آراء شاعرنا وآراء المفكر الألماني تتفق في مسائل كثيرة اتفاقاً توأمياً لا نعلم أعجب منه اتفاقاً بين نابغين مفكرين، ينتمي كل منهما إلى قوم وعصر وحضارة ولغة غير التي ينتمي إليها الآخر. تتفق في مقاييس الحياة، وقيم الأخلاق وصرامة العبارة، وتفاصيل وجزئيات شتى مما يتفرع على هذه الأصول, ووجهة النظر على الأقل متحدة في كل ما نظم الشاعر، وخط المفكر في المعاني الخاصة والعامة. فمن قرأ المتنبي، ثم قرأ نيتشه لابد أن تكر الذاكرة به إلى كثير من أبيات المتنبي ووقائع حياته، كلما قلب الطرف في صفحات نيتشه من رأي إلى رأي ومن خطرة إلى خطرة، ولابد أن يشعر وهو يتنقل من أحدهما إلى الآخر أنه ينتقل في جو واحد وبيئة واحدة».
وقد ردد هذا الرأي المستشرق الإسباني غرثيه غومث في دراسته عن المتنبي وترجمها إلى العربية د.الطاهر مكي – دون أن يشير الإسباني إلى رأي العقاد، وما نظنه إلا آخذه عنه، إبان إقامته في القاهرة منذ سنة 1923 وهو طالب بعثة.
ما قاله العقاد منذ سنة 1916 هو ما بشرت به المدرسة الأمريكية وشايعها بعض الفرنسيين منذ سنة 1949, وكان (ويلك) حين نشر العقاد آراءه في الثالثة عشرة من عمره، ولو كان كاتبنا المصري يكتب بغير العربية لكان لكتابته أثر آخر، ولغدا صاحب مدرسة تنسب إليه في الأدب المقارن، تقف بجانب المدرسة الفرنسية ولا تُلغيها، لكنها تحد من غلوائها في حصارها الشديد، وتفتح منادح للمقارنة بين المعارف الإنسانية، كما حدث لدى العقاد حين قارن بين شعراء وفلاسفة وعلماء.
أما صورة الأمة في أدب أمة أخرى، فله صفحة باقية في تراث العقاد، وأمامنا أربع دراسات – لم تنشر بعد – عن صورة مصر في أربعة كتب، وهي رحلات واقعية أو خيالية، والكتاب الأول هو (صوت من مصر) وهو من وحي الخيال، ويذكرنا بواشنطن أرفنج في كتابه عن الحمراء، وتناول العقاد الكتاب ومؤلفه بالنقد والتحليل، ومواطن الإصابة في وصفه الخيالي، والذي أثبتت الأيام واقعيته، ويختم كلامه بقوله: وفي كتاب (صوت من مصر) أو هاتف من مصر ذخر موفور للدارسين والملاحظين، وذخر موفور للمتخيلين والمـتأملين، ولا سيما إذا كانوا من أبناء البلاد التي تدور عليها أحاديث الكتاب.
والكتاب الثاني: (وباء مصر الأخير) ويتحدث عن المخدرات. وهو كتاب حقيقة لا خيال، إلا أن فيه توشيات مثل نوادر شرلوك هولمز، وفي الكتاب استعراض جيد لحقيقة المجرمين والمهربين ومطارداتهم.
والكتاب الثالث قصة للكاتب السويسري جون نيتل واسمها الدكتور إبراهيم- وترجم إلى الإسبانية – ويحكي قصة طبيب من الجيل الناشئ في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، ويتابع المؤلف رحلته في أقاليم مصر، ورأيه في العادات والتقاليد، ومحاولة تفسيرها وتعقيب العقاد عليها.
أما الكتاب الأخير فهو رحلة إلى مصر قبل نحو سبعين سنة – أو منذ كتب العقاد دراسته في الثلاثينات – وهو للكاتب المصور الفرنسي (إيجيين فرومتان), ويوازن العقاد بين ملكاته مصوراً وكاتباً، ورأيه في مشاهداته في مصر. وتذكرنا هذه القصة أو الرحلة برحلة (دومنجوباديا) الإسباني أو علي بك العباسي كما سمى نفسه في عصر محمد علي – (راجع ما كتبه عنها د. الطاهر مكي).
والرحلات عموماً مصدر من مصادر دراسة الأدب المقارن، وإن كان بعض كتابها من الكتاب الهواة أو من الدرجة الثانية، إلا أن القارئ لا يعدم بعض اللمحات التي تقع عليها الأعين المغتربة قبل الأعين الأهلية.
كما قارن العقاد أيضاً بين بخلاء الجاحظ وموليير في مجلة الكاتب (أكتوبر عام 1950)، ولم يقف عند الوسائط بل تحدث عن طبيعة البخل وتصويره لدى الكاتب العربي لأبطاله، الذين فيهم مشابهة من بطل مسرحية al Avaro لموليير هو السيد أرباجو. وينتهي العقاد من المقارنة إلى قوله: «إن الجاحظ ترك لنا متحف البخل بجميع مشتملاته، وإن موليير صنع لنا نموذجاً للبخيل في تمثال، وكلاهما على طريقته يعني الناظر إليه في دراسة البخل والبخلاء. ونعود فنقول: إن هذه الخلة البغيضة, سعيدة الحظ بما أصابها من عناية موليير العرب وجاحظ الفرنجة، فقد أعطياها غاية ما تستحقه من فنون العطاء».
ويقارن العقاد أيضاً في مقال له نشر 7 أكتوبر 1929 بين إحدى القصص اليابانية – وهي قصة الخيزراني الهرم – وبين ما سمعه من أشياخ أسوان حين كان طفلاً، وقرت في وعيه القصة، واستدعاها حين قرأ القصة اليابانية، وكأننا بالعقاد يتحدث عن الفولكلور الإنساني أو كما يحلو له أن يسميه (المرددات الشعبية) التي تتجاوز التخوم الجغرافية، وأن الطبائع الإنسانية واحدة يشوقها القصص الساذج الذي لا يخلو من عبرة، بل هو يساق للعبرة لا للتسلية فقط، ويذكرنا ذلك بالدور الذي اضطلع به الموريسكيون في الأندلس بعد السقوط، الذين نقلوا شفوياً ثقافة أهلها في طريقهم إلى الإشاحة إلى ثقافة أخرى تنهض.
أما عنايته بالبحث في أصول الألفاظ والثقافات عموماً، فيخيل إلينا وكأن الرجل أنفق كل عمره في هذا، ولم ينفقه في فروع المعارف الأخرى، فبحثه عن (السيمية)، وأسماء أيام الأسبوع، وتأثير إخوان الصفا في أوروبا عموماً، والثقافة العربية - مقارنة – أسبق من ثقافة اليونان والعبريين؛ كل ذلك يجعله من رادة علم الأدب المقارن، ربما تكون ثمة بعض الحماسات أو الغلطات، لكنها أخطاء المتمكنين، لا أخطاء الشداة.
وكأنما عز على العقاد أن يقتصر دوره على التطبيق فقط، دون أن يعرض للنظر النقدي, فنشر مقالاً في مجلة الكاتب – يونيو 1948 - بعنوان (المقارنة بين الآداب) عرض فيه لنقص مصطلح (الأدب المقارن), ونفى أن تكون المقارنة موازنة ومفاضلة، بل تعني أن يخلص الباحث إلى مقاييس عامة وأصول مشتركة وعلل تعمل عملها في كل أدب.
لكن العقاد خلط بين الموازنة والمقارنة، لأنه لم يجعل اختلاف اللغة ضربة لازب، فرأى أن البحث في شعر أبي تمام والبحتري لمعرفة أيهما أفضل وأشعر من قبيل الموازنة وليس من قبيل البحث المقارن، وهو كلام صحيح، لكنه يتابع القول: أما البحث في شعر أبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري لمعرفة أيهم الشاعر وأيهم الحكيم فهو من باب الأدب المقارن، لأنه ينتهي بنا إلى التفرقة بين الحكمة والشعر، ويبين المقاييس التي تقاس بها أقوال الحكماء، والمقاييس التي تقاس بها أقوال الشعراء, فهو شيء غير الموازنة بين الشعراء لتفضيل واحد منهم على الآخر، ولكنه موازنة بينهم لمعرفة الفرق بين غرضين من أغراض الأدب، ووضع القواعد التي يقوم عليها كل غرض من هذين الغرضين.
كذلك نستطيع أن نبحث في شعر المعري وشعر دانتي الإيطالي على نحوين مختلفين. نستطيع أن نبحث في (رسالة الغفران) وفي القصة الإلهية لنفاضل بين المؤلفين في ملكات التصوير والخيال ووصف المرئيات والمغيبات، فهذه موازنة بين مؤلفين أو بين قاصين. ونستطيع أن نبحث في هذه وتلك لنعرف مصادر الروايات وعلل الاختلاف بين الشرقيين والغربيين في عرضها وتصويرها، ومواضع الاقتباس أو مواضع الابتكار في كل منهما، وعوامل البيئة والمأثورات القديمة في هذا الاختلاف، فهذه إذاً مقارنة من باب الأدب المقارن، وليست من باب الموازنة لترجيح أحد الأدبين.
وخلط العقاد له وجه، لأنه حدد الموازنة بالمفاضلة حتى بين أدبين مختلفين لغة، وجعل المقارنة بحثاً عن المقاييس العامة. شيء من هذا دعت إليه المدرسة الأمريكية حين رأت أن الأدب القومي يتسع للمقارنة أيضاً، ثم إن البيئات الأدبية لأبناء اللغة الواحدة فيها مندوحة لمثل هذا الدرس المقارن، كالحاصل بين آداب المشرق والأندلس، بل بين الأندلس نفسه في الأعصار المختلفة، ولعل عدم استقرار قواعد هذا العلم بصورة قاطعة يفتح المجال لمثل هذا الخلط الذى يأخذ به فريق، ويدابره فريق آخر.
كما حدد العقاد قضية التأثير والتأثر، ومدى أصالة الكاتب، حين تحدث في شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي عن مدرسته. يقول: والواقع أن هذه المدرسة المصرية ليست مقلدة للأدب الإنجليزي، ولكنها مستفيدة منه مهتدية بضيائه. ولها بعد ذلك رأيها في كل أديب من الإنجليز كما تقدره هي، لا كما يقدره أبناء بلده، وهذا هو المطلوب من الفائدة الأدبية التي تستحق اسم الفائدة.. إذ لا جدوى هناك فيما يلغي الإرادة ويشل التمييز، ويبطل حقك في الخطأ والصواب، وإنما الفائدة الحقة هي التي تهديك إلى نفسك، ثم تتركك لنفسك، تهتدي بها وحدها كما تريد، ولأن تخطئ على هذا النمط خير من أن تصيب على نمط سواه.
ونعتقد أن هذا من خير ما قرأناه فيما يتعلق بالتأثير والتأثر، وأصالة الأديب الحق ، ولـ(جيتي) كلام مشابه... لكن ليس فيه مثل هذا الحسم (راجع كلامه في المازني شاعراً لكاتب هذه السطور).
ولعل خير ختام لهذه السطور العجلى ما قاله العقاد ينفي الظنة الببغاوية، ويؤكد أصالته الواضحة بنفسها، وتثبت سبقه, وهو قوله: «ولقد يرى بعض الناقدين أنني أتأثر بما أقرأ فيما أكتب، وأنني أنحو هذا النحو أو ذاك مما أعجب به من آراء المفكرين وأنماط التفكير، فليس لي أن أقول في هذا الرأي إلا أنني أعلم غير ذلك من شأني، وإنني لا أحسب تفكير الإنسان إلا جزءاً من الحياة، ونوعاً من الأبوة، فليس يسرني أن تنمى إلي أفكار كل من أقلتهم هذه الأرض من الأدباء والحكماء والعلماء إذا كانت غريبة عني. بعيدة النسب من نفسي، كما ليس يسرني أن ينزل لي كل من في الأرض عن أبنائهم وبناتهم، ولو كانوا أبناء سادة وذرية ملوك، أقول ذلك لا أجد فيه ادعاء ولا عجباً، ولكني أقرر به حقيقة وأبين مذهباً، فمن شاء أن يعده من الادعاء والعجب، فله مشيئته وليس علي أنا أن أنازعه فهمه وتفسيره.
ولو أن الخواطر يوم البعث ترد إلى مناشئها، لخلت أن ستبعث معي في جسد واحد يوم ينفخ في الصور الموعود، أو لعادت معي إلى حيث كنا في الحياة، ولو كان لها ألف شبه بآراء المرتئين وكتابات الكاتبين».
وشهادة المرء لنفسه تبيح الأخذ بها حين ننظر بعيون آدمية لا بعيون الزجاج الممسوخ، حين نجد دلائلها شاخصة فيما خطته يراعة العقاد رائد اتجاه في الأدب المقارن، قبل المدرسة الأمريكية، وهو في غنى بسبقه وأصالته عن أي نافلة من الإعجاب أو الثناء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى