شريف محيي الدين إبراهيم - امرأة لا تطل من النافذة، للأديبة سهير شكري / حين تصبح الذاكرة واقعًا بديلًا

في هذا النص تتراجع الحكاية التقليدية،حيث لا يتحرك السرد عبر تعاقب الأحداث بقدر ما ينمو من داخل الشخصية.
نحن أمام
كتابة تجعل الإحساس محركًا أساسيًا للبناء الفني.

العنوان «امرأة لا تطل من النافذة»
يبدو رمزيًا مشحونًا بالدلالة؛ رفضٌ صامت للعالم، وانسحابٌ من حركة الحياة.
النافذة، بما تحمله من معاني الانفتاح والرؤية والاتصال، تتحول إلى حدٍّ فاصل بين بين زمن متوقف وزمن يمضي بلا اكتراث.

يفتتح النص بجملة تبدو وصفية: «اليوم مطير بغزارة». غير أن المطر لا يعمل كعنصر طقسي عابر، بل كمحفّز ذاكرة ولحظة اختراق للحصار الداخلي. المطر يرتبط عادة بالتطهير ، لكنه هنا يؤدي وظيفة أكثر قسوة؛ إنه يوقظ ما حاولت البطلة دفنه، ويعيد بعث الذكريات المعطلة.

الفضاء المكاني مشبع بدلالات نفسية واضحة. الغرفة ليست مجرد مكان، بل حالة، والستائر المختنقة تبدو إسقاطًا مباشرًا لحياة راكدة، والنافذة المغلقة منذ سنوات تشير إلى زمن متحجر، بينما يعكس الاختباء خلف الضلفة خوفًا مزدوجًا: من الخارج ومن المواجهة مع الذات.


يبرز استخدام الرائحة كأداة سردية بوصفه أحد أكثر العناصر ذكاءً في البناء،فالرجل لا يظهر أولًا عبر الرؤية، بل عبر العطر، الرائحة، بوصفها الحاسة الأكثر اتصالًا بالذاكرة، تستدعي الماضي ، وتتجاوز الزمن مباشرة، بذلك يتقدّم الأثر الحسي على الحضور الجسدي.

مشهد المراقبة من النافذة يتأسس على لعبة الإدراك والشك، تتردد البطلة بين الاعتراف والإنكار، بين احتمال الحقيقة وخوف الوهم، هذا التردد لا يشكّل حدثًا بقدر ما يكشف عن بنية نفسية مأزومة.

تبلغ الذروة مع ظهور المرأة الأخرى بصحبة الرجل. في هذه اللحظة يتحول الحنين إلى غيرة، والرومانسية إلى مرارة، والترقب إلى انكسار.
المرأة الأخرى لا تقوم بدور المنافسة فحسب، بل تمثل صدمة تؤكد أن الحياة استأنفت مسارها بعيدًا عنها.

يحمل النزول إلى البدروم دلالة رمزية، إذ يمثل الانحدار إلى طبقات الذاكرة واللاوعي.
المرسم المهجور يتجسد كماضي العلاقة، والألوان المغبرة تشير إلى الإبداع المتوقف، والأشياء المكدسة توحي بزمن مؤجل لم يُحسم.

ثم تأتي الصدمة باكتشاف أن الرجل الذي رأيناه منذ لحظات يمشي ويتحرك ويعانق امرأة يتحول فجأة إلى جسد ساكن.

المعطف الأحمر الذي كان على المرأة الأخرى يتحول إلى دليل مادي داخل عالم البطلة، ما يعيد خلط الحدود بين الذات والآخر، بين الذاكرة والواقع. المرأة الأخرى قد تكون انعكاسًا نفسيًا، أو صورة متخيلة. النهاية لا تفسّر، بل تخلق قلقًا وجوديًا وتفتح النص على احتمالات متعددة.

ما يمنح النص خصوصيته هو لغته غير المتكلفة، وحسه البصري الواضح، واستخدامه الموفق للرائحة، وتصاعده النفسي المحسوب، ونهايته المفتوحة الذكية.
إنه نص ينجح في تحويل العزلة إلى مادة سردية.
في النهاية، لا نخرج من النص بإجابة، بل بإحساس مقلق، أحيانًا لا يكون الواقع هو ما نراه، بل ما لم نستطع نسيانه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى