البحث عن ذبابة لأحمد عبدالله إسماعيل والبحث في أغوار النفس الإنسانية، في توازن الحياة، فى التناقض والتعايش، فى الوحدة والفراغ والصمت، فى الضجيح والعرق والزحام، في رائحة البخار المنبعث من الأفواه، فى الغرف المعقمة والجدران التي تبدو مبطنة بالقطن، ودقات الساعة الرتيبة التي انتظمت مع دقات القلب لتصيب عمر بالرعب الغامض لتصور أنها كمعادل موضوعى للحياة التي يمكن أن تتوقف فجأة لو توقفت دقات الساعة وفي الخصوصية المنتهكة كجدار مهدم الكل يعبره، والكل يترك أثرا من غباره عليه.
هل نقول تلك المقابلة / الصراع بين الشرق والغرب /الجنوب والشمال ما يسمى بصراع الحضارات متمثلا فى شخصية عمرو الذي ينشد الاستقلال والخصوصية والهدوء والسلام النفسي الذي تصوره في فرانكفورت حيث يبدو كل شيء مكتملا حتي الموت - ذلك الشرطى الباهت العينين الزرقاوين، ورعشة يده وحركتها علي غلاف سلاحه وهذا الذي كل ن ينشد أن يكون مثله - أصبح الآن أسير الصمت والفراغ ومراقبة الجيران وحيث كل شىء هادئ أو الحى الغربي، يضغط وينتهك خصوصيتك وأنت تنشد ما يثبت لك أنك على قيد الحياة في الحديقة ، ووجودك الذى أزعج الجيران .. أنت إذا مراقب بالصمت -ووشاية الجيران والنظام الخانق الصارم رغم نعومة الأداء واقتيادك لمخفر الشرطة ليعرفوا سر وجودك في الحديقة لست حرا كما كنت تتوقع أنت مستلب بالنظام والدقة ، انتهاك بصورة أخرى لخصوصيتك التي انتقلت بك من الشرق للغرب ومن الجنوب للشمال ورغم الفوارق الاجتماعية والمدنيىة والحداثية يجتمعان على انتهاك خصوصية الإنسان بالفوضي والنظام بالعشوائية والدقة ، بالصمت والضجيج والفراغ والزحام .
العالمان متناقضان لكنهما متناغمان في الضغط على لانسان .. إنها قضية الانسان المعاصر رغم فجوة الجنوب والشمال ، أزمة وجودية نفسية، لا علاقة لها بالفقر والغنى ، بالتخلف والتقدم ..!
ماذا يريد أن يقول لنا أحمد عبدالله إسماعيل في قصته المنضبطة أيضا بالمنطق والعقلانية والحداثة الواقعية التى ثار عليها عمر رغم أنها كانت الغاية والمقصد لتحقيق الخصوصية التي لم يجدها في بلاد الصمت والدقة والتعقيم ..؟؟
ما هو المغزى والدلالة في اتفاقهما عليه ..؟؟ هل هي دعوة إلى قبول الأمر الواقع، بعدم لقاء الشرق والغرب، في صراع الحضارات، في نموذج الفرد، باصطحابه لمخفر الشرطة لمجرد أن وجوده في الحديقة أثار الجيران الذين يتابعونه خلف ستار النوافذ ..؟؟ ، أنت إذن لست حرا على الإطلاق، الكمال حد الموت ليس حياة والصخب حد عرق الزحام ورائحة بخار الأفواه، وسقوط غبار الآخر علي جدارك المتهدم، أيضا ليس حياة
ما الحياة إذا ..؟؟ وهل هناك حياة بين بين ..؟؟
قصة نفسية واقعية رمزية وجودية - تطرح الأسئلة وتفجر معنى الوجود ،والنقص والاكتمال - وأن كل شيء نفسی وأن ما يبدو من طرف منضبطا منظما - يبدو في عيني الآخر شاحبا باهت العينين الزرقاوين..!!
دعنا - تفكك النص سرديا .. لنرى جمال السرد وحبكته ولغته الرصينة العذبة ومشهديته رغم رمزية النص ودلالته النفسية الإنسانية العميقة ، نصاعة الفكرة ودقة وجمال الوصيف وبراعة السارد العليم في الروى دون خطابية حتى الميتاسردية على هيئة منولوج أو تيار وعي ..!!
المشهد الأول داخل الشقة في فرانكفورت ودهشة الاستمتاع بالخصوصية والهدوء الذي جاء يبحث عنه
المشهد الثاني في الحديقة بعد عشرة أيام نزل للحديقة يبحث عن الهواء الطلق - مما يؤنسه من الوحدة وايقاع الصمت والنظام والدقة فارتاب فيه الجيران وأرشدوا عنه الشرطة ليقتاده شرطيان إلى مركز الشرطة.
المشهد الثالث حيث إيقاع حذاء الشرطي كإيقاع دقات الساعة المتماس مع دقات قلبه ليصاب بالرعب وبعد الاستجواب يطلقوا سراحه علي ألا يزعج الجيران ليخرج إلى الشارع في المشهد الرابع بحثا عن شيء يخالف هذا النظام الصارم الخانق بحثا عن زاوية في هذه المدينة العظيمة، بحثا عن علبة بلاستيكية فارغة أو بقايا وجبة بيتزا على مقعد حديقة أو أي شيء يثبت أنه لم يمت بعد في هذا العالم المعقم ...!
إشارات
١ -- قلت إنها قصة واقعية رمزية نفسية بامتياز مما يؤكد أن الواقعية لا تزال تسحرنا بتجلياتها وبراعة وموهبة كتابها الذين جددوا في البني والتقنيات السردية، التي استفادت من كل المدارس والأنواع الأدبية -فهنا المنولوج و تيار الوعى وحتى الميتاسرد وكلها عناصر سرد ما بعد الحداثة وليست الفانتازيا م ولا الخيال العلمي فقط ، وهذا يقودنا للتنظير وليس هذا مكانه.
٢ -- البحث عن ذبابة : عتبة النص ودلالته ورمزه كعنوان وهو البحث عن أي شيء يحدث إزعاجا - بما تمثله. الذبابة من طنين وإلحاح قال تعالي ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ) ففيها مع الإسقاط الرمزى معنى اللزوجة والإيذاء والإيذاء النفسي والمعنوى - بالطنين ونقل الأمراض ومع ذلك مستعد أن يتقبله بعد هذا الصمت الرهيب والفراغ ، والوجود المعقم - الذي أصابه بالضيق والاختناق حتى تمني وجود الذباب اللزج لإثبات ضجيج الحياة بعد أن عاش التجرية.
٣ -- تتناص القصة مع عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم ( ١٩٣٨ ) - حيث الصراع بين الشرق والغرب وليس مجرد قصة حب رومانسية فاشلة لعدم صدق الفتاة الباريسية اللعوب في مشاعرها بينما كان الفتى المصرى صادقا في حبه لكن توفيق الحكيم ينعي في قصته الآثار المدمرة للحداثة بعواقب التصنيع والعبودية التي حولت البشر لآلات وتتجلي قصة الصراع بين الشرق والغرب في موسم الهجرة للشمال للطبيب صالح وبطله مصطفي سعيد وكذلك تتناص مع رضوي عاشور في الرحلة وأكثر من رضوي.
اللغة رصينة عذبة بها كثير من الصور المجازية والبلاغية لكنها لا تنزلق للشعر ايقاعا وتصويرا ومجازات.
تحية للقاص القدير أحمد عبد الله إسماعيل علي هذا النص القصصي المدهش الجميل ..!!
د. عيد صالح
هل نقول تلك المقابلة / الصراع بين الشرق والغرب /الجنوب والشمال ما يسمى بصراع الحضارات متمثلا فى شخصية عمرو الذي ينشد الاستقلال والخصوصية والهدوء والسلام النفسي الذي تصوره في فرانكفورت حيث يبدو كل شيء مكتملا حتي الموت - ذلك الشرطى الباهت العينين الزرقاوين، ورعشة يده وحركتها علي غلاف سلاحه وهذا الذي كل ن ينشد أن يكون مثله - أصبح الآن أسير الصمت والفراغ ومراقبة الجيران وحيث كل شىء هادئ أو الحى الغربي، يضغط وينتهك خصوصيتك وأنت تنشد ما يثبت لك أنك على قيد الحياة في الحديقة ، ووجودك الذى أزعج الجيران .. أنت إذا مراقب بالصمت -ووشاية الجيران والنظام الخانق الصارم رغم نعومة الأداء واقتيادك لمخفر الشرطة ليعرفوا سر وجودك في الحديقة لست حرا كما كنت تتوقع أنت مستلب بالنظام والدقة ، انتهاك بصورة أخرى لخصوصيتك التي انتقلت بك من الشرق للغرب ومن الجنوب للشمال ورغم الفوارق الاجتماعية والمدنيىة والحداثية يجتمعان على انتهاك خصوصية الإنسان بالفوضي والنظام بالعشوائية والدقة ، بالصمت والضجيج والفراغ والزحام .
العالمان متناقضان لكنهما متناغمان في الضغط على لانسان .. إنها قضية الانسان المعاصر رغم فجوة الجنوب والشمال ، أزمة وجودية نفسية، لا علاقة لها بالفقر والغنى ، بالتخلف والتقدم ..!
ماذا يريد أن يقول لنا أحمد عبدالله إسماعيل في قصته المنضبطة أيضا بالمنطق والعقلانية والحداثة الواقعية التى ثار عليها عمر رغم أنها كانت الغاية والمقصد لتحقيق الخصوصية التي لم يجدها في بلاد الصمت والدقة والتعقيم ..؟؟
ما هو المغزى والدلالة في اتفاقهما عليه ..؟؟ هل هي دعوة إلى قبول الأمر الواقع، بعدم لقاء الشرق والغرب، في صراع الحضارات، في نموذج الفرد، باصطحابه لمخفر الشرطة لمجرد أن وجوده في الحديقة أثار الجيران الذين يتابعونه خلف ستار النوافذ ..؟؟ ، أنت إذن لست حرا على الإطلاق، الكمال حد الموت ليس حياة والصخب حد عرق الزحام ورائحة بخار الأفواه، وسقوط غبار الآخر علي جدارك المتهدم، أيضا ليس حياة
ما الحياة إذا ..؟؟ وهل هناك حياة بين بين ..؟؟
قصة نفسية واقعية رمزية وجودية - تطرح الأسئلة وتفجر معنى الوجود ،والنقص والاكتمال - وأن كل شيء نفسی وأن ما يبدو من طرف منضبطا منظما - يبدو في عيني الآخر شاحبا باهت العينين الزرقاوين..!!
دعنا - تفكك النص سرديا .. لنرى جمال السرد وحبكته ولغته الرصينة العذبة ومشهديته رغم رمزية النص ودلالته النفسية الإنسانية العميقة ، نصاعة الفكرة ودقة وجمال الوصيف وبراعة السارد العليم في الروى دون خطابية حتى الميتاسردية على هيئة منولوج أو تيار وعي ..!!
المشهد الأول داخل الشقة في فرانكفورت ودهشة الاستمتاع بالخصوصية والهدوء الذي جاء يبحث عنه
المشهد الثاني في الحديقة بعد عشرة أيام نزل للحديقة يبحث عن الهواء الطلق - مما يؤنسه من الوحدة وايقاع الصمت والنظام والدقة فارتاب فيه الجيران وأرشدوا عنه الشرطة ليقتاده شرطيان إلى مركز الشرطة.
المشهد الثالث حيث إيقاع حذاء الشرطي كإيقاع دقات الساعة المتماس مع دقات قلبه ليصاب بالرعب وبعد الاستجواب يطلقوا سراحه علي ألا يزعج الجيران ليخرج إلى الشارع في المشهد الرابع بحثا عن شيء يخالف هذا النظام الصارم الخانق بحثا عن زاوية في هذه المدينة العظيمة، بحثا عن علبة بلاستيكية فارغة أو بقايا وجبة بيتزا على مقعد حديقة أو أي شيء يثبت أنه لم يمت بعد في هذا العالم المعقم ...!
إشارات
١ -- قلت إنها قصة واقعية رمزية نفسية بامتياز مما يؤكد أن الواقعية لا تزال تسحرنا بتجلياتها وبراعة وموهبة كتابها الذين جددوا في البني والتقنيات السردية، التي استفادت من كل المدارس والأنواع الأدبية -فهنا المنولوج و تيار الوعى وحتى الميتاسرد وكلها عناصر سرد ما بعد الحداثة وليست الفانتازيا م ولا الخيال العلمي فقط ، وهذا يقودنا للتنظير وليس هذا مكانه.
٢ -- البحث عن ذبابة : عتبة النص ودلالته ورمزه كعنوان وهو البحث عن أي شيء يحدث إزعاجا - بما تمثله. الذبابة من طنين وإلحاح قال تعالي ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ) ففيها مع الإسقاط الرمزى معنى اللزوجة والإيذاء والإيذاء النفسي والمعنوى - بالطنين ونقل الأمراض ومع ذلك مستعد أن يتقبله بعد هذا الصمت الرهيب والفراغ ، والوجود المعقم - الذي أصابه بالضيق والاختناق حتى تمني وجود الذباب اللزج لإثبات ضجيج الحياة بعد أن عاش التجرية.
٣ -- تتناص القصة مع عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم ( ١٩٣٨ ) - حيث الصراع بين الشرق والغرب وليس مجرد قصة حب رومانسية فاشلة لعدم صدق الفتاة الباريسية اللعوب في مشاعرها بينما كان الفتى المصرى صادقا في حبه لكن توفيق الحكيم ينعي في قصته الآثار المدمرة للحداثة بعواقب التصنيع والعبودية التي حولت البشر لآلات وتتجلي قصة الصراع بين الشرق والغرب في موسم الهجرة للشمال للطبيب صالح وبطله مصطفي سعيد وكذلك تتناص مع رضوي عاشور في الرحلة وأكثر من رضوي.
اللغة رصينة عذبة بها كثير من الصور المجازية والبلاغية لكنها لا تنزلق للشعر ايقاعا وتصويرا ومجازات.
تحية للقاص القدير أحمد عبد الله إسماعيل علي هذا النص القصصي المدهش الجميل ..!!
د. عيد صالح