أسعد سليم - الوزيرة والصحفية: معركة الملكية الفكرية في الوسط الثقافي

تشهد الساحة الثقافية المصرية حالياً صخباً كبيراً حول قضية اتهام وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي بالنقل والاقتباس غير المشروع من كتاب الصحفية الأستاذة سهير عبد الحميد بعنوان "سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" (صادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع عام 2022)، وذلك في كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب: ضفائر التكوين والتخوين" (صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2024).
أصدرت المحكمة الاقتصادية المختصة بحقوق الملكية الفكرية حكماً يقر بوجود نقل وانتهاك، ويقضي بإعدام الكتاب وتغريم الوزيرة مبلغ 100 ألف جنيه تعويضاً. وقد استأنفت الوزيرة الحكم أمام محكمة النقض، التي لم تنظر في القضية بعد.
أثار الحكم جدلاً حاداً في الأوساط الثقافية، مع تبادل اتهامات بين الطرفين، وانقسام بين من يدافع عن الوزيرة بدوافع شخصية أو موضوعية، ومن يتعاطف مع سهير عبد الحميد باعتبارها الطرف الأضعف والمتضرر. كما استغل البعض الحدث لأغراض سياسية أو شخصية، بعيداً عن جوهر الموضوع.
وسط هذا الضجيج، غاب السؤال الأساسي: لماذا لم يقرأ أحد الكتابين فعلياً ليقارن بينهما بموضوعية وحياد؟
أنا شخصياً لا أنتمي إلى الوسط الثقافي التقليدي (لا جمعيات ولا أندية ولا شلل)، ولم أتقاضَ يوماً أجراً من كتبي أو مقالاتي الفكرية. عملي الرئيسي خارج مصر يبعدني عن الحساسيات والحسابات الداخلية. لذلك، قرأت الكتابين في يومين متتاليين لأحكم بنفسي وبحياد تام عما إذا كان هناك سرقة أدبية كما جاء في الحكم.
كتاب “سيدة القصر” لسهير عبد الحميد (الصادر أولاً) هو عمل بحثي عميق ومضنٍ يتتبع شخصية قوت القلوب الدمرداشية من جذورها التاريخية (من جدها الأكبر في عصر المماليك إلى والدها عبد الرحيم باشا الدمرداش). بذلت الكاتبة جهوداً هائلة في دراسة كل مقال وكتاب ووثيقة وخبر متعلق بها، ووظفتها ببراعة في السرد.
يغطي الكتاب ليس فقط سيرة قوت القلوب، بل الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر خلال القرن العشرين، من قصرها في التحرير ومستشفى الدمرداش إلى وفاتها على يد ابنها في روما. كانت قوت القلوب أغنى سيدة في مصر آنذاك، بثروة هائلة من الأموال والأراضي والعقارات.
تناولت سهير عبد الحميد إبداع قوت القلوب في كتابة الروايات بالفرنسية (مع مقدمات لكتاب فرنسيين مشاهير)، ودعوتها الجريئة لتحرير المرأة، ووصفها لوضع النساء كـ"جمال بلا عقل" محصورات خلف المشربيات. كما سردت قصة زواجها من مصطفى مختار وإنجاب أربعة أبناء ثم طلاقها وتسمية أولادها باسم أبيها، وعشقها الفاشل لمحمود أبو الفتح الذي أدى إلى عداوة ثورة 1952 لها، وتأميم أملاكها، وهروبها إلى إيطاليا.
إنها رحلة صوفية-تنويرية من القمة إلى القاع، من الثراء والعلاقات إلى الفقر والوحدة، من العشق إلى اليأس. تقدم سهير عبد الحميد عملاً مبهراً يجمع بين روح المؤرخ والمدقق والروائي، بأسلوب بحثي جذاب غني بالمعلومات والقصص والشخصيات التاريخية. يعد من أمتع الكتب التي قرأتها مؤخراً.
أما كتاب "كوكو شانيل وقوت القلوب" لمعالى الوزيرة جيهان زكي، فيقدم مقارنة تاريخية بين شخصيتي كوكو شانيل وقوت القلوب، وهي فكرة مشروعة في حد ذاتها، رغم أن التشابه بينهما –من وجهة نظري– غير واضح، وقد يكون محاولة للتقارب مع الغرب (حيث تعيش الوزيرة أو تحمل جنسيته حسب الشائعات المتداولة)
الكتاب صغير الحجم (حوالي 123 صفحة، معظمها صور ورسوم)، يرسم سيرة الشخصيتين بشكل منفصل ثم يبحث عن نقاط مشتركة، خاصة في قصص الحب البائسة والاتهام بالخيانة.
في جزء كوكو شانيل، اعتمدت الوزيرة على مصادر عامة معروفة (ويكيبيديا، كتب، أفلام وثائقية)، بأسلوب تقريري تقليدي دون إضافات جديدة.
أما في جزء قوت القلوب، فأقسم بالله أن النصوص منقولة حرفياً من كتاب سهير عبد الحميد. فقرات وصفحات كاملة منسوخة "كوبي-بيست" دون تغيير يذكر، وبدون إشارة إلى المصدر. أتحدى أي شخص ذو ضمير أن يجد كلمة واحدة في هذا الجزء ليست مأخوذة مباشرة من كتاب "سيدة القصر".
يردد البعض –كمحاولة للتدليس– أن قوت القلوب شخصية تاريخية عامة يحق للجميع تناولها دون أسبقية. وهذا صحيح، لكن هذا هو الحق الذى يراد به باطل، المشكلة ليست في تناول الشخصية، بل في نسخ نصوص شخص آخر حرفياً دون إشارة أو إذن. هذا انتهاك لحقوق الملكية الفكرية، ومخالف للقواعد الأكاديمية والقانونية للاقتباس.
القضية ليست سياسية، ولا نريد تسييسها. إنها حالة سرقة أدبية واضحة ومثبتة قضائياً، لا يمكن إنكارها بعد المطابقة الدقيقة. وعلى المسؤولين تحمل مسؤولية اختياراتهم في مثل هذه المواقف.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى