عبد علي حسن - السكيتش القصصي من التخطيط آلى الإكتمال

يعاود القاص العراقي محمد خضير كتابته للسكيتش القصصي الذي يجده نصاً يحتمل الإكتمال بعدّه نصاً ابداعياً يدخل إلى منطقة التجريب السردي المثمر الذي عّرف به القاص ، ففي السكيتش الجديد
(السهم) المنشور على صفحته ليوم 12/2/2026 محاولة واعية لإعادة تعريف هذا الشكل السردي الذي درجت العادة على النظر إليه بوصفه تمريناً أولياً، أو تخطيطاً عابراً لقصة لاحقة أكثر اكتمالاً ، فالسكيتش في المفهوم الكلاسيكي، سواء في الفنون التشكيلية أو في الكتابة السردية، هو رسم سريع، خاطف، يلتقط ملامح الفكرة قبل أن تنضج في عمل مكتمل ، إنه مسودة، إشارة، خط أول ، غير أن «السهم» لا يتصرف بوصفه مسودة لشيء آخر، بل بوصفه نصاً قائماً بذاته، مكتفياً بآلياته، ومشحوناً بكثافة رمزية وفكرية لا توحي بأنه في انتظار توسّع لاحق ، من هنا يمكن القول إن خضير لا يكتب سكيتشاً تمهيدياً، بل يعيد ابتكار السكيتش بوصفه شكلاً سردياً مكتملاً، قادراً على حمل التاريخ والذاكرة والالتباس الأيديولوجي في مساحة لغوية مكثفة.
يقوم النص على استعارة مركزية هي «السهم»، لكنه لا يبقيها في حدود العلامة الاتجاهية البسيطة، بل يحوّلها إلى كيان فاعل، بل إلى محاور داخلي يشتبك مع الشخصية ويجادلها ، فالسهم في بدايته علامة مرسومة أو موشومة، لكنه سرعان ما يغدو علامة زمنية، ثم صوتاً، ثم ضميراً تاريخياً يذكّر صاحبه بالماضي ويستفزه نحو المستقبل ، وتكشف هذه الدينامية الرمزية عن وعي بنائي عميق؛ فالسهم ليس عنصراً زخرفياً، بل هو محور المجال السردي الذي تنتظم حوله الوقائع المتشظية: وثبة كانون 1948، إضراب 1952، تظاهرات 2021، وذاكرة الشارع البغدادي بامتداداته من ساحة التحرير إلى شارع الرشيد ،
إن استدعاء جسر الوثبة في 27 كانون الثاني 1948 يحيل مباشرة إلى حدث مفصلي في التاريخ العراقي الحديث هو وثبة كانون الثاني 1948، كما أن الإشارة إلى إضراب عمال الموانئ في آب 1952 تضع النص في تماس مع انتفاضة 1952 في العراق. غير أن خضير لا يكتب تاريخاً توثيقياً، بل يكتب تداخلاً زمنياً يجعل هذه الأحداث تتحرك داخل وعي شخصية «طارئة على عصرها»، شخصية تحمل وشم السهم وتتردد بين المواصلة والانكفاء. الزمن هنا ليس خطياً؛ إنه يرتدّ ويتقدّم في آن، تماماً كما يتحرك السهم على الذراع ثم يعود ليستقر باهتزاز خفي. بهذا المعنى يتحول السكيتش إلى مختبر زمني، يختبر فيه الكاتب علاقة الفرد بالتاريخ، وعلاقة النص بالذاكرة الجماعية ،
كما يلفت النص إلى بعد ميتاسردي واضح، حين يتساءل الرجل إن كان «النص» سيستقر كما قرأه في قصة «الآخرون» لـ فؤاد التكرلي. هذه الإحالة لا تعمل بوصفها تذكيراً أدبياً فحسب، بل تكشف عن وعي الكتابة بذاتها ، فالشخصية تفكر في النص، وتقارن لحظتها الراهنة بنص سابق، وكأن السكيتش يعرض عملية الكتابة نفسها وهو يتشكل ، عن هنا يتجاوز خضير مفهوم السكيتش كمسودة، ليجعله مساحة تأمل في شروط السرد ، كيف يُكتب الحدث؟ كيف يُعاد تمثيل التظاهر؟ وهل يمكن للبطولة القديمة أن تتكرر بالإيقاع نفسه؟ إن السؤال عن «موقع الرفيقة المشمشة» الغائبة هو سؤال عن تغيّر النموذج السردي ذاته، عن غياب الرومانسية الثورية التي كانت ممكنة في نص سابق، واستحالتها في سياق جديد أكثر التباساً.
أن السهم لا يكتفي بالإشارة إلى الاتجاه، بل يخترع شارعاً افتراضياً، شبيهاً بشارع الرشيد، ويمدّد الفضاء السردي بين أبوابه وشرفاته ووجوه قتلاه. بهذا الامتداد المكاني تتشكل مدينة داخل النص، مدينة مؤلفة من طبقات زمنية متراكبة: وجوه وثبة 1948 تمتزج بوجوه الانتفاضات اللاحقة، والخوف من المداهمة الليلية يتجاور مع رقدة الصيف على السطوح. إن هذا التراكب هو ما يمنح السكيتش طاقته الإبداعية؛ فهو لا يسعى إلى حبكة متماسكة بالمعنى التقليدي، بل إلى بناء مجال دلالي تتقاطع فيه الصور والذكريات والأصوات.
ومن أبرز ما يؤكد استقلالية النص أن السهم يتحول إلى محاور مباشر، يخاطب صاحبه، يحثه على المواصلة، يذكّره بالتاريخ المنسي، ويحذّره من الاكتفاء بصورة مثالية للثورة. هذا الحوار الداخلي يمنح النص توتراً درامياً يغنيه عن أي حبكة خارجية موسعة. فالصراع الحقيقي ليس بين متظاهر والشرطة، بل بين الذات وذاكرتها، بين الرغبة في الاستمرار والإحساس بعبثية التكرار. وهنا تتجلى جرأة خضير في تفكيك الخطاب الثوري نفسه ، فالسهم يقول إن «الثورة لها مياهها العكرة أيضاً»، وإن الوجوه ليست كلها بريئة. إنها مراجعة ضمنية للأسطورة النضالية، لكنها مراجعة تنبع من داخل التجربة، لا من موقع تهكمي خارجي.
إن تجاوز مفهوم السكيتش الأولي يتحقق كذلك عبر الكثافة اللغوية ، فالنص مشحون بصور مركبة: السهم الغائر في الجلد، الأسماك المعلّقة في حبل رفيع، الحبر القديم «باركر كوينك»، الأسطوانات والمقاهي ودور السينما ، هذه العناصر لا تُساق بوصفها تفاصيل عابرة، بل بوصفها أرشيفاً حسياً لمدينة كاملة ، وبهذا تتحول المساحة القصيرة إلى ما يشبه بانوراما مكثفة، تتطلب من القارئ مشاركة فعالة في ملء الفراغات وربط الإشارات.
يمكن القول إن «السهم» يعلن أن اللحظة الإبداعية الأولى ليست أقل اكتمالاً من النص المطوّل ، فالقاص هنا يغامر بالوقوف عند تخوم الفكرة، لكنه يمنحها من العمق ما يجعلها مكتفية بذاتها ، إنه يدعو ضمناً إلى الاعتراف بالسكيتش كشكل سردي مستقل، قادر على التقاط الشرارة الأولى دون أن يحيلها إلى مشروع مؤجل. بل لعل قوة النص تكمن في بقائه معلقاً بين الاحتمال والتحقق، بين الرغبة في المواصلة وقرار التوقف. فحين يقول الرجل «لا أريد أن أواصل المسير»، يكون قد أعلن تمرده على منطق السهم ذاته، أي على حتمية الاتجاه الواحد.
بهذا المعنى، يكتب محمد خضير نصاً يشتغل على الحد الفاصل بين الإشارة والسرد، بين الرمز والتاريخ، بين الذاكرة والراهن. وهو إذ يفعل ذلك، لا يقدّم تمريناً تمهيدياً، بل يقترح شكلاً سردياً يليق بعصر متشظٍ، حيث لا تعود الحكاية خطاً مستقيماً، بل سهماً يرتجف على الذراع، يتقدم ويتراجع، ويجادل صاحبه بلا توقف ، هكذا يغدو السكيتش نصاً إبداعياً كاملاً، لا لأنه يوسّع الحدث، بل لأنه يوسّع دلالته، ويجعل من العلامة البسيطة أفقاً مفتوحاً للتأمل في التاريخ والكتابة والمصير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى