حسين عبروس - "وحده الله من يسمعك.."

همس الرّوح "وحده الله من يسمعك.."
........
الحديث مع الله لا يشترط أن يكون بلسانٍ معين، ولا بطريقةٍ معينة، ولا بصيغةٍ محفوظة تتردّد على الشّفاه. قد يكون همسًا روحيًا خفيًّالا يسمعه البشر،ولا تدرك تفاصيله نظريات علم النّفس، ولاتحيط به مقاييس التّحليل.هو سرٌّبين العبد وربه،تبتّلٌ نديّ بالإيمان في ساعا ت صفاءالرّوح وفي لحظات إحساس المرءبثقل الذنوب،وفي مواطن الشّعوربالظلم البشري حين تضيق الأرض بما رحبت.
وحده الله من يسمعك إذا ركنت إلى زاوية الدّعاء في ذلك الرّكن القصيّ من أعماقك حيث يفيض الحديث بأسمى معاني الإيمان الرّوحي. فأنت إذا قرأت القرآن، فقد وجدت الحديث إليه في قمّة عفويته، حتى ولو تلعثم لسانك في نطق بعض الكلمات والآيات، فليس المقصود فصاحة العبارة، بل صدق النّبض. ليس المهم إتقان المخارج، بل إخلاص المخارج من شوائب الرّياء
والادّعاء،وأنت تحدثه، لست كما تحدث صديقك أو من حولك من النّاس؛ لا مجاملة هنا، ولا تزييف، ولا أقنعة اجتماعية. قد تغرق في بوحٍ من الغبطة من الفرح الداخلي الذي لا يعرف له سببًا ظاهرًا، وقد يختلط حديثك إليه بالرّهبة، مسجّى بالدموع، مضمّخًا برجاء خفيّ يرتعش بين الضّلوع. هي لحظة صفاء تتعرّى فيها الرّوح من ضجيج العالم، وتبقى وحدها في حضرة السميع البصير.
وحده الله من يسمعك أيّها المظلوم، والمحروم، والمهموم، والمريض، والمهيض الجناح. حين تتكسّر الكلمات في حلقك، وتضيق بك سبل الشّكوى، وتخذلك الأصوات من حولك، يبقى باب السّماء مفتوحًا لا يُغلق،وسميعًا لا يملّ، وقريبًا لا يحتجب. فلا تستعجل الردّ من حبيبك الذي يسمع ويرى ويعلم ما لم تسمع، وما لم ترَ، وما لم تعلم. فكم من تأخيرٍ كان في طيّاته لطف، وكم
من صمتٍ ظننته غيابًا كان عين العناية،فتبتّل إليه بأجمل الكلمات، أو حتى بأبسطها، أو بتنهيدةٍ لا تُترجمها الحروف. فهو الذي يرعاك، ويرى الكون في كل الأوقات، "لا تأخذه سنة ولا نوم". هو القريب إذا بعد الجميع، والأنيس إذا استوحشت الطرق، والعدل إذا جار الزمان.
هناك، في تلك المساحة الخفيّة بين القلب والسّماء، يبدأ الحديث الحقيقي… حديث لا يحتاج إلى شهود، لأن الله وحده يكفي من يسمعك.
Peut être une image de horizon et océan

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى