أحمد بوعروة - الشماعية تكتب صورتها… و«حموشان وهلالة» يعيد اكتشاف اليوسفية

في الشماعية لا تمرّ الأشياء
مرور العابرين.
هناك، بين صمت التلال ودفء الوجوه، تتحوّل الأرض إلى ذاكرة، والذاكرة إلى صورة، والصورة إلى حكاية.

ذهبتُ إلى إقليم اليوسفية، لا كسائحٍ يعبر، بل ككاتبٍ يعود إلى جذوره الأولى: جذور الحكاية. في دوار أولاد عبد الرحمان جماعة راس العين ، كان البلاطو مفتوحاً على السماء، والكاميرات تلتقط نبض المكان لتنسج مشاهد من مسلسل «حموشان وهلالة» الذي يُصوَّر لفائدة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون، من سيناريو مشترك بيني وبين المخرجة جميلة بنعيسى البرجي، التي تتولى أيضاً الإخراج، في عمل يشارك فيه أكثر من ستين ممثلاً وممثلة.


FB_IMG_1771886509832.jpg


حين تزور السلطةُ الثقافة

لم تكن زيارة السيد العامل حدثاً بروتوكولياً عابراً. حضور الدكتور عبد المولى طالب، عامل صاحب الجلالة على إقليم اليوسفية، إلى موقع التصوير، حمل معنى أبعد من المجاملة. كان المشهد واضحاً: سلطةٌ تقترب من الثقافة، وتشجع فعل الإبداع في الميدان.

استقبله الطاقم الفني والتقني، ومعهم الاتحاد الإقليمي برئاسة عبد الكريم المني، وسربةجعواق حسام جماعة الشبيهات وسربة فخر الدين العزوزي جماعة راس العين، في صورةٍ تختصر تحالفاً جميلاً بين الفن والمجتمع. كلماته كانت محفزة، داعمة، تؤمن بأن الدراما ليست ترفاً، بل رافعة رمزية وتنموية، وبأن الشماعية ليست مجرد فضاء للتصوير، بل شريك في صناعة المعنى.

أكثر من مسلسل… إنه امتحان للانتماء

«حموشان وهلالة» ليس حكاية قبيلة فقط. هو امتحان للذاكرة الجماعية، واستدعاء لقيم الشرف، والغيرة، والعدل، في زمنٍ تتبدل فيه المعايير. حين كانت الكاميرا تدور، كنت أرى في وجوه أبناء الدوار شيئاً من الاعتزاز: كأنهم يقولون، هذه أرضنا، وهذه قصتنا، وهذا زمننا الذي يعود.

العمل، في جوهره، لا يُصوَّر فقط… بل يُعاش.
أكثر من ستين روحاً تشتغل: ممثلون، تقنيون، حرفيون، شباب من المنطقة. كل واحد يضيف لبنة في بناء الصورة.


FB_IMG_1771886494585.jpg

لقاءات تُغني الحكاية

بالتوازي مع أيام التصوير، كان للشماعية موعد آخر مع الثقافة. التقيت ابنها الزجال إدريس بلعطار، الذي أهداني ديوانه «عيوط أم هاني»، في لحظةٍ حميمة تُثبت أن الكلمة حين تولد من التراب، تعود إليه أكثر صفاءً.

كما جمعتني جلسة بالمؤرخ مصطفى حمزة، الذي قدّم لي كتابه «مدرسة الأمراء العلويين بالشماعية..معلمة عمرانية بإقليم اليوسفية»، كتابٌ يعيد قراءة التاريخ بعينٍ نقدية مشوقة، بحضور وجوه من المدينة: الرجل الطيب نورالدين شعشاع رئيس جمعية بسمة للمسنين، وأحمد بلعطار، وعزيز الدهباني ، وعبد الحق السفياوي وآخرين. كانت جلسة تختلط فيها الذاكرة بالضحكة، والسؤال بالحنين.

وفي مكانٍ قريب من البلاطو، التقيت طاقم برنامج «خير بلادي»، الذي كان يواكب نبض المنطقة، برفقة الأخ أحمد فردوس، والبرنامج من إعداد بنداوود كساب. كأن الشماعية قررت في تلك الأيام أن تكون شاشةً مفتوحة على الوطن.

الشماعية… ليست هامشاً

في نهاية الزيارة، أدركت أن الشماعية ليست هامشاً في الجغرافيا، بل مركزٌ صغير لأسئلة كبيرة.
كيف يمكن للدراما أن تُعيد الاعتبار للقرى؟
كيف تتحول العدسة إلى مرآة للناس؟
وكيف يصبح الفن جسراً بين المسؤول والمبدع والمواطن؟

غادرتُ اليوسفية وفي داخلي يقينٌ واحد:
أن الحكاية لا تُكتب فقط في المدن الكبرى،
وأن القبيلة ما زالت قادرة على أن تمنحنا درساً في الوفاء،
وأن «حموشان وهلالة» لم يأتِ ليحكي عن الماضي فقط…
بل ليقول إن المغرب العميق ما زال حيّاً، ينتظر من يُصغي إليه.

وهكذا، بين البلاطو والكتاب، بين العامل والزجال، بين الكاميرا وأهل الدوار…
كانت الشماعية تكتب وجهها في دفتر الذاكرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى